22 آب 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

الصراع على الشرق السوري

احمد الدرزي(*)

تموضعت بدايات الحضارات الإنسانية في سوريا والعراق ومصر،ومن ثم تمددت باتجاه هضبة الأناضول والهضبة الإيرانية،ومن ثم إلى اليونان وإيطاليا، وترافقت هذه الحضارات مع تشكل إمبراطوريات متلاحقة،ظهرت أساساً في العراق ومصر وهضبة الأناضول والهضبة الإيرانية واليونان وإيطاليا.

لعبت سورية الطبيعية أو ما اصطُلح على تسميتها ببلاد الشام الواقعة على بقعة إستراتيجية هامة بين قارات العالم القديم (آسيا وإفريقيا وأوروبا) الدور الأساس في تحديد الإمبراطورية المهيمنة على كل مرحلة من المراحل التاريخية المتعاقبة، وقد أدركت هذه الإمبراطوريات كافةً أنَّ ضم سوريا إليها سيفتح لها المجال للتمدد،ويحمي أمنها القومي.

ولم ينته هذا الأمر بعد ظهور الإمبراطوريات الحديثة في روسيا و بريطانيا وفرنسا ومن بعدها الولايات المتحدة التي أدركت الأهمية الإستراتيجية لبلاد الشام ودورها العالمي في منع عودة إمبراطوريات العالم القديم، فعمدت منذ عهد نابليون للعمل على تغييب دور بلاد الشام باقتطاع فلسطين، ذلك لإنهاء دور الجسر الواصل بين أوروبا وآسيا من جهة، وأفريقيا من جهة أخرى، وقد نجحت بذلك بوساطة تشكيلِ كِيَانٍ وظيفي صهيوني بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد استغرق ذلك أكثر من مئة وخمسين عاماً من العمل المتواصل، وقد أريد لهذا الكيان أن يلعب الدور المهيمن على كل المنطقة، ويضبط إيقاعها على ضوء المصالح الغربية عامةً، وخاصةً بعد اكتشاف النفط. وكان هذا العمل يتطلب إخراج هضبة الأناضول والهضبة الإيرانية ووادي النيل وبلاد الرافدين مع سوريا من أي إمكانية للعب دور أساسٍ يليقُ بالمخزون الحضاري والديمغرافي لهذه المناطق، وقد استطاع الغرب من الناحية الأولية أن يخرج هذه المناطق باحتوائها (إيران الشاه، وتركيا الناتو، ومصر كامب ديفيد) ضمن مشروعه وجعلها مرتبطة بمنظومته، وسلّطَ، على المنطقة المملكة السعودية بدورها الوظيفيّ المكمّل للكيان الصهيوني،بفعلِ مالها النفطي، ومدارسها الوهابية، ومواردها البشرية الجهاديّة.

أشكل الأمر على المشروع الغربي الناهب بثلاثة متغيرات تاريخية كبرى جعلته يبدّل إستراتيجيته في المنطقة، ودفعته للبدء في عملية التدمير الشامل بدءاً من لبنان فالعراق وصولاً إلى سوريا وبقية أرجاء المنطقة. ويمكن إجمال هذه المتغيرات أنفسها على النحو الآتي:

أولاً-المتغير الإيراني،إذ تفلّتت إيران من الهيمنة الأمريكية،بفعلِ ثورتها الشعبية الكبرى، وتشكُّلِ نظامِ حكمٍ معادٍ للغرب، ذلك بفعلِ استقلاليته الراديكاليّة، وبحثهِ عن مكانٍ تحت الشمس لإيران التي كان تبنّيها لمشاريع المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وأفغانستان أساساً لانطلاقتها عامةً، وخاصةً في صراعها مع الكيان الصهيوني الذي استمدت فيه شرعيتها من أمرين: الأول، هو شرعية التأسيس المبنية على ما أرساه الإمام الخميني في بنية النظام من معاداة وصراع مع الصهيونية اللذين إذا ما تخلت عنهما، فإنَّ النظام السياسي سيفقد مبررات استمراره؛والأمر الثاني، هو شرعية الوجود التي تبحث إيران بوساطتها عن الدور الإقليمي الأول المعترف به، وهذا يتناقض مع الدور الوظيفي ل"إسرائيل"، وسيؤدي في حال حصوله لتخلي الغرب عن مشروعه الوظيفي الخاسر.

