11 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

احمد الدرزي

متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟

احمد الدرزي(*)

مع بداية ما يسمى "الربيع العربي" في سوريا اندلعت مجموعة من المظاهرات الصغيرة والمتوسطة في الشمال السوري و بشكل متكرر وخاصةً في مدينة القامشلي والملفت للنظر أن كل اللافتات والشعارات التي كانت ترفع في تلك الفترة من عام ٢٠١١ كانت تتقصد طابع الاختلاف والإيحاء بخصوصية المنطقة فأصبحت القامشلي التي تأسست في بدايات القرن العشرين على أيدي الفرنسيين هي قامشلو وأصبحت عين العرب أو عرب بينار ( باللغة التركية ) هي مدينة كوباني و الحديثة العهد أيضاً تيمناً بمعنى الشركة الألمانية

كان من الواضح أن هناك تياران كرديان يتنازعان السيطرة على منطقة الشمال الشرقي وهما تيار حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني الذي يعتبر امتداداً لحزب العمال الكردستاني في تركيا، ويلتزم بالأبوة المعنوية والفكرية للثوري الواسع الأفق عبد الله أوجلان الذي كان ينادي باتحاد شعوب الشرق وإزالة الحدود القومية والدعوة للعيش ضمن إطار المواطنة المتساوية الحقوق ويتحقق به العدالة الاجتماعية وضمن إطار علماني

الثاني يمثله المجلس الوطني الكردي و يغلب عليه الطابع البرزاني المعروف بميوله الانفصالية وارتباطاته مع المشروع الصهيوني والأمريكي و قد لعبت الوشائج العشائرية المترابطة في العراق وسوريا دوراً أساسياً في إيجاد موطئ قدم ونفوذ كبير له في المنطقة.

في عام ٢٠١٣ تم إجراء إحصاء في محافظة الحسكة والتي يعتبر فيها الوجود الكردي هو الوجود الأكثر كثافةً في سوريا وعلى أمل أن تكون نتيجة الإحصاء لصالح الطموحات الكردية في إنشاء حكم ذاتي ولكن المفاجأة الكبرى أظهرت أن الأكراد لا يمثلون أكثر من ٢٨ ٪‏ من مجمل المكونات المتشاركة بالحياة في المحافظة فما كان من القائمين على الإحصاء إلا أن يطووه و يُخفوا نتائجه و خاصةً أن هناك أرقام تتحدث عن هجرة ما يقارب ٨٤٠٠٠٠ كردي خارج الشمال السوري إلى العراق وتركيا وبلاد الغرب، وتم على أثر ذلك العمل على ما يسمى الإدارة الذاتية استغلالاً للظرف الإقليمي المتمزق نتيجة الصراعات الدولية والإقليمية رغم الدعم الكبير من الجيش العربي السوري لقوات وحدات حماية الشعب بالسلاح والرجال وذلك لتحجيم التيار البرزاني وإرسال رسائل لتركيا تهديداً بالتلاعب بالداخل التركي مع ثقة الدولة السورية بالاتحاد الديمقراطي الكردستاني وقائده الفعلي المغيب عبد الله أوجلان رغم شعور الحزب بالدلال كونه مطلوب للتعاون من قبل عدة جهات وخاصةً الولايات المتحدة وروسيا والدولة السورية وحتى الدولة التركية التي دعت صالح مسلم لزيارتها كقائد للحزب في سوريا

في النصف من أيلول من عام ٢٠١٤ اندفعت "داعش" للسيطرة على منطقة عين العرب خدمةً لتركيا وذلك لمنع التواصل بين جيب القامشلي وعين العرب وعفرين ولم تستطع الدولة السورية تقديم الدعم الكافي لصد الهجوم التركي "الداعشي" ولم تكن روسيا قد دخلت الحرب بشكل مباشر ولم يبق من مدينة عين العرب سوى ٢٠٪‏ من المساحة الإجمالية للمدينة مما دفع الأمريكيين لاستثمار اللحظة المناسبة لضم الحزب لجملة الأدوات التي يستخدمها فتدخل طيرانه الحربي بكثافة مستخدما التدمير الشامل بإستراتيجية السجادة النارية لتنكفئ "داعش" نحو مواقعها السابقة ومن هنا كانت بداية الحضور العسكري الأمريكي في الشمال السوري وبناء مجموعة قواعد عسكرية مع حضور بريطاني وفرنسي ومن جنسيات مختلفة بحجة التدريب والاستشارة لمكافحة الإرهاب

