22 آب 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم

أحمد الدرزي(*)

رغم أن العلاقات بين الاتحاد السوڤييتي ( روسيا الوريثة له ) بدأت منذ عام ١٩٤٨ مع الاعتراف بإسرائيل كثاني دولة بعد الولايات المتحدة فإن العلاقات لم تكن بأحسن أحوالها و خاصةً في الحرب الباردة و خاصة في ظل التناقض الكبير بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوڤييتي حول أهداف كل منهما على المستوى الداخلي لكل منهما و على المستوى الخارجي الدولي و كان للدور الإسرائيلي الأخطر المناط من قبل الولايات المتحدة لتدمير الاتحاد السوڤييتي الأثر الأكبر بتبنيه للقضايا العربية عبر دعمه الكبير للعراق و سورية و مصر إن كان عبر تطوير البنى التحتية لهذه الدول ( طرق –موانئ-سكك حديدية- مطارات –حقول نفطية – زراعة،،،،،،) أو عبر تزويدها بالأسلحة الدفاعية المتطورة مما كان له الأثر الكبير في حرب تشرين ١٩٧٣

لعبت اسرائيل عبر بعض الشخصيات اليهودية دوراً كبيراً في إضعاف روسيا و إنهاكها بعد إسقاط الاتحاد السوڤييتي و تحوله للنظام الليبرالي الرأسمالي بأسواقه المفتوحة و اللعب الديمقراطية و تشكيل المافيات الروسية الكبرى التي استحوذت على ٤٠٪‏من الاقتصاد الروسي في عهد يلتسين و كان هناك سبعة شخصيات يهودية تربعت على رأس المافيا و أشهرهم خودوروفسكي رئيس العملاق النفطي يوكوست مما أدى لمرور الاتحاد الروسي الجديد بأسوأ أحواله الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية في عهد يلتسين مما عرض الاتحاد لأسوأ أنواع الإذلال و الإضعاف كما عبر عن ذلك بريماكوف بعد قصف الولايات المتحدة للقوات العراقية المنسحبة من العراق و بضمانات روسية

مع صعود بوتين لرأس هرم السلطة المفعم بالمشاعر القومية و الأرثوذكسية المنتفضة على حالة الإذلال و الإنهاك المبرمجة من قبل الولايات المتحدة و معها اسرائيل بالدرجة الأولى و الدول الغربية و الدول الخليجية ( السعودية و قطر ) كانت بداية التحولات بدءاً من معركة غروزني مترافقة مع بدء تفكيك المافيات و خاصةً اليهودية الإسرائيلية بعد وضع زعمائها في السجن أو هروبهم خارج الاتحاد الروسي و مع ذلك استمر المخطط الأمريكي الإسرائيلي الخليجي بمشروعهو بلغت ذروته مع التدخل الواضح و الصريح في تهيئة جورجيا عسكرياً للمواجهة مع روسيا عام ٢٠٠٨

مع بداية الربيع الأميركي ضمناً و العربي ظاهراً أدرك الروس مباشرةً بأن المنطقة العربية بدأت بالدخول في غيبوبة مشروع الفوضى الخلاقة ابتداءاً من تونس ليصل إلى سورية و من ثم لينتقل بعدها في حال نجاحه إلى آسيا الوسطى و داخل روسيا و الصين و كان القرار الروسي الصيني بإفشال هذا المخطط في حلقة سورية و من بعدها إحداث التغيير الجيوسياسي للمنطقة بإخراج الأميركي منها و بناء منظومة إقليمية جديدة تحت المظلة الأوراسية و من هنا كان التصور الروسي معتمداً على وجود حقائق واقعية على الأرض تنطلق من اعتبارات تهم مصلحة الأمن القومي الروسي بما يخص دولة الكيان الصهيوني أولها أن إسرائيل كدولة معترف بها منذ عام ١٩٤٨ و تحوي جالية يهودية روسية مهمة يقدر عددها بحدود المليون نسمة مما يخلق لروسيا لوبي ضاغط و مهم في اسرائيل يدافع عن المصالح الروسية و جاءت اكتشافات الغاز الضخمة في شرق المتوسط بما في ذلك شواطئ فلسطين المحتلة مما دفع بالروس أكثر باتجاه محاولة الاستحواذ على حقول الغاز على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لحماية مصادر الطاقة الروسية من التلاعب بها أمريكياً