ثانياً-المتغير التركي،ذلك أنه رغم وجود تركيا في حلف الناتو، فإن أبواب الاتحاد الأوروبي مغلقة في وجهها، فعمدت إلى استغلال فرصة سانحة من الغرب،إذ سهّل أسباب الإتيان بالإسلامويين الإخوانيين إلى السلطة، ذلك لتأدية دور محدد في تمزيق المنطقة داخلياً، وبحروب أهلية لا تنتهي، وتبتدئ من تونس وتصل إلى سوريا و لتنتهي في روسيا و الصين،لكن الأتراك استغلوا هذه الفرصة لإحياء مشروع هضبة الأناضول في شكلٍ جديدٍ تطبعه الأحلامُ السلطانيّة بطابعها،وتُعَدُّ سوريا في الدرجة الأولى والعراق في الدرجة الثانية البوابة الجنوبية والوحيدة لتنفيذ المشروع.

ثالثاً-المتغير الروسي الذي بدأ من جديد مع قدوم "بوتين" إلى السلطة، وإحياء مشروع أوراسيا الكبرى الذي يتضمن إضافةً إلى دول الاتحاد السوفيتي السابق كلاً من سورية والعراق وإيران، مع الوصول للمياه الدافئة بشكل مباشر عبر القوات الروسية والقواعد البحرية والجوية في سوريا.

دفعت هذه المتغيرات الثلاثة الولايات المتحدة لتغيير إستراتيجيتها في سوريا والعراق - بعد فشلها في إسقاط الدولة السورية وتحويل موقعها الجيوسياسي ليكون مع الغرب- إلى الخطة ب وهي الخطة التي تمنح "إسرائيل" القلقة من فشل المشروع الأمان اللازم وديمومتها، وتمنع إيران من الوصول إلى البحر الأبيض المتوسط الضروري لمرور السلاح والغاز و النفط،وتعرقل دورها الإقليمي الكبير والمتحالف مع روسيا والصين، وتقطع على تركيا إمكانية التمدد باتجاه الجنوب إلى باقي المنطقة، وتسلط عليها سلاح التقسيم بوساطة دعمها للمجموعات الكردية، وتشكيل كيان كردي في الشمال على طول الحدود التركية، وتمنع العراق وسورية من إمكانية أي تلاقٍ ليتحولا إلى منطقة جيوسياسية واحدة ووازنة، وتمنع روسيا من تحقيق مشروع أوراسيا،ذلك بحصارها واستنزافها في منطقة محدودة فيما تبقى من سوريا.ولا يمكن تحقيق هذه الخطة إلا عن طريق فصل شرق سوريا وشمالها عن كل المشاريع الإقليمية،بغية تحويل سورية إلى دولة رخوة فاقدة لوظيفتها المتبقية بالوصل بين آسيا وأوروبا، ولن يبقى لها سوى البحر ممراً وحيداً للخارج.

ومن هنا تأتي أهمية معركة الشرق السوري ومن بعده الشمال وهي معركة مصيرية لكل الدول العظمى والدول الإقليمية، ستتحدد بموجبها خرائط المنطقة ودور القوى الدولية الإقليمية فيها،ولا يُرَجّحُ أن السوريين والإيرانيين والروس والعراقيين سيسمحون للأمريكيين والبريطانيين بأن ينفذوا خطتهم مهما تطلب الأمر، و قد بادروا إلى معركتهم الكبرى، رغم كل التحذيرات الأمريكية المباشرة و غير المباشرة، وأنجزوا في بضعة أيام سيطرة واسعة على البادية السورية باتجاه الشرق، ويترافق ذلك مع تمدد سريع من قبل الحشد الشعبي العراقي باتجاه الحدود السورية ليلتقي الطرفان السوري والعراقي على الحدود بينهما، وقد يواصل الحشد الشعبي مساره داخل الأراضي السورية بالتوافق مع الشرعية السورية وبدعم عسكري كبير من روسيا و إيران، وستتوضح النتائج في مدة شهر من الآن فهل سيجرؤ الأمريكي والبريطاني على الصدام المباشر مع كل هذه القوى بعد كل هذه الحشود والإصرار؟

دمشق/2017.05.31

-------------------

(*)د.أحمد الردزي" طبيب وكاتب سوري.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  2. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  3. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  4. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  5. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  6. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  7. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  8. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  9. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  10. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  11. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  12. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  13. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  14. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  15. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  16. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  17. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  18. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  19. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  20. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  21. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  22. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  23. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015