28 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

احمد جرادات

حلم مستر همفر والوهَّابيَّة

احمد جرادات(*)

لغايات «موضعية»، أي في هذه الدراسة فقط – التي جاء هذا المقال كملخص تنفيذي لها- ارتأيتُ تقسيم تاريخ النفوذ الوهابي إلى ثلاث حقب:

الحقبة الأولى: التأسيس - مطلع القرن الثامن عشر

وفقاً لما ورد في وثيقة يكتنفها الغموض تحمل عنوان «مذكرات مستر همفر: اعترافات جاسوس بريطاني إلى الشرق الأوسط» (Memoirs Of Mr. Hempher: Confessions of a British Spy To The Middle East)، فإن مستر همفر، هذا، هو الذي عمل، مع الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على تأسيس الوهابية. وقد نُشرت هذه الوثيقة في حلقات في الصحيفة الألمانية «شبيغل»، ثم في جريدة فرنسية، وترجمت إلى اللغة العربية، ومنها إلى اللغة الإنجليزية ولغات أخرى. بيد أن المصادر الوهابية أنكرتها واعتبرتها ملفقة وساقت لدعم رأيها ثلاثة مزاعم مختلفة غير متسقة: أن الشيعة «الرافضة» هم الذين لفقوها؛ أن العثمانيين هم الذين ألَّفوها؛ وأنها وثيقة، أشبه ببروتوكولات حكماء صهيون، لا يُعرف لها أب.

بين حلم المأمون وحلم همفر: أرسطو والنبي

بحسب هذه الوثيقة فقد بدأت الوهابية بحلم، مثلما بدأت حركة التنوير الكبرى في العصر العباسي بحلم.

حلم مستر همفر:

«لفقتُ له [محمد بن عبدالوهاب] ذات مرة حلماً، فقلت له إني رأيت البارحة في المنام رسول الله – وقد وصفتُه بما كنت سمعته من خطباء المنابر- جالساً على منبر وحوله جماعة من العلماء لم أعرف أحداً منهم، وإذا بي أراك قد دخلتَ وهالةُ من النور تشعُّ من وجهك. فلما اقتربتَ من الرسول قام إجلالاً وقبّلك بين عينيك وقال لك: يا محمد أنت سمييّ ووارثُ علمي وقائمٌ مقامي في شؤون الدين والدنيا، فقلتَ أنت: يا رسول الله إني أخاف أن أُظهر علمي على الناس. فقال لك رسول الله: لا تخفْ فأنت الأعلى.»

فلما سمع محمد مني هذا المنام كاد يطير فرحاً، وسألني تكراراً: هل أنت صادق في رؤياك؟ وكلما سأل أجبتُه بالإيجاب حتى اطمأن، وأظن أنه صمَّم من ذلك اليوم على إظهار أمره.»

حلم المأمون

وبحسب ابن النديم في الفهرست «فإن الخليفة العباسي المأمون رأى في منامه كأن رجلاً أبيض اللون مشرَّباً حُمرة واسعَ الجبهة مقرونَ الحاجب أجلحَ الرأس أشهلَ العينين حسنَ الشمائل، جالسُ على سريره ، فقال المأمون: كأني بين يديه قد مُلئتُ هيبة. فقلتُ من أنت ؟ قال: أنا أرسطو طاليس. فمررتُ به وقلت: أيها الحكيم أسألك؟ قال: سَلْ. قلتُ: ما الحسَن؟ قال: ما حَسُنَ في العقل. قلتُ: ثم ماذا؟ قال: ما حَسُنَ في الشرع. قلتُ: ثم ماذا؟ قال: ما حَسُنَ عند الجمهور. قلت: ثم ماذا؟ ثم لا ثم لا ...فكان هذا المنام من أوكد الأسباب في إخراج الكتب، فإن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات، وقد استظهر عليه المأمون فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما عنده من مختار العلوم القديمة المخزونة المدَّخرة ببلد الروم فأجاب إلى ذلك بعد امتناع.» وهكذا انطلقت حركة الترجمة والتعريب والتأليف العظمى.

أهداف وزارة المستعمرات

كان الهدف العام لوزارة المستعمرات البريطانية يتلخص في تحطيم الامبراطورية العثمانية وتقسيم العالم العربي والإسلامي طائفياً ومذهبياً. وكانت الوسيلة إنشاء حركة «دينية- سياسية» (دين جديد- إمارة). أما الأدوات التي استُخدمت فهي المال والجنس والسلاح والاستخبارات وتجنيد المقاتلين.

