22 آب 2017
http://maysaloon.news/

برهوم جرايسي

فلسطينيو 48 بين الصهينة والداعشية

برهوم جرايسي

يتزايد في هذه المرحلة الهجوم المزدوج على فلسطينيي 48. الأول من جانب المؤسسة الصهيونية الحاكمة، التي تصعّد خطواتها بهدف تدجين فلسطينيي 48، بغية سلخهم كليا عن شعبهم، من خلال سلسلة مشاريع صهينة، في كافة مجالات الحياة، وهو نهج قائم منذ 1948، ولكنه يتصاعد في هذه المرحلة بالذات. وثانيا، مسعى القوى الظلامية لفرض أجواء العربدة على مجتمع فلسطينيي 48، استمرارا لما يجري في المنطقة. ولا يمكن الاستهانة بالهجومين من حيث الأخطار والأهداف.
فالنظام الصهيوني الحاكم، يُصعّد سياسة التمييز العنصري ضد فلسطينيي 48، ويريد قطع حتى فتات الميزانيات الذي يصل الى فلسطينيي 48، أو اشتراطه بشروط "حسن السلوك" أمام المعتدي، كما شهدنا هذا، من خلال ما يسمى "الخطة الاقتصادية لدعم الأقليات"، التي عرضتها حكومة بنيامين نتنياهو في نهاية العام 2015. فهذه خطة حاولت الحكومة الإسرائيلية، تضخيمها، ووجدت من يسوّقها، باعتبار أنها انجاز.
ورغم أن الخداع الذي فيها كان واضحا منذ البداية، وحتى قبل اقرارها، إلا أن خبراء فلسطينيون نجحوا في كشف حقيقتها أكثر، إذ أكدوا أنها ليست أكثر من فقاعة، مليئة بالأكاذيب والأوهام. وأن الحقيقة الوحيدة فيها، هي مسعى المؤسسة الإسرائيلية إلى تشديد قبضتها وعربدتها على فلسطينيي 48، وتطبيق اجراءات ستؤدي الى تدمير آلاف البيوت العربية.
ولكن ليس هذا وحده، بل إن الأجهزة التعليمية الثقافية "الرسمية"، تسعى الى بث المزيد من برامج الصهينة وفي مناهج التعليم، والبرامج الثقافية. وهذا أيضا لم يبدأ من اليوم، بل من النكبة، ولكن في هذه المرحلة تتزايد الهجمة.
والأخطر في هذا السياق، أن الصهيونية تسعى الى دس أطر تابعة لها، تحت مسمى "جمعيات"، كل مهمتها هي نسف المزاج الوطني، وسلخ شعبنا عن قضيته، تحت غطاء السعي لتحقيق الحقوق المدنية، وأنه لا يوجد ربط بين القضايا المدنية الحياتية، وبين القضية القومية، "كي لا يتم اغضاب الأغلبية اليهودية"، وأن اختراق الشارع الإسرائيلي يتطلب ابداء "حسن سلوك" من جانب الضحية.
وتجد الصهيونية لهذا المشروع أذرع، تدعي الوطنية نهارا، لتمضي لياليها على أسرّة الزنى المتصهينة. وتعمل هذه الأذرع العميلة، على بث أجواء اليأس، وأجواء مقت العمل السياسي والحزبي، والنفور من الهيئات والمؤسسات الوطنية. وتلاقيها جهات أخرى، لا تكف عن بث أجواء الطائفية، بكل اتجاهاتها، ولإفساح المجال أمام عملاء التجنيد في جيش الاحتلال لنشر حملاتهم.
مقابل كل هذا، نجد القوى الأصولية الظلامية، تسعى لإقامة نظام "الإمارة" أو "دولة الخلافة"، تحت رايات الصهيونية. وينتشر هؤلاء من على المنابر، ومن خلال صفحات التواصل الاجتماعي، التي فتحها "الغرب الكافر"، ليبثوا سمومهم، وأجواء التهديد والوعيد، وفي أحيان وصل الأمر الى حد الاعتداءات.
وتتزايد هذه الأجواء في الأسابيع الأخيرة، تمهيدا وخلال شهر رمضان المبارك، للشروع بحملة تكفير كل شيء جميل في مجتمعنا، حتى التقاليد الشعبية المجتمعية التي ارتبطت بهذا الشهر على مر العقود والقرون. وتنتشر معها أيضا "الفتاوى"، من كل من بالكاد بدأ يتعلم كيف يجمع الحروف ليكتب كلمة أو جملة منقوصة، ووصل الأمر الى حد الاعتداء على كرامات الناس، وخاصة الشابات والنساء، اللواتي يخضن معركة التقدم في مجتمعنا المحاصر.
ويبقى هذا أساس المواجهة في المرحلة الحالية، ولكن ترافقها مظاهر هي أيضا خطيرة، تابعة ومأجورة لأطراف مؤامرة المحرقة العربية المسماة عندهم "ربيعا"، فتنتشر ظاهرة شراء الأقلام، من أصابع "دفع المال" ذاتها في الخارج، ليتسع جيش المرتزقة. وكلّ همهم أيضا هم تخريب المزاج الوطني، والسعي الى احداث شروخ في الوحدة الوطنية، الضرورية الملحة، لضمان مجتمع معافى، قادر على التصدي لكل المؤامرات التي تحاك ضد شعبنا.
كان فلسطينيو 48 في مرحلة ما بعد النكبة، وعلى الأقل حتى أواخر العقد الثالث، الذي تُوج بملحمة "يوم الارض" البطولية، كالأيتام على مائدة اللئام، ولكن في تلك المرحلة نجحوا في تثبيت اقدامهم على الارض، في معركة البقاء والهوية، التي قادها الشيوعيون، الذين لم يكن بوزنهم في تلك المرحلة قوة أخرى. ونجح فلسطينيو 48 في اجتياز تلك المرحلة، فرغم ما تكون قد حملته من أخطاء، إلا أنها مرحلة انتجت جيلا ثائرا في أحلك الظروف، نافضا عنه رماد النكبة ونفسيات الهزيمة.
وهذا الجزء من الشعب الفلسطيني، ليس بمقدوره اليوم، أن يسجل أي هزيمة، أمام أي من الجبهات المفتوحة عليه: لا الصهينة، ولا الداعشية، ولا الارتزاقية، وهو قادر على دحر كل هؤلاء، رغم السوداوية الظاهرة للبعض وبحق.

الناصرة 2016.06.26

http://maysaloon.news/