17 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

احمد جرادات

الأوديسة السورية: أوراق ناديا خوست

أحمد جرادات(*)

"أوديسيوس، أيها الابن الملكي للاريتيس، رجل الأمجاد

أما زلت تواقاً إلى مغادرتنا والعودة على جناح السرعة إلى وطنك،

إلى أرضك الأم الحبيبة؟

حظاً سعيداً إذن ووداعاً!

لكن لو كنت تعلم في أعماقك كأس الآلام التي يخبِّئها لك القدر

وستتجرعها قبل أن تصل إل ذلك الشاطئ البعيد،

لمكثتَ إذن هنا سيداً في بيتنا،

ودخلتَملكوت الخلود."

الرجاء الأخير من الإلهة كاليبسو إلى أوديسيوس، في محاولة لاستبقائه في جزيرتها بإغرائه بالخلود بدلاً من مكابدة الأهوال في طريق عودته إلى مملكته إيثاكا وزوجته بنيلوب،ومواجهة مآل الفناء البشري، ولكنه يأبى- الأوديسة الإغريقية.

تمهيد

من المستغرب، بل من غير المحمود، أن يبدأ النص، مقالا ًكان أم قصيدة أم رواية أم قصة قصيرة أم مسرحية، بما يريد كاتبه أن يصل إليه في النهاية، فهذا أشبه بالبدء ببيت القصيد أو حبكة القصة أو ذروة المسرحية. بيد أنني حالما فرغتُ من قراءة كتاب الدكتورة ناديا خوست "أوراق من سنوات الحرب على سورية"، متأخراً جداً للأسف بسبب عدم توفر الكتاب بين يدي في حينه، وجدتَّني أقفز فوراً وبلا تردد إلى النتيجة، إلى عنوان المقال الذي سأكتبه حوله، والذي لا يمكن أن يُغني عنه مهما يكن:هذا الكتاب الذي قرأته للتو هو "أوديسة" سورية بلا أدنى مبالغة. ويتوقف الكتاب عند عام 2014 بحسب تاريخ نشره، ولكن الحرب لم تتوقف حتى الآن، ولذا فإنه يلحُّ على كاتبتة بولادة توأمِه، أقصد بكتابة جزء ثانٍيغطي السنوات التالية. وخلال قراءتي الكتاب حضرَ في ذهني، أول ما حضر، الأوديسة الإغريقية الشهيرة، لكن في زمان آخر ومكان آخر وسياق آخر، فضلاً عن الدلالات المختلفة والمتداخلة والمشتبكة، التي تروي رحلة العودة إلى الوطن "نوستوس" التي قام بها أوديسيوس (يوليسيز) منذ مغادرته طروادة وما كابده خلالها من أهوال وحروب على مدى عشر سنوات، مع البشر تارة ومع الآلهة تارة أخرى ومع أنصاف الآلهة وأنصاف البشر تارة ثالثة، من أجل الوصول إلى هدفه النهائي: العودة إلى وطنه وعائلته.وهو لن يحقق ذلك الهدف إلا بعد خوض المواجهة الحاسمة مع والقضاء على جميع رجالات المملكة الذين يتنافسون بضراوة على الظفر بمملكته من خلال الفوز بزوجته بنيلوب، التي تلجأ إلى استراتيجية الحيلة بسبب قوة الأعداء المتنافسين ووحشيتهم وعدم قدرتها على مجابتهم، حيث تصرُّ على أنها لنتختار أحداً من بينهم إلا بعد أن تفرغ من غزْل كفن والد زوجها لاريتيس، ولكنها كانت تفكك في الليل ما حاكته في النهار كما هو معلوم لديكم في الملحمة الكبرى للشاعر الضرير"هوميروس".

إنها إذن ليست رحلة العودة إلى الوطن فحسب، بل رحلة استعادة الوطن من مغتصبيه.

الأوديسة السورية

"لم يخطر ببالي يوماً أن أكتب هذه الأوراق... فقد بدا لي أن الحرب ستكون فقط لتحرير الأرض أو لردِّ عدوان إسرائيلي، وليس في قلب المدن السورية. كانت الحرب قاسية وثقيلة، حرباً دولية على الوجدان والروح، على الفرد والنسيج الاجتماعي والذاكرة الوطنية. أُطلق اللصوص على القمح والمعامل وآثار الحضارات السورية، على طرقاتنا وبيوتنا وبساتيننا ومدارسنا وجامعاتنا وأماكن عملنا. احتال فيها سياسيو الغرب المتأنقون وخبراؤهم ومنظماتهم الدولية والإنسانية ومئات المحطات التلفزيونية والصحف والمواقع الإلكترونية وعشرات الآلاف من المرتزقة، وبلدان عربية وجامعتها العربية: راقبَ الشعب السوري هذه الحرب المقنّعة بمطالبه ثم اكتشف أنها حرب على الوطن."

