24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

 

اشرف بيومي

كاسترو العظيم

أشرف البيومي (*)

عندما نتحدث عن قامة تاريخية مثل فيديل كاسترو يستحيل أن نشمل جميع انجازات هذا القائد العظيم في هذه المساحة المحدودة. لهاذا أجد من الضروري التركيز علي ثلاثة انجازات محورية وإضافة بعض الملاحظات حول وحدة النضال والمناضلين:

أولها التخلص من دكتاتورية فاسدة وتابعة وتحقيق الإستقلال الحقيقي لكوبا وحماية هذا الاستقلال باصرار وصمود اسطوري عبر عقود عديدة

ثانيها تحقيق معجزة تقدم البحث العلمي الهائل وانعكاس ذلك عمليا علي صحة المواطنين كل المواطنين

ثالثها المشاركة العسكرية في حركات التحرر في أفريقيا وعلي رأسها أنجولا

التخلص من دكتاتورية فاسدة و الصمود الوطني الأسطوري

لا يمكن بأي حال من الأحوال تقييم انجازات كاسترو ورفاقه الثوريين دون التعرف علي حالة كوبا في ظل الدكتاتور باتيستا الحاكم السابق لكوبا والمدعوم أمريكيا. أول معرفتي بكوبا هي كانت عندما ذهبت لجامعة ولاية فلوريدا عام 1955 والتي كان بها عدد من الطلبة الكوبيين الذين كان ولاء معظمهم لباتيستا، وبالتالي كانت انطباعاتي مشوهة ورغم ذلك كانت هناك معلومات تقارب الوضع الحقيقي لما يدور بكوبا والتي اكتملت عندما قام كاسترو ورفاقه بالثورة عام 1959.

ومن الحقائق التي تعرفت عليها قيام باتيستا بتعليق العمل بدستور 1940 ومصادرة كافة الحريات بما في ذلك حق الإضراب وتحالفه مع كبار ملاك مزارع قصب السكر.أدت سياساته لاتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء. كذلك اتسم النظام بفساد مستشري وقمع رهيب شمل التعذيب والاعدامات العامة مما أدي لقتل 20 ألف مواطن. هذا بالاضافة الي اتساع نفوذ المافيا الأمريكية ورموز الإجرام الأمريكي وانتشار تجارة المخدرات والقمار والدعارة. استفاد باتيستا مباشرة من كافة هذه النشاطات الإجرامية. وبطبيعة الحال جنت الشركات الأمريكية الأموال الطائلة من جراء المميزات الهائلة التي منحتها لهم حكومة باتيستا.

كان الموقف الرسمي الأمريكي مؤيدا لباتيستا رغم بعض الانتقادات لذر الرماد في العيون. لم نسمع عندئذ أن باتيستا حاكم غير شرعي لاستيلائه علي الحكم بالقوة ولا لتعطيله الدستور ولا لانتهاكاته الخطيرة لحقوق الانسان. ولكن كل هذه الاتهامات كانت من نصيب كاسترو ورفاقة الذين اتهموا بأنهم قتلة لشعبهم وبأن حكمهم غير شرعي ..الخ من الدعايات المسمومة.

نجحت الثورة الكوبية وفر باتيستا إلي جمهورية الدومينيكان الكاريبية عند رفيقه الدكتاتور تروهييو وفي النهاية استقر في البرتغال حيث كان زميله الدكتاتور ساليزار لازال يحكم. بعد قرون من الاستعباد تحررت كوبا من الاستعمار والهيمنة الأجنبية كما تحققت المساواة بين المواطنين. كان الكوبيون السود الذين يعود أصلهم لأكثر من مليون أفريقي سخرتهم الرأسمالية العالمية ليصبحوا عبيدا في مزارع قصب السكر في كوبا يعانون من ثنائية العنصرية الفجة والاستبداد الإجرامي.

قبل الثورة الكوبية، كانت تعاني كوبا من الاستعمار الغربي والهيمنة الأمريكية لفترة طويلة. بعد الثورة تحققت انجازات هائلة علي رأسها استقلال كوبا ثم الدفاع عنه بضراوة في معركة خليج الخنازير وإبان أزمة الصواريخ مع الاتحاد السوفيتي،حليف كوبا. صمدت كوبا في مواجهة حصار اقتصادي غاشم مستمر حتي الآن ومحاولات اغتيال متعددة لقائد الثورة كاسترو. كما حققت كوبا انجازا خارقا في مجال التعليم والبحث العلمي والصحة العامة التي نافست معدلاتها أغني الدول.