ظن الروس بعد تدخلهم العسكري المشروع في سورية بإمكانية إحداث توازن بين القوى المتنافرة في المنطقة فأقاموا شكلاً من أشكال التنسيق مع إسرائيل لمنع التصادم مع غض النظر الروسي عن الطلعات الجوية الإسرائيلية فوق لبنان و المتوسط و حتى عن اغتيال الشهيدين سمير القنطار و مصطفى بدر الدين بالطيران الإسرائيلي بصواريخ موجهة من فوق بحيرة طبرية

هل يمكن أن تستمر العلاقات الطبيعية بين روسيا و إسرائيل ؟

رغم كل ما ذكرناه سابقاً فإن جملة من الأمور تجعلنا نشكك بإمكانية استمرار هذه العلاقة الطبيعية و أولها بأن إسرائيل كدولة هي مشروع غربي و أنجلوساكسوني بالخاص وبدور وظيفي متعدد الأدوار في المنطقةو هي بالتالي جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة الغربية الساعية لتفكيك روسيا و مما يؤكد هذا الأمر هو الدور الإسرائيلي القديم و المستمر بذلك و إن بسويات مختلفةحسب قوة و ضعف الدولة الروسية و المسألة الثانية التي يمكن لها أن تلعب دوراً في تغيير المناخات السياسية هو التناقض التاريخي و العدائي بين الكنيسة الشرقية بالعموم و الأرثوذكسية الصاعدة بالخصوص في روسيا و بين اليهودية مضافاً إليها الدور الإسرائيلي الخبيث و المستمر حتى الآن في روسيا و المسألة الثالثة و تتعلق بحجم الاستقطاب الإقليمي الكبير بين دول لها ثقلها التاريخي و الديموغرافي و الجيوسياسي و خاصةً إيران و تركيا و مصر الغائبة و مضافاً إليها سورية و العراق المغيبين عن مشهد الصراع الإقليمي و حالة الاستقطاب و الصراع الإقليمي لا تستطيع أن تقبل باستمرار دور إسرائيل الوظيفي في الإقليم و بالتالي استمرار الاضطرابات فيها و هو سينعكس سلباً على حالة الاستقرار الضرورية لإطلاق العجلة الإقتصادية و استخراج الموارد النفطية و الغازية و طرق نقلها و المسألة الرابعة تتعلق بالدعم الإسرائيلي الفاضح لتيارات الإسلام السياسي الدعوي و العنفي و خاصة جبهة النصرة ( فتح الشام ) في الجولان السوري و السيطرة من خلالها على أراض سورية جديدة و هذا الدعم هو تهديد واضح للأمن القومي الروسي الذي يعتبر كل أشكال الإسلام السياسي مهدداً لأمنه القومي و لوحدة روسيا بالذات

و ربما تعبر السياسات الروسية المتحولة تدريجياً عن ذلك من خلال الاقتراب أكثر من الموقفين السوري و الإيراني و التوجه أكثر باتجاه إحداث حسم عسكري كبير في حلب و غيرها مع نشر صواريخ S400 و S300 و تحديث منظومات S200 و بقية المنظومات مع الإعلان عن إسقاط طائرتين إسرائيليتين إحداهما طائرة استطلاع و دون اعتراض من الروسو هذا كله سيؤدي حكماً لتحجيم الدور الذي تتطلع إليه إسرائيل أو تريد الحفاظ عليه رغم معرفتنا بأن بقاء اسرائيل مرهون باستمرار دورها الوظيفي

و ربما سيأتي زمنستجد بها روسيا نفسها أما خيارين لا ثالث لهما إما إيران و العراق وسورية و لبنان و مصر و اليمن و إما إسرائيل و السعودية و قطر بينما يبقى الخيار التركي معلقاً إلى حين عودة إحلام الدور التركي إلى الواقع

دمشق 2016.10.28

-----------------

(*) أحمد الدرزي: طبيب وكاتب سوري.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  2. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  3. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  4. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  5. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  6. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  7. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  8. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  9. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  10. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  11. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  12. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  13. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  14. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  15. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  16. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  17. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  18. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  19. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  20. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  21. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  22. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  23. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015