ورغم ذلك لم تقطع الدولة السورية وروسيا التعامل بقنوات مع حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني إلى أن حسم أمره في معركة الرقة عندما خضع للأمريكي وترك ممرات لداعش كي تذهب بقواتها إلى البادية بتدمر لتعيق تقدم الجيش العربي السوري وحلفائه وإعادة احتلال مدينة تدمر الإستراتيجية وأصبح من الواضح إن القيادات الكردية الحزبية و الممسكة بمفاصل الحياة في شمال شرق سوريا قد اتخذت قرارها النهائي بالعمل على المشروع الأمريكي لفصل العراق عن سوريا من خلال إقامة كيان كردي عربي فاصل بينهما

وبعد أن أصبح الوجود الأمريكي مباشراً في سوريا شمالاً وجنوباً بالتنف متمدداً باتجاه البوكمال ومن ثم إلى الحدود الشرقية لكل من دير الزُّور والحسكة مع الأنبار و نينوى فقد كان لزاماً على المحور الأوراسي ومن ضمنه محور المقاومة أن يتحرك بسرعة عبر شمال شرق حلب وشمال وشرق وجنوب تدمر بالإضافة لمحور السويداء شمالاً وشرقاً وريف دمشق شرقاً وهذا قد يؤدي للصدام المباشر مع القوات الأمريكية و أدواتها في الجنوب والجنوب الشرقي وهذا ما لا تستطيع تحمله إذا ما بقيت روسيا ماضية في تأمين الغطاء الجوي للقوات الحليفة المتقدمة

هذا بالنسبة للجنوب فماذا بالنسبة للشمال ؟

يشكل المشروع الكردي الانفصالي خطراً كبيراً على الدول الأربعة الأساسية المتشاركة بالوجود الكردي وهي سوريا والعراق وإيران ولذلك فإن طريقة التعاطي مع الوجود الأمريكي في الشمال تقتضي العمل وفق وجهين:

الأول: هو هزيمة المشروع الأمريكي في الجنوب والجنوب الشرقي بالمواجهة المباشرة مع أدواته التي شكلها هذه المرة بأسماء علمانية وهذا أمر ممكن وخاصةً أن هناك قراراً أمريكياً بعدم استخدام الجيش الأمريكي مباشرةً في الحروب والاستعاضة عن ذلك بما يسمى حروب الجيل الرابع بالإضافة إلى تحرك الحشد الشعبي العراقي باتجاه السيطرة على الحدود السورية العراقية، وربما يدخل ليلاقي القوات الحليفة في دير الزُّور وهذه الهزيمة ستدفع بالأحزاب الكردية لإعادة تقييم الموقف السياسي والعسكري بمجمله.

الوجه الثاني: يتعلق بالحساسية الخاصة للشمال السوري وخاصةً أن هناك نسبة كبيرة من أكراد الشمال يدركون تمام الإدراك بكارثية الانفصال عن الدولة السورية ويتعاطون مع المسألة بأنهم سوريون أكراد ومصالحهم تقتضي في بقاء سوريا دولة موحدة ينالون بها حقوق المواطنة المتساوية بين كل أفراد المجتمع السوري كما أن المصلحة العليا للدولة السورية تقتضي إعادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني إلى الأسس التي وضعها عبد الله أوجلان ولذلك لا يوجد سوى طريقة وحيدة لإخراج الأمريكان من الشمال عبر استهدافهم بالذات دون المساس بحزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني والذي يعتبر عنصر قوة للدولة السورية إذا ما استعاد بوصلته الأساسية و يتم ذلك عبر تشكيل فصائل مقاومة تعمل بشكل سري فهل هذا ممكن ؟

