22 آب 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

إيران و الإسلام السياسي – المأزق

لم يمتلك المسلمون الشيعة عبر التاريخ تصورا لحكم الإسلام لمعارضتهم بالأساس نظام الخلافة و اعتمادهم على حاكمية الإمام المعين و المنصب من قبل الله و ما كان من أمر الفقهاء المسلمين الشيعة إلا أن يحصروا حدود ولايتهم في الأمور الخاصة لأبناء الطائفة إن كان في مجال الفتوى و الإجتهاد و كانت أغلبية الفقهاء يرفضون تبني مسألة الولاية العامة إلى أن جاء المحقق الكركي و طرح مسألة الولاية العامة في القرن الحادي عشر الميلادي و من بعده الشيخ مرتضى الأنصاري و أخيراَ على يد الإمام الخميني و خلال مراحل المواجهة مع الشاه حيث ألقى في النجف عام 1975 مجموعة محاضرات بوبت في كتاب سمي الحكومة الإسلامية.

بعد نجاح الثورة في إيران ظنت معظم القوى التي شاركت بالثورة بأن الخميني سينسحب من الحياة السياسية كونه لا يمتلك مشروعا سياسيا و سيترك إدارة إيران لبقية القوى التي لديها منظومات فكرية و سياسية و لكنه فاجأ الجميع بإعلانه الاستمرار في مشروعه معتمداَ على تأييد شعبي كبير من خلال كارزمية خاصة يتمتع بها، فحصل الصدام و تم تثبيت خيار الجمهورية الإسلامية من خلال استفتاء شعبي.

تشكل النظام السياسي الإسلامي في إيران على فكرتين متناقضتين؛ ففكرة الجمهورية بالأساس هي مبدأ غربي لم تعرفه المجتمعات الشرقية و تعتمد بالأساس على الانتخابات في اختيار مسؤولي الدولة بدءاَ من رئيس الجمهورية إلى البرلمان إلى البلديات إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام إلى مجلس الخبراء الذي ينتخب الولي الفقيه و يعزله، وبين الفكرة الإسلامية للحكم بمفهوم الحاكمية لله من خلال تطبيق الشريعة الإسلامية و من هنا كانت فكرة مجلس تشخيص مصلحة النظام الذي حكم بمجموعة من القوانين تتعارض مع الشريعة الإسلامية كما حدث بمسألة الدية لأهل الكتاب حيث أقرها أقر مجلس الشورى بالمساواة بين أهل الكتاب و المسلمين من مبدأ المواطنة و رفضها مجلس الخبراء الذي تعرض عليه القوانين لمطابقتها مع الشريعة الإسلامية فما كان من مجلس تشخيص مصلحة النظام إلا أن أقر المساواة و مخالفاَ للشريعة من مبدأ أن المواطنة هي التي تحقق المصالح العليا للدولة.

مع مرور الزمن و مع حجم التحولات الداخلية و الخارجية أخذ المجتمع الإيراني و بمؤسساته بالتحول إلى دولة مدنية تطرح صيغة مختلفة للدولة الإيرانية تتحدث عن المزاوجة بين مبادئ الجمهورية الغربية و مبادئ الإسلام و ليس الشريعة و ليتحول المذهب الشيعي من حالة دينية إلى هوية وطنية جامعة لأغلب المكونات الإيرانية بديلاَ عن الهويات القومية المتعددة و المهددة للنسيج الإيراني بنزعاتها الإنفصالية.

المأزق الإيراني بالعلاقة مع الإسلام السياسي

كان ينظر الإيرانيون خلال الأربعينات و ما بعدها إلى حركة الإخوان المسلمين نظرة إعجاب و اقتداء وكان التواصل بينهما بدأ مبكراَ بعد لقاء المرجع الشيعي آية الله بروجردي و مرشد حركة الإخوان المسلمين حسن البنا . و تتالى التواصل لدرجة أن نواب صفوي قائد حركة فدائيان إسلام اعتبر أن كل جعفري في سوريا لا ينتمي لحركة الإخوان فليس بجعفري. و قام من بعدها الخامنئي بترجمة تفسير سيد قطب للقرآن ( في ظلال القرآن)

و بعد الثورة اعتبر الإيرانيون أن الإخوان حليف ضروري لهم لنزع فتائل الصراع السني الشيعي و الشراكة في المقاومة و دعموهم في أكثر من موقع وتبنوا قضيتهم في مصر و فلسطين و لبنان و تركيا و السودان و إن اختلفوا معهم في سوريا و مع ذلك لم تنقطع العلاقة معهم و لو عن طريق حماس .

و مع اندلاع ما يسمى ثورات الربيع العربي أخطأ الإيرانيون خطأَ جسيماَ و على لسان أعلى مرجعية و هو الولي الفقيه باعتبار أن هذه الثورات هي امتداد للثورة الإيرانية و هي صحوات إسلامية من بركات ثورتهم ؛ ليكتشفوا جزئياَ فيما بعد بأن المشروع الإخواني هو جزء من المشروع الغربي لإعادة تركيب المنطقة. و مع ذك استمروا بالمراهنة على إمكانية استقطابهم و إشراكهم في بناء شرق أوسط إسلامي جديد. و هذا ما يفسر استمرار دعم إيران لحكومة العدالة و التنمية التركية و توفير سبل نجاحها بالانتخابات الأخيرةٍ رغم الصراع الدموي معها في الموضوع السوري.

بستشعر الإيرانيون القلق و هم يرون أن المشروع الإخواني الذي بنوا عليه آمالاَ لهم قد تهاوى في مصر و بقية المنطقة العربية و على العكس أكثر فإن الإخوانيين تحولوا في بقية المناطق إلى حالة عدوانية مذهبية و دخلوا بأحلاف طائفية مع المملكة الوهابية لمناهضتها كما في السودان. و مصدر القلق الإيراني ناجم عن تبني القوى الدولية الكبرى و تفاهمها على المستقبل العلماني لسوريا و إسقاط المشروع الإسلامي بالدخول الروسي المباشر في سوريا، و بالتالي تعميم هذه التجربة في محيط إيران مما يسمح لكتلة وازنة في الداخل الإيراني تشكل أكثرمن ثلاثين بالمائة من الشعب الإيراني يتصدرها الإصلاحيون للتحرك لتملي تصوراتها مستفيدة من الجو العلماني المحيط. و هي بالأصل ميالة للغرب بنمط الحياة و تبني الأفكار الليبرالية و هذا ما قد يدخل المجتمع الإيراني بصراع داخلي يدمر كل ما بنوه في زمن الحصار.

هذا بالطبع هو أحد الاحتمالات المتوقعة و الاحتمال الآخر و كما عودنا الإيرانيون بعقلانيتهم و المستوى العالي بالانتماء للهوية الإيرانية بثقافتها و تاريخها و محصلتها الحضارية أن يجترحوا الحلول المناسبة و قد يكون ذلك بتعميق الهوية الوطنية الإيرانية و يتحول فيها دور الإسلام من الحاكمية إلى عنصر أساسي في بناء المنظومة القيمية الضرورية لصناعة إنسان سوي يساهم في البناء الحضاري للدولة الإيرانية الصاعدة و المسار العام خلال العقود الماضية يثبت هذا التصور.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  2. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  3. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  4. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  5. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  6. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  7. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  8. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  9. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  10. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  11. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  12. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  13. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  14. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  15. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  16. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  17. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  18. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  19. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  20. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  21. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  22. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  23. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015