الدكتورة ناديا خوست في مقدمة الكتاب.

أوراق ناديا خوست

ليعذرني القراء لأنني لم أستطع كبح حماستي الجامحة للكتاب، ومنع نفسي من التعبير عن إعجابي الشديد بهمنذ فاتحة المقال،بل من التجرؤ على ذلك قبل التمهيد له بالمقدمات الضرورية للاستنتاجات كما تقتضي أصول الكتابة والبحث، وكأني بي أود أنأسكب كل مأريد قوله بدفقة واحدة في جملة واحدة لو استطعت إلى ذلك سبيلا.ونظراً لأن ذلك ليس بالمستطاع فقد ارتأيتُ أن أدع كاتبة الكتاب تتحدث أكثر مما يتحدث كاتب المقال. فهذا الكتاب النادر – بحدود اطلاعي - في مقاربةالحربعلى سوريا أثناء وقوعها وفي يوميات أهوالها المادية والإنسانية الملتهبة، وليس بعد انتهائها وبرودة أحداثها والجلوس على مسافة المؤرخ منها، إنما هو مزيج فريد المذاق من عناصر يصعب الإحاطة بها كافة: إنه مزيج مدهش من الملحمة والرواية والتاريخ والأنثروبولوجيا والأرشيف والتحليل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتربوي والسيرة الذاتية والشعبية والوطنية المزيَّنة بفن العمارة والمشحونة بذاكرة المكان، والحالات الدراسية case studiesوالشحذ الذهنيbrainstorming وتداعيات ما يُعرف بتيار الوعي ، stream of consciousness.وحتى أبواب المعلومات الواردة في الكتاب لم تأت ناشزة أو منفصلة عن النص الكلي أو دخيلة عليه أو زائدة عن الحاجة، بل جزء أصيل منه. لقد أدهشني كيف استطاعت الكاتبة أن ترسم شخصياتها الواقعية- أقصد الشخصيات الحية بلحمها وشحمها وأسمائها الحقيقية- وكأنها شخوص روائية تتحكم هي برسمها ومسارها ومآلاتها، فجعلتني أحب أو أكره أو أغضب من هذه الشخصية أو تلك. كما أدهشني كيف استطاعت أن تجعل كتاباً عن الحرب وفظائعها كتاباً رقيقاًومشوِّقاً لا تريد أن تغادر صفحاته أو أن تودِّعك صفحاتُه.وإلى جانب كل هذا وذاك، فهو "كتاب الحصانة" الثقافية والروحية المكين الذي يستحق أن يُدرَّسلأجيال ما بعد الحرب على وجه الخصوص.لقد جاءت كل تلك العناصرمتناسقة كخيوط حرير متعددة الألوان في النسيج العامأوضفائر مجدولة بأنامل سحرية.

يرتكز معمار هذه التحفة الأدبية، التي تتشكل من منمنمات أخاذةفي جداريةفسيحة، على ثلاثة أعمدة أو أضلاع تمثل المعاناة الشخصية والوطنيةوتصل بينها جسور شفافة. وتشبِّه الدكتورةخوست مثلث المعاناة هذا بالسرطانات الثلاثة: السرطان الشخصي، مرض حبيبها وزوجها ورفيقها الأعز بسام، والسرطان العام، الحرب الدولية الغاشمة على سوريا التي تشنها الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية، ولاسيما النفطية، والمنظمات الإرهابية التكفيرية الوهابية التابعة لها، وسرطان النيوليبرالية المحلية التي أسهمت بقيمها وممارساتها في تمهيد الطريق الاقتصادي والاجتماعي أمام التدخلالسياسي والعسكريللامبريالية ومن يدور في فلكها.وتتنقَّل الكاتبةمن ضلع إلى آخر على كامل مساحة الكتاب الفسيحة بسلاسة وبدون مطبَّات أو نتوءات فنية، مع كل الحرص على تقديم النقيض الجميل لقُبح تلك السرطانات والمقاوم لها، فتحفر بأصابع يديها جدولاً رقراقاً يخترقها جميعاً وتنساب فيه الذكريات الجميلة من الزمن الجميل والأماكن الجميلة العابقة بالفن والأدب والموسيقى والمقاومة مع بسام والبنات والأصدقاء.