لم يكتف كاسترو والحكومة الكوبية بالمشاركة الفعالة في حركات التحرير في افريقيا بل ناصر القضية الفلسطينية وعارض بشدة الحروب الأمريكية الآثمة في فيتنام ولاوس وكمبوديا والأنظمة العنصرية في جنوب أفريقيا ووضع الأمريكيين السود. كان كاسترو صديقا لزعماء قوي التحرر في العالم مثل مانديلا وهوجو شافيز وعبد الناصر الذي عبر كاسترو له عندما قابله في نيويورك عن امتنانه وكيف أن توقيت الثورة الكوبية والهامها انبثق من صمود مصر أمام العدوان الثلاثي عام 1956.

من المنطقي أن نرجع مآسي الاستعمار والعبودية وااستخدام العنف والإبادة البشرية لأس البلاء وهو الجشع المتمثل في الرأسمالية . لقد عبر كاسترو عن قبح الرأسمالية ومخاطرها بقوله:"أعتقد كما يعرف العالم أجمع أن النظام الرأسمالي لايعمل لا في الولايات المتحدة ولا في العالم وتجره من أزمة لأخري وفي كل المرة تكون ألأزمة أكثر خطورة"

لقد قدمت الثورة الكوبية بقيادة فيديل كاسترو وجيفارا وراؤول كاسترووكاميلو نموذجا حيا لدول عديدة خصوصا في أمريكا اللاتينية ومن هنا ندرك خطورة ذلك علي الامبريالية وحلفائها.

دعم حركات التحرر في أفريقيا والعالم

في عام 1975 شاركت القوات الكوبية بقوة 25 ألف جندي مع الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA)) لدحر قوي الاستعمار البرتغالية وحلفائها، منها حكومة جنوب أفريقيا العنصرية وحكومة زائير التابعة للإمبريالية ومنظمات مثل يونيتا ((UNITA المدعومة من السي أي إيه ومن دول أوروبية غربية. وفي عام 1988 ساهمت القوات الكوبية في مواجهة ينيتا وقوات جنوب أفريقيا مرة أخري لحماية الحكومة الثورية الأنجولية في معارك حاسمة بكيتو Cuito ،انتهت بانتصار قوي التحرر وقتل جوناس سافمبي قائد ينيتا.

في النهاية تحررت أنجولا من استعمار برتغالي بغيض ومن قوي الهيمنة التي سعت من أجل أن تحل محله، كل ذلك بمساعدة كوبا المحورية، هذه الجزيرة الصغيرة وشعبها الذي يصل تعداده حوالي 11 مليون فقط.

هنا نتوقف لتقديم التحية لكاسترو وجيش كوبا الذين هبوا لنصرة أنجولا رغم معارضة الحليف السوفيتي. يبرز هنا قناعة كاسترو الراسخة بأن المعركة ضد الاستعمار والهيمنة معركة واحدة مهما تعددت الميادين وتبرز أيضا استقلالية القرار لدي كاسترو وكوبا. لقد أثبت كاسترو صدق مقولته : "نحن أمة لاتينية أفريقية.. والدم الآفريقي يجري في عروقنا"

تطبيق شعار البحث العلمي في خدمة الشعب عمليا

في عام 2006 حققت رغبة قوية لزيارة كوبا كان الدافع الأساسي لتجشم هذه الرحلة المكلفة هو دراسة التجربة الكوبية العلمية والتقدم الهائل الذي أنجزته كوبا في مجال البحث العلمي وتحديداً في مجال البيوتكنولوجي. قمت بزيارة العديد من المؤسسات العلمية بهافانا وسانت كلارا وأجريت نقاشات مكثفة حول البدايات والعقبات التي واجهت المشروع في مراحله الأولي وتأثير الحصار وانهيار الإتحاد السوفيتي ودور القيادة السياسية والفلسفة الخلفية له وعوامل النجاح الأساسية التي بدونها يستحيل تحقيق أيإنجاز. ان التجربة العلمية في كوبا تقدم نموذجا فريدا لدول عربية خصوصا وأن هذا النجاح تحقق في مواجهة عقبات ضخمة منها الحصار الاقتصادي الذي فرضته الولايات المتحدة علي كوبا الفقيرة في مواردها الطبيعية.