في لقاء البصرة الذي حدث بين الرجليْن، مستر همفر والشيخ محمد بن عبدالوهاب، والذي لا يُعرف تاريخه، وجد همفر، الذي اختار لنفسه اسم «الشيخ أحمد»، ضالَّته المنشودة في الشيخ.

خطة النقاط الست

وضعت وزارة المستعمرات خطة مؤلفة من ست نقاط وسلَّمتها إلى عميلها همفر كي يعمل على إقناع الشيخ محمد بن عبدالوهاب بتنفيذها، وتتلخص الخطة في:

1. تكفيرُ جميع المسلمين من غير أتباع الدين الجديد وإباحة قتلهم وسلب أموالهم وهتك أعراضهم وبيعهم في أسواق النخاسة، وجعل رجالهم عبيداً ونسائهم جوارٍ.

2. قطع طريق الحج وإغراء القبائل بسلب الحجاج وقتلهم.

3. خلع طاعة الخليفة العثماني، والإغراء بمحاربته وتجهيز الجيوش لذلك.

4. هدم القباب والأضرحة والأماكن المقدسة عند المسلمين في مكة والمدينة وسائر البلاد التي يمكن تحقيق ذلك فيها باعتبارها نوعاً من الوثنية والشرك.

5. نشر الفوضى والإرهاب في البلاد إلى أقصى حد ممكن.

6. محاولة العبث بالكعبة وتحوير النصوص المقدسة، وهو ما حذَّر منه الشيخ محمد وأحجم عن الوعد بالإقدام عليه شارحاً هوله وخطورته على حياته وعلى وجود الحركة والدين الجديد ككل.

وإدراكاً منه لهول هذه الخطة أسدى وزير المستعمرات إلى همفر نصيحة جاء فيها:

«لا يهولنّك هذا البرنامج الضخم، فإن الواجب يحتم علينا أن نبذر البذرة، وستأتي الأجيال الآتية لتكمل المسيرة، وقد اعتادت حكومة بريطانيا العظمى على النفَس الطويل والسير خطوةً خطوة. وهل محمدٌ النبي إلا رجلٌ واحد تمكَّن من ذلك الانقلاب المذهل؟ فليكن محمد بن عبد الوهاب مثله ليتمكن من تنفيذ الانقلاب المنشود.»

بعد سنوات من العمل تمكنت وزارة المستعمرات من تجنيد محمد بن سعود وهندسة عرى العلاقة بين المحمديْن-أي الدين والسلطة السياسية- للاستيلاء على قلوب الناس وأجسادهم، فقد أثبت التاريخ أن الحكومات الدينية أكثرُ دواماً وأشد نفوذا وأرهب جانبا. وهكذا كان. «وقد اتخذنا من الدرعية عاصمة للحكم والدين الجديد.»

الحقبة الثانية: منقلب القرن العشرين- ثلاث غزوات وهابية للأردن

الغزوة الأولى: في ليلة الثلاثاء، 22 آب/أغسطس 1922 تقدمتْ صوب شرق الأردن قوة قوامها حوالي ألف وخمسمائة رجل من الوهابيين، الذين أطلق عليهم أهالي شرق الأردن ثلاثة أسماء: «الوهابيون»، و«الإخوان» أو «الخوين» أو«المِدَّيْنة». ووصل المهاجمون إلى مضارب بني صخر في الطنيب والمشتى والقسطل، حيث باغتوهم صباحاً في مضاربهم، وأخذوا يقتلون كل من يصادفونه في طريقهم، لا يفرِّقون بين محاربين ومسالمين. إلا أن «الغبين» جمعت جموعها وتوجَّه المتطوعون من عشائر البدو الأخرى إلى ساحة المعركة، واستمر القتال طيلة يوم الثلاثاء حتى ضُحى الأربعاء، عندما تمكنوا من رد الغزاة على أعقابهم بعد أن كبَّدوهم خسائر فادحة.» ومن الجدير بالتنويه أن القوات البريطانية المرابطة في شرق الأردن لم تتدخل في المعركة، بينما غادر أمير البلاد المقر إلى صويلح بسبب وعكة ألمّـت به، ولم يعد إلا بعد اندحار الغزة. (خيرالدين الزركلي، عامان في عمان).