ثلاثة سرطانات

لنتأمل اللوحة المتكاملة التي ترسمها الدكتورة خوست في مطلع الكتاب، وكيف تتنقَّل في صفحة واحدة أو حتى في فقرة واحدة أحياناًبدون تكلف أو فواصل تعسفية بين السرطانات/الأضلاع الثلاثة، من محنة بسام- ومحنتها هي معه-إلى محنة الوطن، إلى دور النيو- ليبرالية المفسد للمجتمع والنفوس والمؤسس للأزمة،فتقول إنه تداخلَ سرطانان، أحدهما يأكل إنساناً عزيزاً عليها، والآخر يفتك بوطنها. لاحقتْ في صور الأشعة الكتل السرطانية التي تنخر النسيج الحي لكبد بسام وطحاله، وفي الوقت نفسه تابعتْ في نشرات الأخبار والانترنت مؤتمرات السياسيين الغربيين وندوات المثقفين المعارضين ووحشية العصابات المسلحة. وتعود بالذاكرة إلى الفترة التي سبقت اندلاع الأحداث الأليمة، حيث جرتْ محاولات عديدة للكشف عن التطاول على حقوق الناس وخطر اقتصاد السوق على التماسك الاجتماعي وجرائم الليبرالية الجديدة وضرورة الاتساق بين النهج الاجتماعي والاقتصادي ونهج السياسة الوطنية، ومكانة القطاع العام كعمود فقري للأمان الاقتصادي، وشخصيات اقتصاد السوق المتوحشة المتكبرة المتعالية على الناس.وكانت هي شخصياً ممن تحدَّثوا عن الفساد واقتصاد السوق الذي أفقر الناس وعن ظلم الاستملاكات في غوطة دمشقوتدميربساتين كيوان التاريخية لمصلحة الفنادق الكبرى والخلايجة وسلب السوريين ساحهلم، وعن الساحة الشبيهة بساحة "هولوكوست" برلينفي قلب حمص ومخططات المدينة التي استخدمها الإرهابيون أنفاقاً للتدمير والتفجير والقتل والإفلات من العقاب. وتتساءل عن أولئك الذن نبتوا كالفطر السام وتملأ وجوههم الشاشات الغربية، كيف ومتى نبتوا وما هو تاريخهم الوطني كي يُباح لهم رسم مسار ومصير بلد عظيم وعريق كسوريا؟ وكيف استطاع الغرب الإمبريالي أن يشغِّل معارضات وقادة ممن يقبلون قصف بلادهم بطائرات حلف الأطلسي ليزيحوا خصمهم السياسي ويتربعواعلى عرش سلطة تابعة أو خائنة، أكانت خلافة وهابية أم كانتونات طائفية وإثنية؟

جمرة الغضب تحت الرماد

تطرح الدكتورة ناديا خوست سؤالاً رئيسياً مهماً، بل السؤال الرئيسي الأكثر أهمية في الصراع الدائر في سوريا وعليها: لماذا يحدث هذا في بلد تميَّز بالانفتاح الإنساني والسلم الاجتماعي والتعددية الثقافيةوالتعايش بين الأديان والطوائف والمذاهب والأعراق عبر تاريخه العريق؟ وما هي البذرة التي استنبتتْ حاضنة اجتماعية للإرهابيين قبل أن تكتشف تلك الحاضنة أنهاتُستخدم للتغطية على والتمهيد لتنفيذ خطة أمريكية-صهيونية جهنميةملفوفة بسلوفان "الجهاد المقدس" ومدجَّجة بجنود الخلافة؟