الدور المحوري لكاسترو في النهضة العلمية الكوبية

التقييم العلمي لثورة كوبا ولقائدها العظيم كاسترو يقتضي تسليط الضوء علي الدور المحوري لكاسترو في النهضة العلمية لهذه الجزيرة الصغيرة التي تقع علي بعد أميال قليلة من زعيمة الإمبريالية. ليس هناك أي مبالغة في أن القيادة السياسية تلعب دورا حاسما لانجاز ضخم في المجال العلمي خصوصا بالنسبة للبلاد النامية. كما أن أي نهضة علمية لا بد أن تكون متلازمة مع مشروع تنمية طموح معتمد علي الذات. ومما لا شك فيه أن فيدل كاسترو كانت لديه بصيرة نفاذة في الاستثمار الهائل في مجال البيولوجيا الجزيئية حتي في أحلك الظروف الاقتصادية التي مرت بها كوبا في التسعينات مما يؤكد قناعته وثقته الكبيرة في قدرات وتفاني العلماء الكوبيين.

منذ البداية آمن فيدل بدور العلم ففي خطاب له في يناير 1960 قال "إن مستقبل كوبا يجب أن يكون مستقبل رجال العلم،رجال يفكرون" وشتان بين مقولات تترجم إلي أفعال ونتائج ملموسة ومقولات رنانة تضيع في الهواء تفتقد إلي المصداقية ولا يستمع إليها أو يكترث بها أحد. قال لي د. بدرو لوبيز ساورا أحد العلماء البارزين بمركز الهندسة الوراثية والبيوتكنولوجي CIGB : "في السبعينات كنا مجموعة من العلماء نقوم ببحوث أكاديمية وفي أوائل الثمانينات توفرت لدينا كتلة حرجة من العلماء وكان إنتاج كمية من الإنترفيرون Interferon في مدي شهرين هو أول نجاح لنا. كان فيدل يحضر في معملنا كل يوم وأحيانا مرتين وثلاث مرات من 11 إبريل 1981 حتي 3 أغسطس 1981 ليتابع ويسأل ويطمئن أن كل احتياجاتنا متوفرة. أما الدكتور أوجستين لآهي مدير مركز بحوث المناعة الجزيئية CIM وأحد القيادات العلمية الفذة يقول:" في سبتمبر 1989 مساء أحد الأيام دخل فيدل المعمل وكان يبدوا أن في ذهنه شيء ما، وجرت مناقشات مطولة في هذا المساء وتلته عدة جلسات أخري. تحدث عن ضرورة إنشاء مركز كبير رغم أننا كنا نرغب فقط في تحديث لمعملنا الصغير ، لكن فيدل كان يخطط لتطوير صناعة لم تكن في مخيلتنا وقتها. وبدأ بإنشاء مركز بحوث المناعة الجزيئية CIM الذي أنت وأنا فيه الآن. تذكر أن الإنشاء بدأ في 1991 وفي ضرب الناتج المحلي الكوبي بسبب تفكك الاتحاد السوفيتي ولكن فيدل أصر علي الانتهاء من المبني الذي اكتمل في 1994".

هذا النجاح سبب قلقاً شديداً للسلطة في الولايات المتحدة. نسوق، " دون تعليق"، ما جاء في تقرير لجنة "المساعدة من أجل كوبا حرة"، في مايو 2004 ، والذي تبناه بوش قائلاً " لقد وجهت (الحكومة الكوبية) مبالغاً طائلة لنشاطات مثل إنشاء مراكز لعلوم البيولوجيا والبيوتكنولوجيا، هذه النشاطات غير مناسبة من حيث الحجم أو التكاليف لدولة فقيرة أساساً والتي فشلت في تبرير ذلك مالياً". من الواضح أن النموذج الكوبي غير مستحباً من قبل الإمبريالية التي تجده مناقضاً ومقلقُ لمصالحها.

حظي التعليم في كوبا منذ اللحظة الأولي بعد نجاح الثورة باهتمام بالغ. فقد تعرض نظام التعليم لتغييرات جذرية فأصبح التعليم مجاناً في كل المستويات في 1961 وأممت جميع المعاهد التعليمية وأصبح التعليم يخضع لإدارة الدولة ومنعت المعاهد الخاصة بعد 1991.

