22 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

العراق و الإسلام السياسي الشيعي

احمد الدرزي(*)

هيمنت فكرة الانتظار و الانسحاب من العمل السياسي للمرجعية الدينية النجفية على مجمل تاريخ الطائفة الشيعية في العراق بعد الغيبة الصغرى و الكبرى للإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري عام ٢٥٦ للهجرة و وصل الأمر في البدء لنزوح الطائفة الشيعية عن بغداد عام ٤٤٨ للهجرة بقيادة الشيخ الطوسي إلى النجف اعتزالاً للاحتكاكات الطائفية و حماية للطائفةالصغيرة آنذاك من الذوبان في الكتلة السنية الغالبة و استمرت في الانعزال حتى عام عام ١٩٢٠ حيث قاد مراجع الدين الشيعة ( الشيرازي و الخالصي ) الثورة ضد الاحتلال البريطاني الذي اضطر لتأسيس الدولة العراقية الملكية و اعتزل على أثرها الشيعة العراقيون العمل بهذه الدولة لحرمانية العمل ضمن الأنظمة الظالمة بغياب المهدي المنتظر

في عام ١٩٥٨ قامت مجموعة من الضباط الأحرار بقيادة عبد الكريم قاسم بانقلاب عسكري على الملكية العراقية و قاموا بتأسيس الجمهورية العراقية و بسبب قرب عبد الكريم قاسم من الفقراء و من الشيوعيين توفر الظرف الأنسب للشيوعيين بالحركة على أوسع نقاط مما أقلق الدوائر الغربية من انزياح العراق باتجاه الكتلة الاشتراكية و الاتحاد السوڤييتي فأوعزت لشاه إيران بالتدخل لإنهاء الخطر الشيوعي عبر علاقته المميزة بالمرجع الشيعي السيد محسن الحكيم من خلال إصدار الفتوى الشهيرة ( الشيوعية كفر و إلحاد ) مما أدى إلى ملاحقة الشيوعيين في أماكن نشاطهم الأكبر و هي المناطق الشيعية و ترافق ذلك مع ظهور النابغة السيد محمد باقر الصدر الذي عمل على مستويين

المستوى الأول و هو المستوى الفكري من خلال التأسيس الفلسفي الاقتصادي للتصور الإسلامي مقابل التصور الفلسفي الإقتصادي الماركسي

المستوى الثاني على المستوى التنظيمي و من وحي تجربة تنظيم الإخوان المسلمين قام بتأسيس حزب الدعوة الإسلامي

و هنا حصل افتراق و انقسام بالحركة الشيعية العامة بين حركة المرجعية الشيعية التقليدية المنتظرة و المحرمة للعمل السياسي و بين حزب الدعوة و الذي ترك آثاره على طريقة التخلص من المرجع المحاصر السيد محمد باقر الصدر و الذي ترك وحيداً في مواجهة مصيره بسبب طريقة تعاطيه مع الثورة الإسلامية في إيران و دعوة أبناء تنظيم الدعوة ( للذوبان بالإمام الخميني كما ذاب هو بالإسلام )

تشتت أبناء حزب الدعوة بعد إعدام المرجع الصدر و توجهوا إلى إيران و هم يتوقعون و يبنون آمالاً على أن الإيرانيين سيحتضنونهم و سيعتبرونهم الأساس في مشروع العودة للعراق و لكن الإيرانيون كان لهم أجندتهم الخاصة باحتواء التنظيم من خلال تشكيل المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق و تسليم قيادته لمحمد باقر الحكيم الذي كان والده ( المرجع ) يؤمن الغطاء الديني المذهبي لشاه إيران و نتيجة للضغوط تشتت أبناء الحزب في سوريا و لبنان و بريطانيا و الدول الإسكندنافية و الذي سيترك تأثيره فيما بعد على طريقة تعاطي المجموعات المختلفة و المنقسمة في محنة العراق

الاختبار الحقيقي للحركة الإسلامية ( بعد تمزق حزب الدعوة و تشكل حركات متنوعة ) كان بالسقوط المدوي لها و خلافاً لكل أدبياتها السابقة عندما قبلت و ساهمت و حرضت على الاحتلال الأمريكي للعراق و رفضت كل مشاريع التسوية السياسية مع نظام صدام حسين بعدما تيقنت بأن الأمريكيين حزموا أمرهم باحتلال العراق فغلبت عليهم نزعتين أساسيتين و هما الانتقام من صدام حسين و الطمع بالمكاسب السياسية و الاقتصادية الموعودة

السقوط الثاني كان بالقبول بالعملية السياسية الأمريكية بالاعتماد على المحاصصة الطائفية و تقسيم العراق من الناحية الفعلية

السقوط الثالث كان من خلال عمليات الفساد و الإفساد و التي قد تكون تجاوزت آل سعود الى الحد الذي لم تؤمن البنى التحتية الأساسية ( كهرباء-مياه-صرف صحي )

السقوط الرابع و المترتب على ما سبق كان بتغييب النزعة الوطنية العراقية و تغليب النزعات الطائفية و العرقية على المشهد العراقي العام و التعامل بطريقة ثأرية مما فتح المجال للسعودي و التركي منافذ واسعة للتدخل في الشأن العراقي و الاستمرار بتحطيمه منعاً لعودة دوره الإقليمي

السقوط الخامس كان بالمحافظة على التخلف و الجهل بل و العمل على تجهيل أبناء الطائفة الشيعية كي يستطيعوا الإمساك بالعصب الطائفي الضروري للمحافظة على استمرار دورة الفساد المستمرة

هل من مجال لنجاح الإسلام السياسي الشيعي بتجربة جديدة ؟

لقد أثبتت التجربة العراقية للإسلام السياسي بأن الطرح الإسلامي من الناحية النظرية يختلف كلياً عن بناء الشخصية العراقية و أن المسألة الدينية هي مسألة هوية تاريخية موروثة تراكمية عبر مئات السنين لا تحتمل أن يكون لها تصور سياسي للحكم في مجتمع تعددي يحوي أكثر من سبعة عشر هوية تحت وطنية و النجاح بالانتخابات لا يعبر عن النجاح الشعبي للإسلاميين و السبب في ذلك هو نظام المحاصصة الذي يعتمد على آليات التعصيب الطائفي و العرقي

المسألة الثانية و تتعلق بتحول العراق و سورية إلى ساحة واحدة للصراع الإقليمي و الدولي و لا يمكن لأحدهما أن يستعيد عافيته إلا بتعافيهما سويةً و هذا يقتضي من كليهما أن يتشابكا كمنطقة جيوسياسية واحدة و هذا بدوره يفترض أن يبنى التصور السياسي للدولة من خارج آلتصور الإسلامي و هذا لا يمكن تحقيقه إلا ضمن التصور العلماني للدولة و المجتمع مع المحافظة على الدور الديني في بناء الشخصية الوطنية القيمية

_______________________________________________________________________________________________________________________________

(*) أحمد الدرزي : كاتب سوري

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015