وللإجابة عن هذا السؤال الكبير تقدم الكاتبة تحليلاً سياسياً- اجتماعيا- اقتصادياً- نفسياً عميقاً، بأسلوب ولغة راقييْن، للأوضاع التي سبقت شن الحرب على سوريا، مفاده أن البذرة هي الغبن، الذي يكمن كالجمرة بانتظار أن يشعله الغضب الأعمى، غضب لا يكبحهسوى الوعي والثقافة، القادران على كشف الوجه البشع الذي يتوارى خلف القناع الزائف. وتسلِّط ضوءاً ساطعاً على ما فعله الليبراليون الجدد في سوريا، وتخصُّ بالوصف الدقيق مخطط "إيكوشار" التنظيميفي ثنائية الضديْن والزمنيْن. فقد أدى هذا المخطط إلى خسارة السوريين غوطة دمشق التاريخية التي كانت تتربع على مساحات شاسعة على مدِّ النظرمن الريف الدمشقي والمكسوَّةبعدد لا يُحصى من الأشجار المثمرة من كل صنف ولون، ووفرت الأمنالغذائي والبيئة النظيفة لتنزه العائلات وللمدينة بأسرها وملاذاً آمناً للثوار السوريين ضد الاحتلال الفرنسي. لكن إيكوشار كسر التوزان الدقيق في علاقة المدينة التاريخية بغوطتها.إذ فتَك الاستملاك بالأراضي الزراعية وأغرى التنظيم الفلاحين قبل أن يكتشفوا أن تجارة العقارات هي الرابحةوأنهم الخاسرون، حيث فقدوا أراضيهم وعملهم وأصبحوا عمال مياومة يجلسون على الأرصفة منذ الصباح الباكر بانتظار أن يلتقطهم مقاولو البناء. لقد شكَّلت تلك التغييرات حاضنة اجتماعيةلمن موَّلتهم وسلَّحتهم ودرَّبتهم وشغَّلتهم الأطراف الدولية والإقليميةوالمنظماتالوهابية التابعة لها.

وترى الكاتبة بعين بصيرة وعقل حصيف أن الأحداث شقَّت الأرضالسورية فنبتَخليط عجيب من الغث والسمين:المخلص والمأجور، المتشبث بامتيازاته والانتهازي الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، الوطني الذي اكتفى بقديمه وعجز عن فهم الجديد، فخرج من متن الأحداث إلى هامشها، والمكبوت الذي حُلَّت عقدة من لسانه فجأة، فراح يهذر بالكلام الهراء،والنكرة الذي لاحت له فرصة الظهور لأول مرة، فاعتقد وصدَّق أنه أصبح نجماً في المجتمع أو السياسة أو الفن أو الإعلام، والمغبون الذي حرَّكته غريزة الانتقام، فامتشق كل الأسلحة التي أتاحاه له الإرهابيون وطفقَ يثأر من المجتمع والأبرياء والبلد،والدهماء من الفئات الرثةالذين يغريهم غياب الأمن ويشكل حماية لجرائمهم، فلم يتورعوا عن ارتكاب الفظائع.

غير أن الكاتبة لا تسلِّم بطمس معالم الطريق وترى أنه في هذه الفوضى الهدامة يُنجد العقلُ السويُّ كلَّ من يخشى على مصير بلاده وشعبه وجيشه منمخططات الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، ولا سيما الخليجية، التي فجَّرت الصراع في سويا، وحرَّكت ماكينتها الإعلامية العملاقةلترسيخشخصنة الصراع وشيطنة الشخص في العقول، وهو الأسلوب الذي اعتادت عليه وجرَّبته بنجاح لضربالدول التي لا تسير في ركابها وإسقاط الحكام الذين لا يأتمرون بأمرها (صدام حسين، معمر القذافي، سلوبودان ميلوسيفتش...) فاختصرواحربهم العدوانيةعلى سوريا في شخص الرئيس بشار الأسد (نظام بشار، جيش بشار، رحيل بشار...) لتضليل الشعب السوري والعرب والعالم كي يسهل الانقضاض على الدولة السورية وتدمير جيشها وسلب استقلالها والقضاء على مقاومتها وتقسيمها وإلحاقها بها، وذلك لأن مايسترو العدوان (الولايات المتحدة الأمريكية) وجوقته الجهنمية يعلمون تماماً أن الرئيس بشار الأسد بات يمثل رمزاً للصمودفي مواجهة العدوان والتصدي له، ورايةًللمعركة المصيرية الوجودية، وصمامَ أمان الدولة، والحلقةَ المركزية التي تربط السلسلة كلها أوخيطَ السبحة الذي يلظم جميع حباتها، ومحل إجماع القوى السياسية والاجتماعية المؤيدة للدولة الوطنية، والذي يمثِّل قطب الرحى في جبهة المقاومة، والرئيسَالعلماني الذي يكفل احترام وحماية حقوق جميع الطوائف والمذاهب ومكونات الشعب السوري بدون تمييز. وإلى جانب ذلك وفوق كل ذلك، لأنه القائد المقدام ورابط الجأش للجيش العربي السوري الذي حمل على كاهله مهمة خوض المنازلة الكبرى،والزعيم الذي تمتع طوال السنوات السبع العجاف بشجاعة مبهرة وحافظَ على تماسكه وهدوئه وتفاؤله الواثق، ولم يبرح مكانه الطبيعي كرئيس للدولة، مكتبه ومنزله، ولم يقبل بإرسال عائلته إلى مكان آمن في الخارج، وهو الذي يأخذ على عاتقه مهمة محاربة الإرهاب والمحافظة على الدولة واستقلالها ووحدة وسلامة أراضيها بلا هوادة أو تردد،وهي جميعاً صفات تليق بزعيم وطني في زمن الحرب مع الأعداء. لهذا كله ركَّزت جميع أطراف العدوان على شخص الرئيس بشار الأسد، نصَبوه هدفاً لهم وصوَّبوا سهامهم المسمومة نحو صدره، ولكنه باقٍ وسوريا باقية.

