24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

حياة الحريري

 

العروبة كخيار وضرورة

حياة الحريري(*)

أسقطت الحرب على سوريا التي بدأت منذ ما يقارب الخمس سنوات الكثير من الأقنعة في مجتمعنا العربيّ، وكشفت مدى هشاشة اعتناق المجتمعات لعدد من المفاهيم أو بالحد الأدنى فتحت باب النقاش والمساءلة حول الأسباب والعوامل التي أدّت إلى تبدّل النظرة حولها. ولعلّ العروبة، تشكّل أحد هذه المفاهيم والمبادئ التي أصبحت اليوم عند شريحة من الناس موضع اتهام وربما سخرية.

في العام ٢٠٠٣، إبان الاجتياح الأميركي للعراق، خرجت في معظم الدول العربية التظاهرات المنددة للاحتلال، فالذاكرة العربية حينها كانت موحدة بشكل تقريبيّ حول مفاهيم مناهضة الاحتلال والسيادة والهوية والوحدة العربية. وكان تأييد المقاومة والمفاخرة أو المجاهرة في الانتماء العروبي هو القاعدة. المشهد تغيّر في الحرب على سوريا التي انقسم الناس حولها بشكل حاد، ما دفع شريحة كبيرة منهم إلى مهاجمة الدولة السورية والانقلاب عليها والتهليل للتدخل الغربي، متناسية أنها تخوض حربا للحفاظ على الوحدة والسيادة والاستقلال حدّ إغفال وجود إرهابيين على الأراضي السورية وعدم التنبه الآن إلى أن الأولوية اليوم هي محاربة الإرهاب على سوريا ومن ثم معالجة القضايا الداخلية مثل الحريات والسياسات الاقتصادية والاجتماعية والتي تعني السوريين وحدهم.

في الماضي، كانت العروبة تعني أن يكون المواطن، أي مواطن عربي، مع الدولة المركزية ضد المرتزقة والخارجين عن القانون، ومع السيادة ضد التعدي وتهديد وحدة الدولة المركزية تحت أي عنوان، ومع المقاومة التي تحارب الاحتلال الأجنبي ضد أي أرض عربية، ومع الوحدة العربية، أقلّه في دول المشرق والتمسك في الانتماء للأرض وللغة العربية وللتراث وللتاريخ. كل هذه المفاهيم كانت مقبولة لا بل متبناة في معظم المجتمعات العربية وتحديدا المشرقية. أما اليوم، فبات العروبيون موضع اتهام، وبات التمسّك بالعروبة أشبه بخطيئة أو مدعاة للتهكم بحجة الانتماء لحقبة لم تعد موجودة ولشعارات بائدة أثبتت فشلها.

تتعدّد العوامل حول هذا التغيّر الجذري الذي أصاب وما يزال المجتمعات العربية والذي تعود جذوره لهزيمة العام ١٩٦٧ وتحديدا بعد وفاة الزعيم جمال عبد الناصر، وما رافق تلك الحقبة من خيبة ويأس ضربا مختلف الشعوب العربية واجتياح السياسات الاقتصادية الليبرالية في عدد من الدول العربية، والتي لم تراع في أغلبها طبيعة واحتياجات مكونات المجتمع في هذه الدول، وتنامي سيطرة التيارات الإسلامية على الساحة العربية. وقد عملت هذه السياسات الجديدة على طرح مفاهيم ومصطلحات في العالم العربي ما لبثت أن بدأت بسلخه عن الثقافة العروبية التي عرفها ونشأ عليها، بالإضافة إلى الأعباء الاقتصادية التي بدأ المواطن العربي في عدد من الدول يرزح تحتها نتيجة لسوء إدارة أنظمتها للسياسات الاقتصادية. بالإضافة إلى ذلك، لعبت العولمة دورا بارزا في طرح عناوين جديدة مغرية في المجتمعات العربية، إذ أنه بدل الاستفادة من التطور التكنولوجي في الغرب لتنمية البلدان العربية على المستويات الاقتصادية والصناعية والتجارية وغيرها، أدت هذه العولمة إلى اجتياح فكريّ وثقافيّ اخترق بشكل ملفت المجتمعات العربية وأنتجت تبدلا في المفاهيم والقيم والعادات وصولا إلى التخلي التدريجي عن اللغة والثقافة العربية. كل هذه العوامل، بالإضافة إلى الإخفاقات السياسية المتعددة نجحت بشكل كبير في تغيير مزاج الرأي العام العربي وتوجهاته السياسية وخياراته الوطنية، حتى بات مفهوم العروبة مرفوضا في أحيان عدة، لا بل مستهجنا بذريعة إخفاقات دول الممانعة واستبدادها.

تتعرض المنطقة العربية منذ سنوات لحرب دولية تحت عنوان الحرية تهدف إلى تقسيمها عبر تغذية الصراعات الطائفية والمذهبية فيها. من هنا، تحتّم هذه المرحلة المصيرية التي تمرّ بها المنطقة والتي تهدد التاريخ والانتماء والثقافة والهوية العربية، العودة إلى العروبة كخيار انتماء وهوية، وهي بالطبع مهمة تتطلب الكثير من العمل والجهد. من هنا، على دول الممانعة والمثقفين والفنانين العمل على وضع سياسة وطنية تخاطب الرأي العام المناهض للمقاومة والشباب خصوصا بلغة عبر تعريف العروبة وإعادة تقديمها بلغة عصرية وواقعية غير نمطية تحاكي متطلباته ومخاوفه وطموحاته.

(*) حياة الحريري: باحثة وكاتبة لبنانية

http://maysaloon.news/