22 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

المتغيرات الأمريكية

أحمد الدرزي(*)

مع سقوط جورج بوش الأب في انتخابات تداعى المحافظون الجدد في مزرعة آل بوش عام ١٩٩٣ و كانت المهمة الأساس لذلك الاجتماع هو وضع استراتيجية لقرن أمريكي جديد من التفرد و السيطرة و النهب لمقدرات العالم و لمصلحة الشركات النفطية و المجمعات الصناعية العسكرية و كبرى المصارف المالية عبر الغزو المباشر لخمس دول منها أفغانستان و العراق و لبنان و ليبيا و السودان بالإضافة لسورية و إيران عبر التدمير الذاتي لهما و بما يتيح لها منع صعود الدول ذات الطابع الإمبراطوري كالصين و روسيا عبر الإمساك بمفاصل الطاقة و طرق نقلها بالإضافة للسيطرة السابقة على الممرات البحرية و الملاحظة المهمة في كل ذلك أن كل القوى المهيمنة على هذا المشروع هم من الأنچلو ساكسون بالإضافة للوبي الصهيوني

مع تعثر مشروع القرن الأمريكي الجديد في أفغانستان و العراق و الهزيمة المنكرة في حرب تموز ٢٠٠٦ بدأت مظاهر التعثر الأمريكي الداخلي و كانت البداية مع أزمة القروض العقارية عام ٢٠٠٨ و ارتفاع مستوى الدين الداخلي و سندات الخزينة الأمريكية فكان لابد من تحول طرائق تحقيق الاستراتيجية الأمريكية فكان اللجوء للإنسحاب من عمليات الغزو المباشر للدول و الاستعاضة عن ذلك باستخدام نمط الجيل الرابع من الحروب و الإعتماد على تشكيلات محلية مدعومة بعناصر أجنبية لإسقاط الدول و تدميرها و مع ذلك استمر التراجع الاقتصادي مترافقاً مع صعود واضح وسريع لروسيا و الصين و إيران و صعود منظمة البريكس و منظمة شنغهاي ذات الطابع الأمني الاقتصادي بدأت صورة الولايات المتحدة المستقبلية تتوضح لمراكز الدراسات الأمريكة العائدة لمكتبة الكونغرس الأمريكي و المؤرخ الأمريكي الأهم ألفريد ماكوي و كانت ذروة الوضوح مع ما كتبه أهم الاستراتيجيين الأمريكيين و الصانعين للاستراتيجية الأمريكة زيبنغو بريجينسكي في بحثه المطول المعنون ( العالم ما بعد أمريكا ) و كانت كل هذه الدراسات تؤكد على حقيقة أن تفرد الولايات المتحدة بالعالم كقطب وحيد هو إلى تلاشي و أن الصين تشكل الخطر الأكبر عليها و كان الخلاف حول التوقيت الزمني لتصبح بالمركز الثاني بعد الصين فهل سيتم ذلك في عام ٢٠٥٠ أم في عام ٢٠٢٥ أم أقل من ذلك

من هنا تأتي نتائج الانتخابات الأمريكية التي يجب أن لا نعول عليها بما يتعلق بحسن نوايا أي من الطرفين الرابح و الخاسر بل ما يهمنا بالأمر الذي سينعكس مستقبلاً على المستوى العالمي ككل هو أن الانتخابات تعبر عن صراع بين استراتيجية قديمة تحاول الاستمرار بكل السياسات المتبعة لتحقيق بقاء أمريكا كقطب وحيد مهيمن على القرارات و المقدرات الدولية ليصرف جزء منه في الداخل الأمريكي لمنع الانهيار الذي سيحصل مهما طال الزمن و بين استراتيجية جديدة بدأت ملامحها بالتشكل مع قدوم ترامب و بشكل فاجأ الأغلبية العالمية باستثناء من كانوا يدركون بحتمية فوز ترامب بناءً على دراساتهم و إحصائياتهم الخاصة

الاستراتيجية الجديدة تعتمد بشكل أساسي على أن المحافظة على المصالح الأمريكية تقتضي سلوك سياسات مختلفة عن السياسات السابقة و فيها إقرار ضمني بالتغيرات العالمية الحاصلة مع الصعود المستمر للصين و روسيا و إيران بالذات و هذا ما عبر عنه بالبرنامج الانتخابي بالإعجاب بشخصية بوتين و ضرورة التعاون مع روسيا و التفاهم معها و هذا يعني الإقرار بالنظام الدولي المتعدد الأقطاب و بالتالي لابد من التفاهم معها عبر التخلي عن سياسات صناعة الإرهاب و الإرهابيين و استثمارهم في تدمير الدول و تعبيره عن ضرورة تدمير داعش في سورية و العراق بشكل حقيقي ما هو إلا رسالة للروس و الصينيين بالقابلية للتعاون بالتخلي عن كل السياسات السابقة

هل يقدر ترامب على فعل ذلك ؟

لا شك بأن الدولة العميقة التي ذكرت سابقاً تهيمن بشكل مطلق على كل المفاصل الأساسية في الحياة السياسية و الاقتصادية و العسكرية و الأمنية و تستند إلى ثوابت في السياسات الداخلية و الخارجية و هي تستطيع حتى الآن و في المستقبل القريب السيطرة على المسار العام و لن تسمح لترامب بأن يلتزم بوعوده الانتخابية و ستلجأ إلى كل الوسائل المتاحة و القذرة لإلزامه بالمسار العام و ليس أمامه إلا أن يلتزم بذلك و إلا فإن مصير جون كيندي سيكون ملاحقاً له و هذا لا يهمنا كثيراً إلا بنقطتين فقط و الأولى منهما أن الصراع الداخلي بين استراتيجيتين مختلفتين قد بدأ بالتعبير عن نفسه مما سيؤدي إلى تسارع التراجع الأمريكي و يمنح فرصة للشعوب و الدول أن تتنفس قليلاً و تبحث عن خيارات أوسع لما فيه مصلحتها و الثانية هو توفر فرصة زمنية قصيرة لا تتعدى عدة أشهر يجب أن تستثمر بشكل مميز في العراق و سورية عبر حسم عسكري كبير و تلاقي الجيش العراقي و الحشد الشعبي مع الجيش السوري و حلفائه في نقطة واحدة أي كان موقعها

دمشق 2016.11.11

----------------

(*) د.أحمد الدرزي: طيب وكاتب سوري

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015