17 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

مقتدى الصدر وخلل البوصلة

أحمد الدرزي(*)

ما دفعني للكتابة هو سؤال أخ عزيز يستفسر به عن سبب موقف مقتدى الصدر من سورية و رئيسها

المشكلة ليست وليدة اللحظة و إنما تعود بجذورها لعام ١٩٩١ و بعد قضاء صدام حسين على الانتفاضة الشعبانية و بسبب الأخطاء الإيرانية عبر مجموعات المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي دخل إلى العراق و رفع صور و شعارات الإمام الخميني و ولاية الفقيه مما أدخل القلق العميق لصدام حسين مما دفعه للتفكير باستقطاب الشيعة العراقيين عبر السماح بتشكل مرجعية عربية شيعية عراقية كبديل عن مرجعية قم مما دفع السيد محمد صادق الصدر و هو تلميذ السيد محمد باقر الصدر للاستفادة من هذه الفرصة و التصدي لهذه المرجعية فأنشأ تياراً عريضاً و واسعاً في العرق و هنا أخطأ الإيرانيون مرة ثانية عبر تخوينه من قبل مجموعة محمد باقر الحكيم ( المجلس الأعلى ) و اعتباره عميلاً لصدام و مناقضاً للمشروع الإيراني و لم يدركوا حجم خطئهم إلا بعد اغتيال صدام و بشكل وقح للسيد محمد صادق الصدر و ابنيه مؤمّل و مصطفى عام ١٩٩٩ و السبب الحقيقي للاغتيال كان التحدي الكبير من قبل السيد لصدام و أمريكا معاً عبر رفعه شعار كلا كلا أمريكا كلا كلا للطاغوت و أدى اغتياله لحصول انتفاضة كبيرة في أغلب المناطق و ورث بعدها السيد مقتدى تياراً كبيراً جداً و بالملايين و هو لم يتجاوز بعد السادسة و العشرين عاماً و لم يكن مهيئاً بالأساس ليكون في هذا الموقع و بهذا العمر

و بعد دخول الاحتلال الأمريكي للعراق و دخول السيد محمد باقر الحكيم معهم و أغلب المجموعات الشيعية المعارضة و باشتراك الإخوان المسلمين بقيت الاختلافات والتخوينات السابقة تشكل حساسيات دائمة و مستمرة و قد حاولت إيران احتواء هذا التيار مراراً و لكن التراكمات السابقة بقيت حاجزاً رغم حماية إيران له في معركة النجف عندما حاصره الأمريكيون و من ثم حصلت مواجهة ثانية بين المالكي و قوات جيش المهدي في الجنوب بما يسمى بصولة الفرسان و التي كان من نتائجها تقوقع جيش المهدي و قبول السيد للدخول بالعملية السياسية

ثم حصل انشقاق داخل جيش المهدي و تشكل بعده عصائب أهل الحق بقيادة الشيخ قيس الخزعلي و كان للعصائب دوراً كبيراً في المقاومة و إخراج الأمريكيين من العراق عام ٢٠١١

المشكلة كانت بالنسبة للسيد مقتدى هو التأرجح بين مجموعة من المواقف فهو أول من تصدى للاحتلال الأمريكي ثم انكفأ ثم ذهب لطهران و من ثم عاد فتأرجح بين قبول التعاون مع الإيرانيين و رفض التعاون و من ثم مطالبتهم بالخروج من العراق و التأرجح بين العروبة و الإسلامية و هذا دفعه للقاء جزئياً مع السعودية عبر زيارته الأخيرة لها و لقائه بزعامات المملكة و لم يعرف شيء عن نتائج هذه الزيارات و طبيعة التفاهمات التي حصلت بما يتعلق بالعراق أو سورية أو إيران

المشكلة بالسيد مقتدى أن هناك نوازع متناقضة تحكمه فهو ورث تياراً عريضاً كان الأنقى و الأقوى بالعراق فإذا بقوى متعددة تقضم من هذا التيار بفعل عدم وضوح الرؤية السياسية له و تأرجحها كما أن تورط الكثير من المسؤلين العراقيين الصدريين بالمحاصصة السياسية الطائفية الأفسد في تاريخ العراق و العرب مما انعكس عليه سلباً عليه و كان الخطر الأكبر على هذا التيار هو صعود تيار الحشد الشعبي بعد اجتياح العراق التي أثبت بأنه أمل العراق القادم فكيف سيحافظ على هذا التيار ؟

كما أن التراكمات التاريخية و حساسياتها ما زالت تلعب الدور الأساس في الموقف من إيران و سورية و لكل ما يمت لمشروع المقاومة و هذا ما دفعه لعدم اللقاء بالسيد نصر الله في بيروت أثناء زيارته الأخيرة رغم رمزية السيد للعراق و للصدريين و للسيد مقتدى فيما سبق

و هنا كان الخطأ الأكبر بتبني موقف ذو بعد ذاتي شخصي دفعه للقاء مع المشروع الأمريكي دون أن يدري بحجم ما ألقاه من كلمة إذا ما استبعدنا التفاهم الغامض مع السعوديين سببت إرباكاً كبيراً

بطبيعة الحال مسيرة السيد مقتدى لا تنسجم مع تاريخ عائلة الصدريين بالعموم و لا مع تاريخ الشهيد السيد محمد صادق الصدر بالذات الذي لم يضيع البوصلة رغم كل التخوين الذي حصل

و إذا ما بقي السيد مقتدى على هذا الارتباك بالرؤية السياسية فإن المزيد من التحولات داخل التيار ستحصل لصالح بقية القوى العراقية النقية و خاصة الحشد الشعبي أمل العراقيين الوحيد و سيدخل التيار المتبقي جزءاً من المشروع الأمريكي دون أن يدري و يكفيه أن يخلق اضطرابات و صراعات ستذهب بالمحصلة لصالح المشروع الأمريكي السعودي رغم معاداته للأمريكان

الموقف السياسي الوطني يدفع لتجاوز تراكمات التاريخ و الصراعات البينية باتجاه الدخول بمشروع إنقاذي للعراق و طرد الأمريكيين و التلاحم مع السوريين ليكونا الرقم الصعب المتشكل الجديد فهل سيفعلها السيد مقتدى؟

دمشق /2017.04.11

---------------------

(*) د.أحمد الدرزي: طبيب وكاتب سوري.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015