ثورة أم ثورة مضادة؟

تُذكِّرناالدكتورة خوست بأن الثورات الحقيقية مشاريع تغيير تقدمية كبرى مهَّد لها أو واكبها أو قادها مفكرون وفلاسفة عظام، من جان جاك روسو إلى لينين وسيمون بوليفار وغاندي وماو تسي تونغ وهوشي منه وغيفارا وكاسترو، وهي تطرح برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية شاملة، وتشارك فيها طبقات وفئات اجتماعية تقدمية متبلورة؛ فأين هذه "الثورة" المزعومة من تلك الثورات؟ فحتى قبل أن يظهر المقاتلون الإرهابيون الأجانب من تنظيمات القاعدة والنصرة وداعش وأخواتها وبنات عمومتها على الأرض السورية، تقول الكاتبة إن معظم أفرادهاكانوا من الهامشيين والمهربين والمجرمينأشباه الأميين الذين يوجِّههم أئمة جوامعمأجورون، وغيرهم من الأشخاص الذين ينتمون إلى الفئات الرثة "lumpen" التي يصفها كارل ماركس بأنها وقود "الثورة المضادة" (في كتابه "الثامن عشر من برومير، لويس بونابرت") لسهولة تشغيلها في خدمة المشروع الإمبريالي-الصهيوني-الرجعي العربي ضد سوريا.

هنا تقدم الكاتبةفي أبواب المعلومات، ببراعةوتفصيل بلا زوائد، ما يشبه"الحالات الدراسية" المنقولة عن مقابلات صحفية كأمثلة ساطعة على نوعية الشخصيات القيادية الرثة في "الثورة"السورية المسلحة وقصصهم معها:

دراسة حالة 1: قصة علي الحجيري الذي تحوَّل بين عشية وضحاها من الفقر المدقع و"التعتير" إلى فخامة رئيس بلدية عرسال بعد أن استطاع، بدفع الرشى للفاسدين، التحكمبنشاط تهريب البضائع من كل صنف ونوع بين لبنان وسوريا، وشكَّل منظمة لحزب البعث في عرسال ودمرها لاحقاً، وسيطر على نحو 100 كم من القاع إلى عرسال وحتى ريف الزبداني.دراسة حالة 2: خالد حياني الملقب بالملياردير الصغير،وأحد أشهر زعماء العصابات، بدأ حياته ببيع المازوت، ثم عمل حارساً في ملهى ليلي، حيث قتل غريمه وشقيق غريمه لأنه تحرَّش براقصة، فهرب والتحق بالمسلحين في مدينة عندان وشكَّل "لواء شهداء بدر"، واشتغل في السرقةوالخطف وتقاضي الفدى وإقامة الحواجز على الطرقات وفي المعابر.دراسة حالة 3: أحمد عفش الملقب بالملياردير الكبير الذي أنشأ "لواء أحرار سورية" واستولى على المنطقة الصناعية في حلب وسرق كل ما في داخلها، بما فيها المصانع، وفكَّك الآلات وخطوط الانتاج بمساعدة مافيات تركية. وهؤلاء ليسوا سوى غيض من فيض ومجرد أمثلة على "الثوار" و"المجاهدين" الذين حظيوا بدعم نحو ثمانين دولة.

