28 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

أوراسيا والمشرق

أحمد الدرزي(*)

في القرن العاشر الميلادي أرسلت الدولة البيزنطية مجموعة من المبشرين المسيحيين الأرثوذكس للدعوة للمسيحية وقد نجحت بتحويل روسيا من الوثنية إلى المسيحية مع ربط أواصر العلاقة المقدسة ببطركية أنطاكية التي كانت تعتبر العاصمة الحقيقية للديانة المسيحية، ومن هنا كانت الرابطة الأولى مع سوريا وأخذت طابعاً مقدساً لدرجة أن الروس يعتبرون سوريا في التراث الشعبي أرضاً مقدسة بالنسبة لهم، كونها حمت السيد المسيح بالتخفي أثناء ملاحقته من قبل الدولة الرومانية.

وفي بدايات القرن الثمن عشر أعلن بطرس الأكبر عن تأسيس الإمبراطورية الروسية التي أصبحت ثاني أكبر إمبراطورية عبر التاريخ، بعد الإمبراطورية المغولية واستمرت من خلال ثنائية القومية الروسية القيصرية والبطركية الأرثوذكسية في موسكو ولكن نقطة الضعف الأساسية لهذه الإمبراطورية أنها كانت محرومة من استخدام البحار بحكم كونها ذات طابع بري، ومنفذها الوحيد على البحر هو على المنطقة القطبية الشمالية، مما جعلها تبحث عن موطئ قدم في المياه الدافئة مما اضطرها لخوض اثنتا عشر حرباً مع الدولة العثمانية للإطلالة على البحر الأسود من خلال جزيرة القرم، ولكن هذا لم يشعرها بالأمان لوجود مضيق البوسفور ولحاجتها للتواجد في البحر الأبيض المتوسط، الذي تشهد شواطئه وممراته أكبر التبادلات التجارية العالمية وكان خير حلم لها هو الشاطئ الشرقي منه وسوريا بالذات وهذا ما جعل الإمبراطورة كاترين الثانية تطلق جملتها المشهورة: "سوريا مفتاح بيتي".

ورغم تغير نظام الحكم في الإمبراطورية بعد الثورة البلشفية عام ١٩١٧ فإن السياسة الروسية بقيت محكومة بهاجس المياه الدافئة في البحر المتوسط، واستطاعت أن تحصل على موطئ قدم في طرطوس، وهو أقل من قاعدة بحرية

بالإضافة إلى هذين الجانبين فإن الجانب الثالث يتعلق بطبيعة التكوين التاريخي الاجتماعي لروسيا فهي في المحصلة تقع في البر الآسيوي و على تماس و تمازج مباشر مع الشعوب الآسيوية الشرقية مما جعل من الشخصية الروسية هي أقرب للشرق منها للغرب وقد عزز هذا الأمر التجربة المريرة مع الغرب في عدة محطات وكان آخرها إسقاط الإتحاد السوڤييتي وتمزيقه مع رغبة روسيا الجديدة بالدخول إلى المنظومة الغربية التي تحكمها السياسات الأنجلوساكسونية منذ القرن السابع عشر

ولكن هذه المحاولة قوبلت بالرفض من موقعين:

الأول: منهما الخلاف الحاد والخفي المبطن بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنائس البروتستانتية

الثاني: هو السعي الحثيث لمنظومة النهب الدولية الأنجلوساكسونية لتمزيق روسيا والسيطرة على مواردها الهائلة

من هذه المنطلقات كانت إعادة التأسيس لروسيا الجديدة، لتكون قطباً عالمياً متجدداً وبالتآزر مع الصين الصاعدة أيضاً، ولرسم معالم نظام دولي جديد محكوم للقانون الدولي، لا لغرائز الناهب الدولي الكبير في نيويورك وهذا التأسيس اعتمد على ألكسندر دوغن العقل المفكر لروسيا بوضع إستراتيجية أوراسيا والتي تعتبر سوريا والمشرق عموماً جزءاً أساسياً منها، وكخط دفاعي الأقرب للدفاع عن موسكو ومن هنا يمكننا أن نفسر التصلب الروسي الكبير في الدفاع عن روسيا في سوريا وضرورة هزيمة الولايات المتحدة في سوريا من خلال تفكيك و القضاء على كل منظمات بلاك ووتر الإسلامية الأمريكية، ومن ثم العمل على منع الدول الإقليمية من أن يكون لها دور و نفوذ داخل سوريا أكثر من الأحجام الطبيعية لهذه الدول

ماذا يوفر مشروع المشرق لروسيا ؟

هناك جملة من المخاطر على مستقبل الأمن القومي الروسي و المشروع الأوراسي وهي مخاطر مترابطة مع بعضها البعض تصب كلها في إطار محاصرة روسيا و تمزيقها و السيطرة على مواردها الطبيعية الهائلة و هي جميعها ترتبط بالولايات المتحدة

أولاً – الخطر التركي وهو العدو التاريخي لروسيا الذي خاض معها اثنتا عشر حرباً متتالية وهي ما زالت تهدد روسيا بخمسة مسائل أساسية

1.الأقليات القومية التركية داخل الاتحاد الروسي

2.الأقليات المسلمة بتنوعاتها القومية المختلفة و قابليتها للنمو الديموغرافي السريع و المهدد للنسيج الروسي التاريخي

3.دول آسيا الوسطى التي يغلب على أربع منها القومية التركية و اللغات التركمانية القريبة من اللغة التركية

