18 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

ناهض وخسارتي الكبرى

أحمد الدرزي(*)

عام مضى على الرحيل القسري ترك جراحه الغائرة في أعماق الذاكرة التي تشكلت خلال عام ونصف من المعرفة المستحدثة ولكنها كانت خلاصة عقود من الغياب وكأننا كنا روحين تائهتين نبحث عن بعضنا البعض في فضاء البحث عن تحقيق أحلامنا الموضوعية والقابلة للتحقيق في لحظة حرجة من اختلال حركة التاريخ بفعل الحدث السوري

هول الحدث السوري دفع كلانا وضمن ثلة يعتد بها من الكتاب والباحثين والعاملين لاكتشاف شيء جديد في حياتنا كنا مغيبين عنه بفعل عمل كل منا في اتجاه مختلف بالتصورات حول بناء مستقبل المنطقة ولكن حدة الهجمة الدولية على سورية كشفت لنا خطورة وأهمية الموقع الجيوسياسي الذي نشأنا به والذي تعامينا عنه باتجاه تصورات لمشاريع مختلفة ما كان لها أن تتحقق بدون الاهتمام بفكرة المشرق كفضاء جيوسياسي جامع كمقدمة لأي مشروع أكبر

ومع اندلاع الحرب على سورية وانزياح الغالبية العظمى من الكتاب والإعلاميين للتموضع في ضفة المعتدين كنت يا ناهض من القلة القليلة على مستوى عالم العروبة الذين رأوْا الأمر من موقع مختلف لتدفق المال الأسود في شراء الذمم وكنت من القلائل جداً في الجزء الجنوبي المفصول لسورية ( الأردن ) والذين يعدون على أصابع اليدين وربما اليد الواحدة فوقفوا هؤلاء في وجه تياراً جارفاً يساند توهماً ثورةً لا جذور لها في تاريخنا واتخذت من جريدة الأخبار موقعاً لكولتستل قلمك في مواجهة التيارات الظلامية والاسترزاقية ولتطرح مشروعاً متجدداً قابلاً للتحقيق وقادراً على احتواء أزماتنا التي لا تنتهي فكانت فكرة إعادة المشرق ( بلاد الشام وبلاد الرافدين ) فوجدت صدى ما أفكر به وما يعمل عليه ذهني فيه ومضا عامان وأنا أتابع كل ما تكتب وأنا أوافقك بأغلب ما تكتب وأختلف عنك بمسائل لا تترك أثراً على المشروع

وما أشعرني بتميزك الكبير أنني قد أدركت ذلك من التجربة المباشرة الأولى معك فقد كنت قد كتبت تصوراً لمشروع يتعلق بما تطرحه وأؤمن به وأرسلت لك مقدمته المكونة من بضعة أسطر فتلقفتها ولَم تنتظر طويلاً حتى أرسلت لي فجراً جواباً سريعاً بأن أرسل لك كامل المشروع ومن هنا أدركت أنني وجدت وجهي الآخر في مرآة العمل الحقيقي الصادق ومن هنا بدأت رحلة التعويض عما فات من عمرنا فكان اللقاء المطول في دمشق رمز مشرقنا المقاوم والصامد وكأننا نعيد تجربة الرومي وتبريزي فلم نفترق بعدها أبداً لا في دمشق ولا في بيروت ومستثمرين ما وفرته التكنولوجيا الحديثة من وسائل التواصل ولتدور الحوارات بيننا في السياسة والدين والتاريخ والأدب والميثولوجيا فكنت أشعر أنني أغوص في عالمك بأمان لم أعشه من قبل وكسبت منه خلال الفترة القصيرة ما يعادل كل ما بنيته في ذاتي ويكفيني منك أن أعدتني إلى الكتابة المُقِلة بعد انقطاع دام أكثر من ربع قرنٍ من الزمان بفعل حدث جعل القلم يرتجف بيدي فخاطبتني اكتب أكتب فهدأت يدي وبدأ القلم يخط مساره بهدوء وبطء ولكنه كسر الحاجز.

ويكفيني منك أنك قد دفعت بي إلى عالم الجرأة في إعادة استخدام العقل النقدي لتفكيك وتركيب الكثير من المفاهيم من جديد فبدأت الحياة والكون يظهران لي بصور مختلفة وحرة

ويكفيني منك أنك أثبت لي بأن الإنسان يمكنه أن يكون صوفياً بلا دين ولا تدين ويمكن لليساري والماركسي وأي توجه آخر أن يسير في مدارج السلوك العرفاني بالشفافية والصدق والزهد والاندفاع بالجسد والمال لتحقيق ما تنسجم به نفسه مع وقائع الحياة والزمن

ناهًض لقد كان لي من اسمك نصيب فقد أنهضت فيّٓ شيئاً لم أكن أراه في نفسي وقد كنت بأمس الحاجة إليك لتُنهض فيّٓ ما تبقى من خفايا ثنايا نفسي وعقلي وروحي

ناهض لقد كنت برحيلك القسري خسارة كبيرة للجميع بدءاً بأسرتك الكريمة وانتهاءً بالمشروع المشرقي الذي كنا نعمل عليه بمعيّة كل المؤمنين به في سوريا والأردن والعراق وفلسطين ولبنان ولكنني سأبوح لك ولمحبيك بسرٍ لم أبح به لأحد من قبل فإنني أعتبر نفسي الخاسر الأكبر بين الجميع فقد تحطمت المرآة التي كنت أرى بها نفسي

لن أقول لك وداعاً فإنني على يقين بأننا سنلتقي مرة أُخرى وأبدية ولكنني لا أدري هل سيكون قريباً أم بعيداً فذلك لا أعلمه وما يخفف عني بأن طيفك مازال يرافقني وكأننا نسير في باب توما وفي شارع الحمرا وكأنني أنتظر منك مكالمة تقول لي لقد وصلت إلى بيتي في مشتى الحلو فهيا لنكمل ما بدأناه

ولا يسعني في هذه اللحظة إلا أن أقول لك بأن كارثتي الشخصية برحيلك سأحولها مع المخلصين للرؤية الحالمة إلى أمل متجدد قابل للتحقيق ولو بعد حين

لن أخاطبك بالرفيق بل سأستخدم كلمة الشقيق لأقول لك بعد عام من رحيلك إلى اللقاء.

                                                                                                                            شقيقك أحمد الدرزي

دمشق/ 2017.09.25

-------------------

(*) د.أحمد الدرزي: طيب وكاتب سوري.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015