لقد انعكست الإرادة السياسية على حجم الإنفاق المحلي الإجمالي على البحث والتطوير، لأن كوبا وضعت، منذ فترة مبكرة ( بدءا من العام 1981)، أولوياتها في ميدان التقانة البيولوجية وصناعة الأدوية. كما أصبح لدي كوبا كما جاء في تقارير اليونسكو ودوريات علمية مثل Nature وغيرها "أنساقاً متقدمة من إختبارات المناعة الكيميائية، وتقوم بتصنيع كثير من المنتجات. تشهد الإصدارات العلمية " بقدرات بحثية ضخمة لكوبا في مجال العلوم ، ربما أكبر من أي دولة نامية خارج جنوب شرق آسيا" . ويذكر أحد الناشرين " أن كوبا قد نجحت بالذات في إنشاء صناعة بيوتكنولوجية قدمت بكفاءة أدوية وأمصالا معتمدة علي نفسها بالإضافة إلي صناعة أدوية وليدة التي نجحت بشكل باهر في التصدير (رغم الحصار المفروض عليها)، كما استفاد قطاعي الزراعة والصناعة بدرجة كبيرة من البحث العلمي." وكما لاحظت مجلة Nature: "من المهم السؤال عن كيف فعلت كوبا ذلك؟ وما هي الدروس التي يمكن لدول أخري أن تستنتجه من ذلك؟ "

يقول محرر مجلة Monthly Review في تعليقه المنشور في إبريل 2007 : "في الحقيقة الحالة الكوبية مدهشة أكثر ليس فقط لأنها دولة فقيرة – يقصد في الموارد الطبيعية ولكنها غنية بمواردها البشرية كأي دولة- ولكن لأنها تتعرض لحصار اقتصادي قاسي تفرضه عليها الولايات المتحدة الأمريكية والذي اتسع ليشمل المعرفة العلمية". وفضلاً عن ذلك أن هذا التقدم العلمي حدث في العقد ونصف بعد انهيار الاتحاد السوفيتي الذي كان يساعد كوبا اقتصاديا وتكنولوجيا. ومن المدهش أن كاسترو رفض أي انتقاص من ميزانية البحث العلمي رغم المعاناة الاقتصادية الطاحنة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ومن الأخبار المثيرة قرار أوباما مؤخرا بالمشاركة في اجراء مزيد من الاختبارات علي مصل CimaVax-EGF أبدي نجاحا كبير في علاج سرطان الرئة الأكثر انتشارا بالإضافة إلي الحماية من المرض.. جاء المصل نتيجة أبحاث لمدة 25 عاما في مركز كوبا للمناعة الجزيئية Cuba’s Center of Molecular Immunology ويعمل المصل عن طريق استنهاض أجهزة المناعة للمريض.ا

أبطال الماضي وأبطال الحاضر

تشترك القيادات الوطنية التاريخية والحاضرة في عدة صفات:

الاعتداد بالكرامة الوطنية المنعكس في تصرفاتهم والحرص الشديد علي الاستقلال الوطني واعتبار معارك التحرر في العالم واحدة ومتشابكة فكما هبت كوبا لنصرة أنجولا بدماء شعبها هبت المقاومة اللبنانية لنجدة سوريا في مواجهتها للإرهاب وللإمبريالية الشرسة والرجعية العربية البغيضة. كان خطابهم يتناغم مع المواطن البسيط ويتفاعل مع شعورهم فأحبتهم شعوبهم. جمعهم الإعجاب العميق المتبادل بينهم وتقدير عميق لذكراهم.

أما سلوك الإمبريالية وحلفائها تجاه هؤلاء العظماء ودولهم فهو نفسه: تشويه شخصياتهم ونعتهم بأبشع الصفات فعبد الناصر لقبوه بهتلر النيل وبقلب أسود، وبشار الأسد بقاتل شعبه، وكاسترو بالدكتاتور الذي صفي معارضيه، ونصر الله بالإرهابي. بالإضافة إلي ذلك شنت الإمبريالية وحلفائها الحروب المباشرة وحروب بالوكالة قتلت مئات الألوف وحاولت تصفية القيادات الوطنية باغتيالات خسيسة مثل اغتيال الزعيم الأفريقي لومومبا.

في النهاية تحية لكاسترو وزملائه من الأبطال الذين غادرونا وتحية لأبطال الحاضر الصامدين والذين يقودون أنبل المعارك لنصرة الوطن.

القاهرة/ 2016.12.03

-----------------------

(*)أ.د.أشرف البيومي :أستاذ الكيمياء الفيزيائية بجامعة الإسكندرية وجامعة ولاية ميشجان سابقاً

http://maysaloon.news/