22 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

الإسلام و العلمانية

أحمد الدرزي(*)

يتوارد إلى الذهن مجموعة من الأسئلة الملتبسة حول الإسلام و العلمانية بما يعطي انطباع سلبي عن تضاد فوري بين الإسلام و العلمانية دون إدراك لما يريده الإسلام من الإنسان فرداً و مجتمعاً و ما يدفعنا للشك بحاكمية الإسلام من الناحية الموضوعية و التاريخية فإننا لا نجد نموذجاً واحداً لكيفية اختيار الحاكم و إدارة الدولة و المجتمع و بالتتبع فإننا نجد أن التجارب الإسلامية لا تتشابه مع بعضها إطلاقاً و إذا ما بدأنا بالتجربة النبوية فإنها تنطلق اعتماداً على الاصطفاء المترافق بالوحي و التي تشكل قطيعة عما بعدها من تجارب بحكم انقطاع الوحي و بدء التجارب المختلفة حيث نجد في الفترة التي تسمى بالراشدية أربعة تجارب مختلفة كل واحدة منها عن الأخرى كلياً ثم أُتبعت بالتجربة الملكية المتوارثة باسم الخلافة و لتنتهي مع نهاية الدولة العثمانية بالتجربة السلطانية و بدء عهد الجمهوريات و الملكيات و الإمارات و المشيخات و هنا يقع الإشكال لميار و أربع مائة مليون مسلم عندما يتحدثون عن النظام الإسلامي فعن أي نظام يتحدثون و أي نظام يريدون و حتى في نظام الإمامة فإن غياب الأئمة الذي تجاوز الألف و مائتي عام يفرض نفسه على معتنقيه بظل اختلاف واضح بين معتنقيه لمسألة حاكمية الإسلام و كيفيته و هذا إن دل على شيء فهو يدل على أن النبي ص لم يترك تصوراً حقيقياً لمسألة الإسلام في السياسة واقعياً و ليس اعتقادياً و أن جل ما أراده الإسلام للسياسة في إدارة الدولة و المجتمع هو تحقيق العدل ( ليقوم الناس بالقسط ) و الحرية في المعتقد ( لكم دينكم و لي دين ) و من هنا أقول بأن الإسلام بطبيعته أقرب للعلمانية في إدارة الدولة لغياب النص الديني القرآني الواضح لشكل الدولة و كيفية بناء مؤسساتها و التي تكيفت مع الزمن وفقاً لمقتضيات الحكم و الحاكم و أن الدور الحقيقي للإسلام و لأي دين هو صياغة الشخصية الإنسانية التي تتمتع بخصيصة العدل جوهرياً مما يتيح لها العمل في الإدارة الفردية و إدارة الأسرة و المجتمع و الدولة و بمعنى سياسي آخر كيف تصاغ الشخصية السياسية لتحقق العدل و الحرية

و هذا يعني بأن المسلمين حملوا الإسلام ما لا طاقة له به حيث حولوا تجاربهم السياسية البشرية الطابع إلى شكل من أشكال القداسة مما ترتب عليه تحميل الإسلام كدين وزر الممارسات البشرية التي قد تكون منسجمة مع طبيعة المرحلة التي مورست بها و لكنها لا تنسجم مع المراحل المتقدمة مما أدخل المسلمين بحالة من ازدواج الشخصية بتطلعهم لتطبيقالنموذج الذي يتخيلونه بأنه مطابق لما يريده الإسلام باسم الله و لكنهم يرتطمون بواقع الحياة المعاصرة عندما أول تجربة لهم في الحكم مما يشكل صدمة للحالمين لإعادة إحياء الإسلام و يجعلهم في موقع انفصام الشخصية و هذا ما أساء لدور الدين بالحياة بشكل عام و بالإسلام بشكل خاص

و اعتماداً على ما سبق فإن الدفاع عن العلمانية كإطار لإدارة الدولة و المجتمع و موقفها الحيادي من مسألة الإيمان و الإعتقاد بالأديان يجعل من الأديان و من الإسلام بالذات يتحرر من مسألة الاستثمار في الصراعات البشرية و تحفظ له دوره في المجتمع الذي لا يستطيع الاستغناء عن الدين للإجابة على مسألة الحياة و الموت و تحفظ له دوره الكبير في تأمين الطمأنينة و السكينة و المودة و المحبة بين أفراد المجتمع و تحرره من هيمنة المؤسسات الدينية الطامحة أبداً بمسائل الدنيا و بالتالي فإن المستفيد الأول من مسألة العلمانية هو الدين نفسه و الإسلام بالذات

و هذا يدفعنا للقول بأن كل المحاولات التي تسعى لبناء نظريات إسلامية للحكم ستكون نظريات بشرية مغلفة بإطار إسلامي و هي محكوم عليها بالفشل أو النجاح بمقدار ما تمتلك من إمكانية في إيجاد حلول متوازنة للمشاكل المترتبة عن حصول الاجتماع الإنساني و هذا الأمر يأخذنا إلى فكرة مترسخة و تتعلق بفشل كل التجارب البشرية عبر التاريخ الإسلامي في تحقيق دولة العدل و الحرية بسبب بسيط و هو أنها حاولت أن تعطي لهذه التجارب الصبغة الإسلامية المقدسة لتبرير سياسات الظلم و النهب و الإسلام أحق بالحماية مستقبلاً من تحميله أية نظرية جديدة لأنها في المحصلة ستكون انتاجاً بشرياً من موقع الاجتهاد فيكفي الإسلام تحميله ما لا يطيق

دمشق 2016.11.07

-----------------

(*)د.أحمد الدرزي:طبيب وكاتب سوري

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015