22 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

الأستانة و المسارين

أحمد الدرزي(*)

ما إن انتهت معركة حلب حتى انطلقت الإشارات لبدء خط الحل السياسي في اجتماع وزراء خارجية و دفاع كل من روسيا و تركيا و إيران في موسكو و ليتم الإعلان بعدها بموجب اتفاق بين موسكو و أنقرة عن وقف إطلاق النار في كل الأراضي السورية مع موافقة أهم الفصائل المسلحة السبعة باستثناء داعش و النصرة ( فتح الشام ) و تحديد عقد أول اجتماع بين المعارضات السورية و ممثلين عن الحكومة السورية و بإشراف الدول الثلاثة السابقة الذكر مع استثناء الولايات المتحدة من المشاركة فهل تتوفر الشروط اللازمة للحل في الأستانة ؟

أصبح واضحاً للجميع بأن خارطة الصراع في سورية تتشكل من ثلاثة مستويات ( محلي و إقليمي و دولي ) تتوزع فيها القوى بشكل معقد في الطرف المعارض و امتداداته الإقليمية و الدولية و بناءً على هذه السويات فإن أي حل لا ينظر إلى العمل على هذه السويات فإنه لا يمكن أن يصل إلى الهدف المطلوب فهل هذا ممكن ؟

على المستوى المحلي فإن هناك طرفين الأول تمثله الحكومة السورية و التي ما زالت تحوز على الشرعية الدولية في الأمم المتحدة و رغم التباينات غير المرئية بين أطرافها فإن الرئيس الأسد يلعب الدور الضامن لوحدتها و الدور الضامن للجدية في الوصول للحل المقبول من أغلبية السوريين بينما الطرف المقابل فهو يمثل التنظيمات السلفية الوهابية و الإخوانية و هي تحمل مشروعات الإسلام السياسي و تصورات متناقضة للحل القائم على أساس العلمانية مع تمزقهم و صراعهم فيما بينهم عقائدياً و عسكرياً و حملات تخوين بالإضافة لارتباطاتها الخارجية المتنوعة و المتعددة و بالتالي فإن أي حوار مع هذه المجموعات و واجهاتها السياسية لا يحمل أية إمكانية للنجاح

و إذا ما انتقلنا للمستوى الإقليمي فإننا سنجد جبهتين مختلفتين عن بعضهما البعض الأولى تتصدرها إيران المنخرطة بشكل كامل في دعم الحكومة السورية و بكل المستويات و يقف معها بشكل خجول كل من مصر و الجزائر و عمان بينما تقف الجبهة الإقليمية الأُخرى و تضم عدد كبير من القوى الإقليمية المتناقضة بالمصالح بما تريده في سورية و لا يجمعها سوى أمرين هما إسقاط النظام السياسي القائم و أمر العمليات الأمريكي و تضم في صفوفها كل من تركيا المتصدرة للمشهد و كل من "إسرائيل" و الأردن و قطر و السعودية و الإمارات و تلعب تركيا الدور الأساس في الفعل الإقليمي بحكم حجمها الكبير و تطورها الاقتصادي و البعد الجغرافي و الديموغرافي الكبير و الطول الكبير للحدود بين البلدين و الأهم من كل ذلك هو مشروع العثمانية الجديدة التي توقن بأن لا حياة لهذا المشروع من دون السيطرة على سورية أولاً و العراق ثانياً و هنا المشكلة الكبرى في الحل على المستوى الإقليمي فرغم المآزق الداخلية و الخارجية للدولة التركية فإن من الصعوبة بمكان أن تذهب لحل سياسي في سورية يقبل باستمرار المنظومة السياسية الحالية بعد تحريض استمر لقرابة ستة سنوات مع دعم و تبني كافة المجموعات الإسلامية بما في ذلك داعش و النصرة و ذهاب تركية للحل يعني أمرين هما نهاية مشروع العثمانية الجديدة و النهاية المميتة لأردوغان و حزبه على يد المجموعات التي تعتبره أنه غدر بها أو على يد المخابرات الأمريكية مباشرةً أو عبر أدواتهم و هذا ما لا تقدر عله تركيا

بالإضافة إلى تركيا هناك المملكة السعودية التي ستعتبر أكبر الخاسرين لأن في خسارة الحرب في سورية مع خسارة الحرب في اليمن المترافقة مع تغير الموازين الدولية لغير صالح الولايات المتحدة و كل أدواتها سيكون له منعكسات مباشرة على الإسلام السياسي بشقيه العنفي و الدعوي و على الدول الراعية و في مقدمتها السعودية بالإضافة لفقدان الدور الإقليمي و الإسلامي و هذا ما لا تحتمله و ستسعى بكل ما بقي لديها للدفاع عن نفسها بإفشال أي حل إلا إذا استحصلت على ضمانات تبقي لها دور في الحل و بالتالي شيئاً من النفوذ