4.امتلاكها للمضائق البحرية التي تعتبر الممر الوحيد المباشر للمياه الدافئة

5.ارتباطها الوثيق بالغرب وبالذات الولايات المتحدة التي تمسك بكل الخيوط السياسية والاقتصادية والعسكرية لتركيا واستخدامها لها و لموقعها الجيوسياسي المهم في التغلغل لروسيا

ثانياً – مخاطر الإسلام السياسي الذي مازال يعمل بكل قوة لصالح الولايات المتحدة في زعزعة استقرار روسيا واستنزافها داخلياً وخارجياً ( الشيشان و أفغانستان سابقاً والمشرق حالياً ) و ينبع الاستثمار الأمريكي لذلك من خلال دولتين هما تركيا عبر الإخوان المسلمين و حزب التحرير الإسلامي و المملكة العربية السعودية التي تشكل بنك الموارد العقائدية والمالية والبشرية لكل الحركات التكفيرية وقد كان واضحاً الدور السعودي في إسقاط الاتحاد السوڤييتي وتفكيكه عبر أفغانستان

ثالثاً – المخاطر الاقتصادية – كان من الواضح دور الفيوضات المالية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز في إعادة بناء الاقتصاد الروسي والدور العسكري والسياسي الدولي لها وهذا ما دفع الولايات المتحدة للعبث في أسواق النفط و محاولة نقل الغاز القطري إلى أوروبا بديلاً عن الغاز الروسي وبأثمان بخسة وكان للدور السعودي الخبيث في التلاعب بأسواق النفط الدور الأكبر مما أدى إلى انخفاض المداخيل الاقتصادية والتي تهدد من نمو الاقتصاد الروسي والدور الروسي العالمي وهنا تلعب المملكة السعودية الدور الأساس في هذا الأمر وبالإضافة إلى ذلك التهديدات المُحتملة من استخراج الغاز على سواحل البحر الأبيض المتوسط وبشكل متفلت وبما ينعكس على أسعار الطاقة.

اعتماداً على هذه المخاطر الثلاث فإن مشروع المشرق الاجتماعي والذي يعتبر العراق و سورية والأردن وفلسطين ولبنان ذو فضاء جيوسياسي تاريخي حضاري واحد وبالأخص سورية والعراق كمرحلة أولى يمكن أن يقدم خدمات ومصالح متبادلة بين هذا المشرق و روسيا

أولاً – اكتمال حصار تركيا المهووسة باستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية صاحبة التاريخ الأسود من الجنوب وهو المنفذ الوحيد لتركيا كي تحقق أحلامها وهذا سيعيدها إلى حجم قوة إقليمية طبيعية تنآى بنفسها عن التدخل الفج في روسيا وآسيا الوسطى وينزع منها سلاحي الأقليات والقوميات التركية وسلاح الإسلام السياسي ألإخواني والتحريري

ثانياً –تحجيم الدور السعودي الذي يدرك تمام الإدراك بأن وحدة العراق وسوريا هو نهاية حكم آل سعود والدور السعودي وهذا الأمر كان واضحاً لعبد العزيز آل سعود الذي أوصى أولاده بأن لا يسمحوا بوحدة العراق وسوريا لأن في ذلك نهاية ملكهم

هذا التحجيم سيجعل من روسيا تربح مسألتين بنزع سلاح النفط والغاز من السعودية وقطر ونزع سلاح الإسلام سياسي التكفيري

ثالثاً – بالمشرقية تستطيع أن تؤمن روسيا عنصراً موازناً لإيران و تركيا مما سيؤدي لإخراجه من إطار الصراع الإقليمي والدولي وإدخال المنطقة بأكملها تحت الفضاء الجيوسياسي الأوراسي بديلاً عن الفضاء الأمريكي مما يؤمن حماية كبرى لروسيا

رابعاً – يؤمن مروراً حراً لروسيا باتجاه المياه الدافئة وخاصةً سورية ومصر وبالتالي يؤمن حماية المشرق من استمرار الهجمات الغربية المتعددة الأهداف على المنطقة ومن أهم أهدافه بها روسيا بالذات

خامساً – الحفاظ على النسيج الاجتماعي المتنوع تنوعاً كبيراً والذي لا يمكن أن يستمر إلا من خلال العلمانية كإطار لإدارة الدولة والمجتمع يبقي على المسيحيين المشرقيين و باقي الأقليات الكبرى وهذا الأمر سيكون الخطوة الأولى في هزيمة كل أشكال الإسلام السياسي من خلال بناء نموذج جاذب لكل المنطقة يتمتع بمستوى عالٍ من الحريات الاجتماعية والسياسي

خامساً – يتمتع المشرق بحجمه الكبير بإمكانية إحداث تنمية اقتصادية كبيرة ومتسارعة بحكم التجربة التاريخية المتراكمة في مدنه وباستحواذه على موارد كبيرة من الطاقة يمكنه أن يُوجِد حالة اقتصادية تبادلية ومتكاملة مع روسيا ويحفظهما من إمكانية تلاعب الآخرين بأسعار الطاقة

هذه رؤية تعبر عن المصالح المشتركة بين مشروعي أوراسيا ومشروع إعادة بِنَاء المشرق.

دمشق 2017.04.01

-------------

(*) د.أحمد الدرزي: طبيب وكاتب سوري.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  2. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  3. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  4. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  5. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  6. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  7. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  8. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  9. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  10. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  11. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  12. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  13. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  14. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  15. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  16. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  17. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  18. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  19. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  20. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  21. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  22. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  23. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015