22 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

احمد جرادات

جدل الثقافي والسياسي

احمد جرادات(*)

"إن أفضل طريقة لعمل دعاية ناجحة هي ألا يظهر عليك أنك تفعل شيئاً."
ريتشارد كروسمان في مقدمة كتاب "من الذي دفع للزمار"(1)
منذ تدشين أولى انتخابات الهيئات الإدارية لرابطة الكتاب الأردنيين بعد تأسيسها في عام 1974، ما فتئ جدل، بل قُل سجال، السياسي والثقافي بين التيارين الرئيسيين المتنافسين "تاريخياً" يستيقظ قُبيل كل انتخابات كعنوان وسلاح استقطاب في المنافسة/المعركة لتحقيق الفوز/النصر فيها. والحقيقة أن كل كاتب غير أُمي لا بد أن يكون على دراية بأن فصل الثقافي عن السياسي في تاريخ الأمم هو فصل تعسفي و"بروباغاندا" سياسية محجَّبة، وأشبه ما يكون بإطلاق قنابل دخانية لإخفاء مسرح العمليات و"تغبيش" رؤية "المقاتلين"، وإقناع البيادق بأنهم يدافعون عن "قضية" ويرفعون لواءها وشعارها، وهو هنا "فصل الثقافي عن السياسي"؛ فلا معركة بدون "قضية" كبرى وشعار برَّاق، مهما كانت بشاعة أهدافها الحقيقية المضمرة؛ إن هذا الفصل ليس سوى خرافة مكارثية ومحض هراء وإن السجال بشأنه ترف سقط بالتقادم منذ انتهاء الحرب الباردة وكشف القناع عن دور وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الحرب الثقافية الباردة بشكل موثق ورصين من قبل العديد من الكتاب والباحثين الغربيين أنفسهم.
قلتُ للتو إن هذا السجال قديم قدم الرابطة، فما الجديد؟ ولماذا أكرر المكرر في هذه الدورة الانتخابية؟ وهل ثمة قيمة مضافة في التعليق عليه؟
في مداولات تيار القدس، الذي أنتمي إليه وأويده ويشرفني زملائي باختياري عضواً في أمانته العامة في معظم الدورات، والذي أدعو أعضاء الرابطة جميعاً إلى انتخاب قائمة مرشحيه بأكملها، وأعمل على ذلك بقدر استطاعتي، لاحظتُ أن لدى بعض أعضاء ومرشحي التيار ميْل إلى هذا التقسيم التعسفي – الثقافي vs السياسي. قد أتفهم ذلك، فالتيار ليس حزباً حديدياً ولا منظمة عصبوية ترتدي "يونيفورم"، وربما تُستخدم هذه المحاججة الصورية لغايات انتخابية يتراوح التعبير عنها بين "الغمغمة" والتقية والتوفيقية والتلفيقية و"التعميمية"، التي لا تسرُّ الصديق ولا تغيظ العدى. ولكنني لا أستطيع الموافقة على هذا التوجه أو التزام الصمت حياله، فحرصت على هذا التوضيح العلني الآن كي لا اضطر إلى تحمُّل وزره أو التنصل منه بما لا يليق بي لاحقاً.
ذلك أن الخطورة الأكبر لإثارة هذا السجال والانحياز إلى "الثقافي" لستر "السياسي" المضمر اليوم تكمن في أنه يأتي بالارتباط بالموقف من الحرب العدوانية الدولية على سوريا، ولا مندوحة من معرفة أين يقف هذا الكاتب أو ذاك، هذه الكتلة الانتخابية أو تلك في رقعة هذا الصراع التاريخي المصيري فعلاً، حيث يُولد هنا والآن، على الأرض السورية وفي هذه الأيام، نظام عالمي جديد معمَّد بالدماء والدمار والعذابات أكثر عدلاً أو أقل جوراً على الأقل، ويتقرر مصير شعوب المنطقة والعالم بأسره أمام عيوننا، ويُبعث الأمل من جديد في إحياء حركة التحرر العربية .
ولعل من نافلة القول، وأنا أخاطب الكتاب الأردنيين عشية انتخاباتهم، إن الثقافة متراسُ الدفاعِ الأخيرِ عن الأمةِ، عندما يكون الخيارُ بين البقاء أو الفناء الحضاريِّ؛ وهذا ما يحدث فعلاً. فهل يجرؤ كاتب أو مثقف على إنكار أن جحافل التكفيريين الإرهابيين ومشغِّليهم الدوليين والإقليميين الذين يدعمونهم بالمال والسلاح والخطط الحربية والمعلومات الاستخبارية وأحدث الوسائل التكنولوجية ما انفكوا يشنون منذ نحو سبع سنوات حرباً متوحشة بالوكالة بهدف تفكيك الدول العربية وتدمير الجيوش الوطنية وتفجير الصراعات الطائفية والمذهبية، وعمدوا إلى إحراق عيون الكتب وكنوز المخطوطات النادرةِ وتدمير الأوابد والنفائس التاريخية والحضارية والأثرية ومحو منجزات التاريخ الإنسانيِّ العريق لشعوبنا وذرِّها في رمال "الثقافة" الصحراوية القاحلة؛ فأين أنصار "الثقافي" من محو ثقافة أمتهم وتدمير حضارتها بشكل ممنهج على أيدي هؤلاء؟
ومن المحزن والمخيف أننا نشهدُ انهيار العديد من المثقفين في بلادنا أمام جحافل الظلاميين الذين يعتبرون الأوطان أوثاناً وكتائب حلفائهم من الليبراليين الجدد الذين لا وطن لهم، وطغيان طوفان البترو دولار على القيم الوطنية والإنسانية، حيث يحدد اللحنَ من يدفعُ للزمَّار.

عمان/ 2017.09.09
___________________

(*)أحمد جرادات: كاتب وقيادي يساري أردني.
(1) من الذي دفع للزمار؟ الحرب الباردة الثقافية، وكالة المخابرات المركزية وعالم الفنون والأدب، فرانسيس ستونر سوندرز

http://maysaloon.news/