هناك مجموعة من النقاط المتوفرة و التي تتيح تشكيل هذه المقاومة:

أولا: وجود عشائر عربية في منطقة الجزيرة بالذات ترتبط بوشائج القرابة مع العشائر العربية في العراق وخاصةً قبيلة شمر التي اتخذت قرارها في العراق وانضمت للحشد الشعبي العراقي في تحرير مناطقها والمناطق الحدودية.

ثانيا: وجود شريحة مهمة من الأكراد غير راضية عن أداء الأحزاب الكردية بالعموم وترى مصلحتها مع سوريا وتعتبر أن روسيا حليف حقيقي تاريخياً وهي جزء من نسيج المنطقة وليست بعيدة آلاف الكيلومترات وتفصلها عنها البحار كالولايات المتحدة.

ثالثا: وجود خبرات للمقاومة عالية المستوى لدى حزب الله وإيران وقابلة لنقلها مع تقنياتها التي أخرجت الأمريكي من العراق لأول مرة وستخرجه مرة ثانية ؟

رابعا: وجود قبول تركي ومن الممكن أن يتحول لتعاون بعد تيقنه من الخبث الأمريكي بالتعاطي معه وخاصةً بعد تسرب وثائق السفير الإماراتي في واشنطن ومسؤولية دولة الإمارات و"إسرائيل" عن محاولة الانقلاب الفاشلة بالإضافة لتوضح المشروع الأميركي "الإسرائيلي" لتفتيت تركيا.

خامسا: هو قابلية الروس لدعم هذه المقاومة بكل أنواع الدعم بغية إخراج الأمريكي من سوريا ثم من العراق كمرحلة على طريق تحقيق مشروع أوراسيا.

فهل سنشهد مثل هذه المقاومة خلال الأشهر القادمة ؟

دمشق 2017.06.10

-------------------

(*) د.أحمد الدرزي: طبيب وكاتب سوري.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. أين الحل السياسي؟
    19 حزيران 2017
  2. متى ستبدأ المقاومة في الشمال؟
    10 حزيران 2017
  3. قطر وتركيا ..والتحول!
    04 حزيران 2017
  4. الصراع على الشرق السوري
    31 أيار 2017
  5. السعودية وثقلها النوعي
    22 أيار 2017
  6. مقتدى الصدر وخلل البوصلة
    11 نيسان 2017
  7. أوراسيا والمشرق
    01 نيسان 2017
  8. ملاحظات حول مسودة الدستور
    29 كانون2 2017
  9. الأستانة و المسارين
    06 كانون2 2017
  10. العراق وأزمة الخروج
    21 كانون1 2016
  11. المتغيرات الأمريكية
    11 تشرين2 2016
  12. الإسلام و العلمانية
    07 تشرين2 2016
  13. الافتراق الروسي الاسرائيلي القادم
    28 تشرين1 2016
  14. مصير روسيا في سوريا
    25 أيلول 2016
  15. المسألة الوجودية
    09 آب 2016
  16. سورية وتداعيات الحرب العالمية الثانية
    05 تموز 2016
  17. الكورد و أحلام الدولة
    20 حزيران 2016
  18. العراق و الإسلام السياسي الشيعي
    27 أيار 2016
  19. الإعلام المقاوم
    13 نيسان 2016
  20. حزب الله العلماني
    12 نيسان 2016
  21. الدور الوظيفي للسعودية وإسلامها السياسي
    21 شباط 2016
  22. الدور الوظيفي للمملكة السعودية وإسلامها السياسي
    19 شباط 2016
  23. مستقبل الإسلام السياسي
    19 شباط 2016
  24. إيران و الإسلام السياسي – المأزق
    06 كانون2 2016
  25. إيران و الإسلام السياسي
    30 كانون1 2015