الثقافة والثورة

"استلهمتْ" المعارضة السورية "المثقفة""ثقافتها" من برنار هنري ليفي وأفكاره وتراثه وخبراته وأنشطته. وبرنار ليفي الفرنسي الصهيوني الشهير في الغرب باسم BHLوعراب الربيع العربي، هوأحد مؤسسي "حركة الفلاسفة الجدد" الذين وصفهم سمير أمين بأنهم "نصابو الفلسفة الجديدة"، والجناح الثقافي لحلف الأطلسي.ويتباهى ليفي، صاحب التسريحة الساحرة والياقة البيضاء المنشَّاة، بأنه صانع "الثورة" الليبية ضد حكم العقيد معمر القذافي وملهمها وقائدها وخطيبها المفوَّه.وأرادأن يطبِّق"السيناريو الليبي"أو ما أسماه "نظرية القذافي" Qaddafi Theoryعلى سوريا، أي التدخل العسكري لحلف الناتو بالقصف الجوي والبحريوالزحف البري لجحافل الإرهابيين من شتى أصقاع الأرضداخل الأراضي السورية. وأرادت المرأة الفولاذية هيلاري كلنتون أن تطبق على الرئيس بشار الأسد ما طُبق على معمر القذافي في الصحراء الليبية: القتل الانتقامي الوحشي والمهين كي يكون عبرة لمن يعتبر ولا يعتبر، وربما أن تزفَّ نبأ قتله بالعبارة نفسها التي استخدمتها مع القذافي، وذكرَّت بها الكاتبة: "أتينا، رأينا، فمات" We came, We saw, He died، وهي العبارة التي استعارتها كلنتون أصلاً من يوليوس قيصر: "فيني، فيدي، فيشي" (أتيتُ، رأيت، انتصرتُ) في خطاب النصر السهل والسريع على ملك فونتوس(الذي قيل عنه إنه أقصر خطاب في التاريخ)مع تغيير الكلمة الأخيرة إلى "ماتَ" لوصف جريمة قتل معمر القذافي الوحشية بتبجح واستخفاف مقيت بأرواح البشر وكرامتهم.

(لمزيد من التفاصيل حول دور برنار هنري ليفي،انظر مقالي بعنوان: "فيلسوف الربيع العربي وجيفارا الثورة المضادة" في موقع "الحوار المتمدن"،(

موقع الثقافة ودور الإنتلجنسيا

تلحظ الدكتورة خوست أن الثقافة التي راجت في سوريا قبل شن الحرب عليها أصبحت من الكماليات، فبعد انتقال الاقتصاد من القطاع العام إلى قطاعات السياحة والاستثمارات العقارية، حلَّ البزنس محل الثقافة والفكر، واحتل رجل الأعمال مكان المثقف والمفكر. وتفشَّى اقتصاد السوق وانهارت الطبقة الوسطى التي تنتج الثقافة والفنون، وأدار المؤسسات الثقافية أشخاص يفتقرون إلى الكفاءة والانتماء الوطني.وفي غياب السياسيين في مكاتبهم وخلف جدران بيوتهم وزجاج سياراتهم ملأ الفراغ بهدوء وسرِّيةشيوخ الجوامع الوهابيون الذين نجحوا في تحريض مريديهم على التمردوتخزين الأسلحة ثم استخدامها في الوقت المناسب.

دور الإنتلجنسيا

تشير الكاتبة إلى أن الإنتلجنسيا الغربية والعربية شاركت في تزوير الحقائق وانحازت بكل صفاقة إلى جبهة العدوان على سوريا.بيد أن صورة الانتليجنسيا التاريخية على النقيض من ذلك،ودورها التاريخي هو الإسهام في تربية الروح الإنسانية على المُثل الأخلاقية الرفيعة،فضمَّت في صفوفهامفكرين وفلاسفة وأدباء وفنانين وصحفيين تقدميينعبَّروا عنتوقشعوبهم إلى التحرر والعدالة والمساواة.

