28 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

المسألة الوجودية

أحمد الدرزي(*)

لا شك بأن العراق و بلاد الشام تعتبران مهد الحضارات الإنسانية و منها انتقلت الحضارات بما تحمله من معارف جديدة إلى مناطق الجوار إلى كافة أنحاء العالم وهما يعتبران كثنائية متزاوجة المركز الحقيقي لبدء النظام الإنساني المتجدد و بناء إمبراطوريات متلاحقة كان مركزها الحقيقي في بابل و مما أمن الاستقرار لمنطقة الهلال الخصيب و لفترات زمنية طويلة إلى أن بدأت تتشكل الإمبراطوريات المتلاحقة في هضبتي إيران و الأناضول و بدءاً من عام ٥٥٩ ق م و مع ظهور الإمبراطورية الفارسية و فيما بعد الإمبراطورية اليونانية و الرومانية التين تمددتا عبر هضبة الأناضول تحول الهلال الخصيب من مركز للقوة و الصراع إلى ساحة للصراع بين الهضبتين حيث تحول العراق إلى ساحة لتمدد الإمبراطوريات الفارسية و تحولت بلاد الشام إلى ساحة للتمدد الأناضولي و لم ينج الهلال الخصيب من سيطرة الهضبتين إلا في زمن الدولة الأموية و بدايات الدولة العباسية ( المتوكل) حيث بدء العصر التركي متخذاً من الهضبة الإيرانية منطلقاً له و مسيطراً على المشهد العام للمنطقة بالعموم باسم الخلافة العباسية
و من جديد حصل الصدام بين الهضبتين في معركة جالديران عام ١٥١٤ عندما تواجهت الإمبراطورية الصفوية التركية مع الإمبراطورية العثمانية التركية و كان أثر ذلك هو خضوع بلاد الشام بشكل كامل و مطلق لهضبة الأناضول بعد الغزو العثماني التركي مع خضوع كبير للعراق و فترات متقطعة من الخضوع للهضبة الإيرانية
تراجع دور الهضبتين بحكم الغزو البريطاني والفرنسي لبلاد المشرق و تحول الهلال الخصيب المقسم إلى ساحتي صراع بين القوتين إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى أن برزت الولايات المتحدة و خضعت المنطقة لها و ترافق ذلك مع إيجاد الكيان الصهيوني صاحب الدور الوظيفي المتقدم للغرب الأنجلوساكسوني

تركيا و إعادة الدور لهضبة الأناضول
توجهت تركيا بعد سقوط الدولة العثمانية و إعلان الجمهورية التركية عام ١٩٢٣ لإعادة تموضعها و صاغت كل سياساتها الأتاتوركية باتجاه بحيث تكون جزءاً من المنظومة الغربية مستفيدةً من وجودها في أخطر بقعة جيوسياسية مطلة على الشرق و على أوراسيا فتبنت العلمانية و النظام الجمهوري و تغيير الثقافة التركية بدءاً من تغيير الأحرف العربية للأحرف اللاتينية و هذا الأمر أتاح لسورية و العراق أن يبتعدا و لمدة عقود عن مخاطر توسع هضبة الأناضول و ليأخذا دوراً مهماً على المستوى الإقليمي و لكن رغم كل السياسات التي اتبعتها فإن أبواب الغرب بقيت موصدة في وجهها مما جعلها تفكر بإعادة تموضعها من جديد مستفيدة من طموحات الغرب بإعادة صياغة المنطقة بما يخدم الولايات المتحدة بعد خروجها من الشرق الأوسط باتجاه جنوب شرق آسيا و بما يوفر الحالة الأمنية ل"إسرائيل" التي فقدت معظم دورها الوظيفي بعد تموز ٢٠٠٦
بنت هضبة الأناضول دورها الجديد اعتماداً على نظرية "صفر مشاكل" و التي كانت تخفي وراءها مشروعاً إمبراطورياً يعتمد على إعادة بناء مثلث ( قونيا - الموصل - حلب ) كمنطلق لإعادة السيطرة على كل منطقة المشرق العربي و متمدداً باتجاه مصر و شمال إفريقيا و يساعدها في ذلك نهضة اقتصادية عظيمة و تاريخ مشترك من الهيمنة و بالإضافة للتنظيم العالمي للإخوان المسلمين و بقية التنظيمات المتفرخة عنه
وجد الأتراك أن إعادة التموضع لهضبة الأناضول سيستضم مع الهضبة الإيرانية الصاعدة من جهة الشرق و المتمددة نفوذاً قوياً داخل جنوب و وسط العراق و سيستضم مع روسيا الصاعدة بمشروعها الأوراسي شمالاً و سيستضم مع الغرب المتوحد بمنظومة الاتحاد الأوروبي و لم يبق لهذه الهضبة سوى السهل السوري و الذي يعتبر تاريخياً ممراً إلزامياً لأي مشروع إمبراطوري أناضولي لكي ينجح و يتمدد في كل المنطقة و حتى شمال إفريقيا
و من هنا تأتي أهمية حلب بالدرجة الأولى و تليها الموصل في العقل التاريخي المسيطر على هضبة الأناضول و التي تعتبر أن الوجود السوري و بوابته حلب تشكل مسألة وجودية لها و هذا بالضرورة يعني أن استقلال سورية بقرارها السياسي بدءاً من حلب هو بمثابة تحجيم لتركيا و سجنها في هضبتها و هو أمر لا تقبل به إطلاقاً و لو مؤقتاً بعد أن أغلقت كل الأبواب بوجهها و بنفس الحال فإن الدولة السورية أي كان من يقودها يدرك تمام الإدراك بأن طبيعة العلاقة مع تركيا الجارة هي مسألة وجودية للكيان السوري و لعموم بلاد الشام و غرب العراق
و من هنا لا بد للسوريين و العراقيين بشكل أساسي و من خلفهم بقية بلاد الشام أن ينظروا للمستقبل من موقع مختلف كي يحدثوا التوازن مع الهضبة الإيرانية و الهضبة التركية و هذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال إيجاد صيغة جيوسياسية مشتركة فيما بينهما تمنحهما قوة ديمغرافية و جغرافية و سياسية و طاقوية موازنة للهضبة الإيرانية و لهضبة الأناضول مما سيوفر الاستقرار في المنطقة كلها و إخراج العراق و سورية من دائرة ساحة صراع إقليمي و دولي إلى عنصر موازن بين الهضبتين و عنصر استقرار للصراعات الدولية
معركة حلب : و من هذا المنطلق يمكننا أن ندرك أهمية معركة حلب البوابة لكل الأطراف سواءً الأميركي و أدواته التركية و السعودية و القطرية و كل تنظيمات الإسلام السياسي بشقيه الدعوي و الجهادي بالإضافة لإسرائيل أم سواءاً للدولة السورية و حلفائها الإيرانيون و الروس و من خلفهم الصينون و هي معركة مفصلية إستراتيجية سترسم حدود العالم الدولي الجديد و كل الأطراف لن تقبل بها الخسارة التي سيتبعها أدوار جديدة و لذلك أقول أن هذه المعركة لن تنتهي خلال أيام أو أسابيع بل أكثر من ذلك و ربما لن تحسم أمرها لما بعد بداية العام القادم.


دمشق 2016.08.09

------------

(*) أحمد الدرزي:طبيب وكاتب سوري

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  2. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  3. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  4. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  5. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  6. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  7. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  8. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  9. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  10. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  11. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  12. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  13. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  14. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  15. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  16. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  17. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  18. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  19. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  20. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  21. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  22. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  23. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015