و هناك قطر التي دفعت أموالاً طائلة لدعم كل الجماعات و خاصةً الجماعات الإخوانية و جبهة النصرة طمعاً بالنفوذ السياسي و التنافس مع السعودية الوهابية و الأهم من كل ذلك هو استثمار كل ما سبق في مد أنابيب الغاز لتركيا و أوربا عبر سورية و لذلك فإن أي حل سياسي لا يلحظ مصالحها فإنها ستحاول عرقلته عبر تركيا و عبر المجموعات المسلحة التي تمولها

و بالطبع هناك "إسرائيل" التي لا تريد أن يتوقف الصراع في سورية بأي شكل من الأشكال كي تبقى بمنأى عن الصراع المباشر

بالإضافة إلى كل ذلك هناك إيران و التي تسعى لوجود شريك إخواني مقبول لاعتبارات داخلية وخارجية تتعلق بأمنها القومي و هذا يتناقض مع فكرة علمانية الدولة السورية و أمنها الداخلي

و كل هذه الصورة توصلنا إلى نتيجة أساسية بأن الجبهة الإقليمية المناهضة للدولة السورية لا مصلحة لها بأي حل لا يحفظ مصالحها و طموحاتها و لن تلعب دوراً إيجابياً في أي حل

أما على المستوى الدولي فهناك جبهتين متقابلتين الأولى تمثلها روسيا بمشروعها الأوراسي و تقف معها الصين و قد انخرطت روسيا بالمسألة السورية من موقع الأمن القومي الروسي فدخلت بقواها العسكرية مباشرة لتقلب الأمور ميدانياً لصالح الدولة السورية و حلفائها الإيرانيين و العراقيين و اللبنانيين بينما تتشكل الجبهة الدولية الثانية من الولايات المتحدة التي تدير الصراع برمته على المستوى الدولي و الإقليمي و المحلي و معها كل من فرنسا و إنكلترا و ألمانيا و كندا و استراليا و بقية حلف الناتو و قد قادت الصراع بمكر شديد و هي تدرك أنها في طور التراجع من مرحلة القطب الواحد إلى مرحلة عالم متعدد الأقطاب و تقاوم هذا التحول عبر استهداف روسيا و الصين عبر الإسلام السياسي و الاستنزاف و لذلك فإن الدولة العميقة في الولايات المتحدة رغم تغير الإدارة الأمريكية بعد مجيء ترامب و فريقه إلى البيت الأبيض ستعرقل إي دور إيجابي في إيجاد حل سياسي في الأستانة و غيرها

ما الحل ؟ و هل هناك أمل ؟

ما طرح الآن من حلول بالحوار مع الجماعات الإسلامية غير المصنفة بمجلس الأمن إرهابياً و إشراك الدول الإقليمية حقيقة بالحل لن يفضي سوى إلى الفشل أو تشكيل نظام سياسي جديد يغلب عليه نمط المحاصصة إرضاءاً لنفوذ القوى الإقليمية و الدولية مما سيجعل من سورية دولة فاشلة مديونة على شاكلة العراق و لبنان و هذا لا مصلحة للسوريين به

الأمل بالحل يتعلق بتشكل يقين لدى الدولة السورية بأن التغيير لابد منه و لمصلحة الجميع و أن إمكانية الاستمرار وفق الآليات السابقة أصبح من الصعب الاستمرار بها إذا لم يكن من المستحيل و هذا يحتاج لحوار وطني حقيقي يشارك به الوطنيون من شخصيات معارضة و شخصيات داخل الدولة تؤمن بالحل السياسي السوري مع إشراف الدول الحليفة لسورية و المؤمنة بعلمانيتها و خاصةً روسيا و مترافقة مع حسم المسألة الإقليمية بلجم القوى الإقليمية كافةً و خاصةً تركيا مع إقرار الولايات المتحدة بالنظام الدولي الجديد متعدد الأقطاب و الدور الروسي الكبير في سوريا و المشرق و هذا أمر واقع الذي بدأت الصحافة "الإسرائيلية" بالاعتراف به

فهل يقتنع الجميع بصوابية الحل السوري- السوري و اجتراح مسار دمشق ١ بديلاً عن كل المسارات الخارجية ؟

لن يطول الزمن بذلك فدمشق هي الحل الحقيقي الوحيد و ليس جنيف و لا ڤيينا و لا الأستانة

دمشق/2017.01.06

------------------

(*)د.أحمد الدرزي:طيب وكاتب سوري

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015