الغزوة الثانية: وقعت في صبيحة يوم الخميس، 14 آب 1924 في ثاني أيام عيد الأضحى، وضمَّت القوة الغازية 4000-5000 مقاتل. وقد باغت الغزاة أهالي قرى اللُبَّن والطنيب والقسطل وأم العمد، وسرعان ما انتشر نبأ الغزو بين أهالي شرقي الأردن، فهبَّ رجال عشائر البلقاء وبعض أهالي عمان وناعور ووادي السير وصويلح، لمؤازرة قبيلة بني صخر. واحتل الغزاة القرى التي هاجموها، ونهبوا قرية اليادودة. ولكن عشائر بني صخر والبلقاء والعدوان والعجارمة وبني حميدة، وحَّدت صفوفها وصدَّت المعتدين، وأرغمتهم على الانسحاب ملحقةً بهم خسائر فادحة قُدِّرت بنحو 500 قتيل و300 أسير.

أما الغزوة الثالثة، مجزرة غرايس، فقد وقعت في شباط/فبراير 1928، عندما شنَّت قوة من «الإخوان» تُقدَّر بنحو ألفي فارس هجوماً دموياً على عرب بني صخر النازلين بمنطقة غرايس شمال شرق الجوف أثناء رحلة «التشريق» المعتادة، وارتكبت مقتلة مهولة في صفوفهم، لم ينج منها إلا النساء وبعض العبيد والأطفال. وكان من بين قتلى تلك المجزرة شيخ الزبن حتمل بن مناور ونجلُه وحوالي 88 آخرون.

وقد وصف أحد شعراء بني صخر تلك الواقعة بقصيدة، منها:

«...صارت علينا ثلاث اكوان واللي جرى يشيِّب العيني

... وذبحوا حتمل هو ونومان هيل البيوت العزيزيني»

وقال شاعر آخر عن غرايس عندما اقترح أحدهم على قبيلته التشريق إليها مرة أخرى لوفرة الماء والكلأ فيها:

«...غرايس لو عشبها كيهوم ماهي مريّة على الذودي

وعسى غرايس مطرها حسوم وعساها ما تنبت العودي»

ومن المعروف أنه تم ضم منطقة الجوف لاحقاً إلى الحكم السعودي- الوهابي بشكل نهائي، وهي التي طالما تغنَّى بها أهلها الأردنيون:

«طوّقناها من معان للجوف ومن الكرك لحدود الطفيلة»

الحقبـة الثالثـة

تشكُّل الأممية الوهابية الأولى والأممية الوهابية الثانية

تبلورَت ما أُطلِقُ عليها مصطلح «الأممية الوهابية الأولى» في ما سُمي بالجهاد الأفغاني الذي انطلق في أواخر السبعينيات من القرن المنصرم، والذي صمَّمه وخططه وحشد له ووزَّع الأدوار فيه زبيغنيو بريجنسكي بهدف محاربة الاتحاد السوفييتي بالوكالة عن الولايات المتحدة والامبريالية العالمية تحت شعار «الجهاد من أجل الإسلام ضد الشيوعية والإلحاد» في أفغانستان.

أما ما أُطلق عليها مصطلح «الأممية الوهابية الثانية»، فقد تشكَّلت لاستهداف سوريا في ما يسمى بالجهاد السوري لمحاربة العلويين «النصيرين» والشيعة «الروافض» ولنصرة أهل السنة والجماعة. وهي حملة موجَّهة في الحقيقة ضد محور المقاومة (سوريا – حزب الله- إيران). وتتمدد أهدافها الأميركيَّة والأطلسية إلى روسيا والصين في نهاية الأمر. وضمَّت، بالإضافة إلى ما سبق من تيارات أو جماعات، جبهة النصرة وتنظيم داعش وعشرات من أخواتها وبنات عمومتها، بل مئات من الجماعات المسلحة من السلالة الوهابية نفسها.

وفي مقاربة مقارنة بسيطة وسريعة بين «الجهاديْن» في مجالات الإشراف والتوجيه العام وقاعدة العمليات الحربية والتمويل ومهمات الاتصال والتنسيق والرعاية وتوريد الأسلحة والذخائر والمعدات والأيديولوجيا وحتى الأبطال، يتبين لكل ذي عقل أنهما ليسا سوى طبعتيْن لقصة واحدة أو سيناريوهيْن لفيلم أميركيّ واحد تقريباً.

