19 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

 

اقبال محمد علي

جزيرة عيد الميلاد: قنابل وطيور

بول ثيروكس

ترجمة: د. إقبال محمدعلي

كان آمبو كيبوا " الكيريباتي"، من سكان" تاروا" عاصمة جزيرة Kiribati، في الثانية و العشرين من العمر، عندما وصلته الأخبار، بأن الانجليز بحاجة إلى رجال أقوياء البنية للعمل لديهم في جزيرة الكريسمس Kirimati .و هكذا وَقَعَ آمبو بحب هذه الجزيرة - التي تبعد عنه قرابة 2,013 من الأميال . " أنا أحب الكريسمس جدا. يُخيَل لي أن هناك الكثير من الأشياء الجميلة في هذا المكان". أمضى آمبو عقداً معهم مدته ثلاث سنوات ، حالماً ، بالمكافأة التي ستسقط عليه ، كالمطر في موسم أعياد الميلاد في جزيرة الكريسمس، التي ظلّ اسمها، يداعب مخيلته .

بعد بضعة أشهر من وصوله إلى ساحل هذه الجزيرة القاحل، الفارغ ذي الشعب المرجانية الهشة ، قام الانجليز بإلقاء أول قنبلة نووية من طراز H Bomb على الجزيرة ليمزق دويها طبلتي أذنه. هذا الحادث، جعله يرتعب خائفاً وهو يجلس القرفصاء تحت شجرة جوز الهند مصلياً لإنقاذه من هذا المكان.

في ذلك الصباح الباكر، تناثرت اكبر كتلة مرجانية في المحيط الهادي كالزبد على سطح الماء.... طيورها ذات الريش الأبيض التي كانت مفخرة الجزيرة، أصابها العمى وعلت صيحاتها لتسقط محترقة في مياه البحر. كانت تضرب أجنحتها بعنف، صائحة، متخبطة بطريقة تبعث على الشفقة، أمام أعين المئات من سكان الجزيرة والآلاف من الجنود البريطانيين. عندما أعلنوا عن عزمهم تفجير القنبلة الثانية ، ذهب إليهم آمبو ورفاقه الآخرون ، متوسلين إعادتهم إلى تاراوا .

" سنشتكيكم للرجل الكبير . نريد أن نعود إلى بيوتنا. نحن خائفون " .. " وكنا نصلي لله ليبقينا سالمين . قال لنا نائب قائد القاعدة الجوية : لا تخافوا ، سنعتني بكم ".

قبل إلقاء القنبلة الثانية من H Bomb بليلة تم إرسال الرجال الكريباتيين إلى مقصورة في سفينة ترسو على مبعدة من الجزيرة . كانوا يلهونهم بمشاهدة ، أفلام رعاة البقر ، أفلام الرسوم المتحركة وأفلام انجليزية من السابعة مساءً إلى الساعة الرابعة والنصف من مساء اليوم الثاني .فجأة ،شعروا برنين الهواء الحار يصم آذانهم ، كان أكثر حرقة و أشد ألماً من المرة السابقة . ارتجت السفينة بعنف و تطاير الصدأ من سطحها كالشظايا وكذا كان حال حيطان المقصورة التي وضعوا فيها المائة وأربعين من عمال الجزيرة الذين كانوا يجلسون لاهين، بمشاهدة أفلام رعاة البقر .

خرج الرجال إلى سطح السفينة ليشاهدوا أثر الانفجار النووي... " كان مثل وردة كبيرة تتفتح "، قال آمبو مسترجعا المشهد " مثل لون الغيوم لكن داخلها ملتهب" .

ماتت الملايين من الطيور وتم إغلاق جزء من الجزيرة . لكن هذا لم يكن نهاية للأحداث، ففي السنوات الأربع التي تلت، قاموا باثنين وثلاثين تفجيرا إضافيا، الأخيرة منها كانت بمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية. كانت بعض هذه القنابل ، من أكثر التفجيرات قوة،على الكرة الأرضية : وصلت لدرجة خمسة وعشرين ميغاتون ( الميغا طن قوة انفجارية تعادل مليون طن من ثالث نتريت التولين ) وهذا يعني أن قوة هذه الانفجارات كانت أكثر بكثير مما يمكن ان تتحمله هذه الجزر المرجانية الصغيرة، الحلقية الشكل، و التي تقع على نفس مستوى سطح البحر . لم تكن السلطات مبالية بسلامة سكان جزيرة عيد الميلاد المجيد ( الكريسمس) .. كلما فعلته "تسليمنا بطانيات، و أمرتنا بالتجمع في ملعب التنس و تغطية أنفسنا بها. وكانت تعليماتهم لنا : " لا تنظروا ناحية الانفجار".

- قال لي، تانغو فوو، احد هؤلاء الرجال : حتى وان فعلنا ، فأن الضوء سيخترق البطانية ،بعدها، سيأتينا صليل الهواء الحار ليخترق آذاننا و حرارة شديدة لتصلي ظهورنا .

- سألت الرجال واحداً بعد الأخر: ماذا ستفعل إن جاءك اليوم ، شخص ٌما وقال ، إنهم يريدون اختبار قنبلة ؟؟

- أجاب تانغا ، سأقول لهم هذه المرة : " لا . اغربوا عن وجهي " . وأؤمأ آمبو برأسه موافقاً .

- هل مات احد نتيجة لهذه الانفجارات ؟

- أجاب تانغا : لم يفحصنا احد . الناس يموتون و لا نعرف سبب موتهم . لم يفحصنا طبيبٌ على الإطلاق .

بعد سنوات من هذه الاختبارات، سُئِلَ هنري كيسنجر عن الإشعاعات النووية وتأثيراتها على سكان جزر المحيط الهادئ ، فكان رده : عدد سكان هذه الجزر تسعون ألفا لا غير . فمن يكترث لهذا ؟

و عيد ميلاد سعيد لكم أيها المغفلون

2017.04.23

---------------

(*) النص الاصلي عن Christmas Island : Bombs & Birds

By : Paul Theroux

“Travel Writings ,1958 – 2000”

Kiribati - نسبة إلى جزيرة كيريباتي التي تقع في المحيط الهادي

- تعتبر جزيرة Kirimati( الكريسمس) من اكبر الجزر الحلقية المرجانية التابعة لجمهورية جزيرة كيرماتي التي يبلغ عدد جزرها، ثلاث و ثلاثين جزيرة . تقع هذه الجزر في وسط المحيط الهادي ،كانت غالبيتها تحت سيطرة المملكة المتحدة و استراليا. ولكبر حجم جزيرة الكريسمس ، قامت المملكة المتحدة بتجربة أول قنبلة نووية عليها في أواخر الخمسينات، تبعتها بتفجيرات شملت هذه الجزيرة و الجزر المجاورة لها .قامت الولايات المتحدة الأمريكية المتحدة عام 1962 بتجربة قنابلها على هذه الجزر بالتعاون مع المملكة المتحدة . لم يتم إخلاء سكان هذه الجزر عند إلقاء هذه القنابل . أهالي جزيرة كيريباتي ينطقون حرف السين S , ، تاءً T ,،وهكذا تحول اسم الجزيرة بلغتهم إلى كيرتمات . معدل عمر سكان هذه الجزر لا يتجاوز الثلاثين عاما.غالبية هذه الجزر معرضة للاختفاء في المحيط بسبب همجية الدول العظمى.

http://maysaloon.news/