أما الإنتلجنسيا السورية المعارضة فقد تحلَّقت حول طاولات رُفع عليها العلم السوريذو الضلع الأخضر والنجوم الثلاثة الحمراء الذي اعتُمد في عهد الانتداب الفرنسي، في الدوحة والرياض واسطنبول وباريس بمعيةِوتحت هيمنة ممثلي التنظيمات الإرهابية المسلحة، بما فيها الإخوان المسلمون، وتحت إشراف المشغِّلين العرب والغربيين والإسرائيليين. فهل قطر والسعودية وتركيا راعية للثورات وواحة للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وداعية لها؟وهل تهدف البترودولارات التي تُدفع لهؤلاء إلى بناء مشروع "وطني ثوري" بديل في سوريا؟هل ثمة حرية ورأي حر ومستقل يُشترى بالمال؟ أم أن مَن يدفع للزمَّار هو الذي يحدد اللحن؟("من الذي دفع للزمار: وكالة المخابرات المركزية والحرب الباردة الثقافية"، فرانسيس ستونر ساوندرز). وتأسى الكاتبة على أن المال اشترى الإنتلجنسيا العربية وغيَّر دورها التاريخي،فسقطت في الموضوعات البديلة التي طلبها الغرب الاستعماري من الزمَّارين بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الذي ترتَّب عليه انهيار في منظومة القيم الأساسيةو"تطبيع الكبائر"- إن جاز التعبير- من قبيل جعل الخيانة وجهة نظر، وتسويغ العلاقة بممثلي الامبريالية ومؤسساتها الأمنية والاقتصادية والسياسية والماليةومنظمات التمويل الأجنبيالتابعة لها والتطبيع مع العدو الصهيونيوتهافت الكُتاب على عتبات مقدمي الجوائز الأدبية والفنية والصحفية الغربية والخليجية المشبوهة أو المسيَّسة.وعلى الرغم من الخطر المُحدق بسورياوالمآسي التي يكابدها الشعب السوري، ينبري أحدهم للقول بلا خجل: "إن الدبابة السورية كالدبابة الأمريكية"، ذلك لأن العديد من المحسوبين علىالانتلجنسيا فرُّوا من وجه الأعاصير التي تعصف ببلدهم وشعبهم وبالأجيال المقبلةوقفزوا من السفينة التي ظنوا أنها غارقة ليحجزواأماكنلهم في المرحلة القادمة التي توهَّموا وصدَّقوا أن السيادة والقيادة فيها ستكون للولايات المتحدة وحلفائها،في حين أن الثقافة في ظروف العدوان الخارجي على أي بلدينبغي أن تكون بمثابة سلاح قتالي ثقيل وجهاز للتعبئة الحربية أو لاستنهاض الروح أو صقل الذوق وتوسيع الرؤية، ولا يمكن أن تكون حيادية أو منفصلة عن السياسة كما تعتقد الكاتبة بحق.

اختراق الثقافة

تُخصص الكاتبة مساحة كبرى للدور المنوط بالثقافة في الدفاع عن الوطن، وتُحمِّل المثقفين الذين تخلُّوا عن دورهم الوطني مسؤولية كبرى عن التمهيد لما حدث في بلادهم. وتشير إلى تساؤل الرئيس الأسد عن غيابالمثقفين القوميين، والتنبيه إلى شيوع الروح اللاوطنيةوالفراغ الفكري على الرغم من الحرب "الثقافية" التي تشنها الدوائر الامبريالية والخليجية الوهابية على بلادهم. وتنقل عن وفد من المثقفين الروس زار سوريا السؤال نفسه الذي طرحه الرئيس بشار الأسد: "أين المثقفون السوريون"انطلاقاً من الأهمية القصوى لدور المثقفين في الدفاع الوطني في مواجهة العدوان. لقد غذَّت المُثل الوطنية الوجدان الشعبي السوري، فهل اختُرقت المقدسات السورية الوطنية على حين غرة؟وكيف تسللت اللاوطنية إلى سورية وأية مطايا ركبتْ؟

وتورد الكاتبة مقتبسات من كتابات راجت، أو رُوِّج لها، تنادي بأن جميع الأفكار بحاجة إلى إعادة صياغة، وعلى رأسها فكرة الوطن. ويقول كُتابها بصراحة إن الوطن ليس أكثر من فكرة مقدسة، بل ليس هناك وطن، فتلك فرية كبرى كلَّفت البشرية حروباً مروعة. ويصل هؤلاء إلى حد العري التام بالقول إن من السخف أن يفكر المرء بالموت من أجل ما يسمى الوطن بينما يجد غيرُه وطناً بديلاً بسهولة.ويطالبون بإلغاء الجيوش باعتبار ذلكالطريقة المثلىلصون الأوطان (التي لا لزوم لها!!). ويخلص أولئك الكُتاب إلى أن المشكلة ليست تحرير الشعوب، بل تحقيق الديمقراطة (الغربية طبعاً)، وأن الامبريالية ليست أعلى مراحل الرأسمالية، وإنما هي بوابة العدالة... فتأمَّل يا رعاك الله! هذا ما آل إليه موقف الكثرة من المثقفين السوريين والعرب- العاربة والمستعربة- الذين يفترض أن يكونوا في المتراس الأخير للدفاع عن وجود الأمة الحضاري، ولكنهم بدلاً من ذلك شاركوا في التآمر على أمتهم وقبلوا بدور الكومبارس والزمَّارين والمهرجينفي بلاط أعدائها،مما حدا بالمقاتل الدبلوماسي بشار الجعفري أن يستنجد بالشعر في مستهل كلمته من على منصة الأمم المتحدة التي لا شأن لها بالشعر وليس من اختصاصها الأدب، وكأنه يناجي رئيسه بشار الأسد أو يجيب عن سؤاله الصرخة: "أين المثقفون؟" بأبيات لنزار قباني في لحظة لم تفلت من عدسة الدكتورة ناديا التي تسجل أدق الظواهر والأحداث:

دمشق يا كنز أحلامي ومروحتي أشكو العروبة أم أشكو لك العربا؟

الشعرُ ليـسَ حمامـاتٍ نـطيِّرها نحوَ السماءِ، ولا ناياً وريحَ صَبا

لكنه غضب طالت أظافره ما أجبن الشعر إن لم يركب الغضبا

ولكن على الرغم من أهوال الحرب ومآسيها وعقابيلها، فإن الكاتبة تدرك مدى أهمية الوجه الآخر للحرب وتحرص على أن تكون شاهداً عياناً عليها، فتتمثل الشاعر الكبير ناظم حكمت عندما رفض أن يغفو ويفيق في قرن قادم، فتقول: "كنا شهوداً على اجتياز مقطع من مراحل الحرب، لو رحلنا قبل ذلك لفاتَنا البهاء الذي كشفته الأحداث في الشعب السوري."

ونحن نتمثلَّه كذلك، ونقول إننا محظوظون بشكل خاص وعلى نحو قد لا يتكرر لأننا نشهد أمام عيوننا على أرض سوريا ولادة نظام عالمي جديد أكثر عدلاً أو أقل جوراً على الأقل، على الرغم من المخاض العسير والعذابات الأليمة والثمن الباهظ الذي دفعه الشعب السوري والجيش السوري والوطن السوري، ولا نحب أن ننام الآن ونستيقظ في عصر قادم كي لا يفوتنا هذا الحدث الكوني العظيم، الذي ستزهو به سوريا أمام الأممجمعاء، وتكتب بالياسمين الدمشقي على أقواس النصر التي ستظلِّل بواباتها المشرَعة للإنسانية التقدمية لافتةً تقول: "على هذه الأرض وُلد نظام عالمي جديد".

خاتمة

تختتم الدكتورة ناديا خوست "الأوديسة" السورية البديعة و"كتاب الحصانة" الثقافية والروحية للأجيال القادمة بالسؤال الأكبر: متى تنتهي الحرب؟ ومتى يعود الجنود أحياء إلى أهلهم ويرحل المسلحون إلى بلدانهم؟وتؤكد أن سوريا ستنتصر وأن السوريين باقون في وطنهم،"فهذه الحرب كالملاط الذي يربط الحجر بالحجر ويعيش دهوراً، تجمعهم في مواجهة الوحشية وتساعدهم على اكتشاف الانحطاط الأخلاقي وتجار الأوجاع وعظمة الصبر ونبل التعلق بالوطن. فبالرغم من الحرب عبَق زهر النارنج وفتّح الياسمين الأبيض والأصفر وتدفَّقت المجنونة حمراء وبنفسجية على أسيجة البيوت."

ولكن غصة الحزن وندوب الذاكرة الموحشة لا تفارقها، فتعود إلى الأسئلة الأكثر عمقاً وأقل يقيناً: "أصبح أمسُنا الرائق قبل الحرب طيفاً شاحباً وصرنا نتساءل: هل تنظَف بلادنا بعد الانتصارعلى الإرهابيين من بقايا تختبئ في نفق منسي في جوبر أو شق صخري في معلولا؟ هل تعود الطمأنينة إلى دروب جبالنا وبساتيننا؟ هل سنصادف، ونحن نزرع شجرة، بقايا الإرهابيين السوداء؟ يصعب ألا نسمع في حفيف النسيم تحت سمائنا الزرقاء أوجاع ملايين السوريين، حتى لو انتهت الحرب و"حَلُّوا عنا!"

عمان/2017.11.09

--------------------

(*) احمد جرادات: كاتب وقيادي يساري أردني.

http://maysaloon.news/