حرب الفتاوى المقدسة

- في الجهاد الأفغاني استُخدمت الفتوى الرئيسية الجامعة التي صاغها واستصدرها الشيخ عبدالله عزام، ابن السيلة الحارثية الرازحة تحت الاحتلال الصهيوني، الذي أدار ظهره لمهبط رأسه وتوجَّه إلى بيشاور. وقد أكدت تلك الفتوى على أن الجهاد في أفغانستان «فرض عين بالنفس والمال على كل مسلم، كما قرره فقهاء المذاهب الأربعة بلا استثناء، ومعهم جمهرة المفسرين المحدثين والأصوليين».

- وفي الجهاد السوري استُخدمت أم الفتاوى ... لشيخ الإسلام ابن تيمية(667-728هـ):

«هؤلاء القوم المسمَّون بالنصيرية [العلوية] هم وسائرُ أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى؛ بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررُهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم... هؤلاء [النصيرية والرافضة] كفار باتفاق المسلمين لا يحلُّ أكل ذبائحهم ونكاح نسائهم، بل ولا يُقرُّون بالجزية، فإنهم مرتدون عن الإسلام ليسوا مسلمين ولا نصارى... ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات ، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصِّديق [أبو بكر] وسائر الصحابة بدؤوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب...»

خلاصــة

وختاماً، يمكنني المجازفة بالقول:

- إن جلَّ هذه الفتاوى المشار إليها والتي ما أنزل الله بها من سلطان استندت إلى «الفتوى الأم» لابن تيمية المقتبسة آنفاً، والتي تستخدمها التنظيمات السلفية المسلحة على نطاق واسع في التعبئة والتحريض والحث على الجهاد السوري.

- الوهابية الدينية ليست مذهباً فحسب، بل «دين جديد» استئصالي، يُنكر ويلغي ما قبله وما بعده، يعادي ويكفِّر و«يجهْلن» (يصِم بالجاهلية) ويستبيح جميع الأديان والطوائف والمذاهب والعقائد الأخرى المختلفة معه وعنه.

- الوهابية السياسية حركة عنفية، وهي أم الحركات والجماعات السلفية المعاصرة (الخشنة والناعمة). وهي حركة لا وطن لها، بل إن الأوطان بالنسبة لها أوثان ينبغي تحطيمها مع رفع العقيرة بالتكبير.

- الوهابية المقاتلة قوة عسكرية غاشمة محمولة عالمية، يرسلها مشغِّلوها إلى أي مكان يريدون، وبهذا المضمون فإنها ليست سوى «بلاك ووتر إسلامية».

- الوهابية الاجتماعية عبارة عن فاشية دينية رثَّة معولمة، وهي طبعة محلية للفاشية التي تُفرزها الأزمة الرأسمالية البنيوية، لكنها أشد بشاعة لأنها ترتدي جلباباً مقدساً. وهي ثورة مضادة تُستخدم لإجهاض الثورة الحقيقية أو مقاومتها، وضد حركة التحرر الوطني والاستقلال.

- إن حلفاً بين النيو ليبراليين والنيو وهابيين ظهر بشكل مكشوف وعلني ورقيع. ومن المستغرب أن في جيش هذا الحلف كتيبة من المثقفين والكتاب القوميين واليساريين السابقين، ممن يقاتلون تحت إمرة الوهابيين.

- الوهابية يمكن هزيمتها في معارك عسكرية أو أمنية هنا أو هناك، ولكن لا يمكن إلحاق الهزيمة النهائية بها إلا باستهداف عقر فكرها التكفيري المتخلف الولاَّد بسلاح الفكر المتحرر وسيادة العقل على مستوى الأمة في حرب فكرية ثقافية شاملة، وإلا فإن هذه الأمة ستخرج من التاريخ الإنساني. وستظل حبيسة تاريخ من نوع آخر يستند إلى إلغاء العقل وتقديس النقل... تاريخ «الإماميْن» الهمجي المتوحش، وسيكون مآلَها الفناءُ الحضاري.

عمان/ 2017.02.08

------------------

(*)أحمد جرادات:كاتب وقيادي يساري أردني

 

http://maysaloon.news/