22 شباط 2020
http://maysaloon.news/

حياة الحويك

معركة كسر الهيبة والمصير

حياة الحويّك عطية

هي معركة مزدوجة، التكتيكي المرحلي فيها يمليه المصيري. فعلى ارض العراق وضع التوقيع النهائي عام 2003 على نظام عالمي كان جديدا عام 1990، وبه اطمأنت إسرائيل أكثر من أي وقت مضى الى وجودها وهيمنتها في منطقة الشرق الأوسط. وعلى ارض العراق، يتجلى عام 2019-2020 الصراع النهائي (بعد سورية وبعد لبنان 2006) حول هيمنة الولايات المتحدة، ليس على المنطقة فحسب وانما على العالم. تراجع بدا مع اعلان فلاديمير بوتين في ميونيخ عام 2007. وراح يكافح ويقاوم حتى هذا المفصل. وكأن رقم ثلاثة عشر عاما هو قدر زمني لتحول نظام العالم. ولتحوّل اقدار منطقتنا.

الديمقراطيون الاميركيون قرأوا ذلك بحكمة، وحاولوا ان يجعلوا من الاتفاق النووي مع إيران، مدخلا للالتفاف على التحولات الحتمية، بصيغة جديدة تضمن عدم القضاء على المصالح الأميركية في الشرق الأوسط. لكن إدارة دونالد ترامب رأت اعتماد صيغة مواجهة وضغط مختلفة، قائمة على عقلية رجل المقاولات الذي اعتمد على مخاطبة أيديولوجية المنفعة التي تقوم عليها الولايات المتحدة. لكنها المنفعة القصيرة الأمد، والقصيرة الرؤية. وفي هذا السياق كان لابد لهذا التوجه ان يلقى كل الدعم والتحريك من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف ولوبيهاته في واشنطن. فاذا كانت واشنطن تخشى نهاية هيمنتها، فان الدولة العبرية تخشى نهاية وجودها العنصري، بعد ان اعتقدت – بعد كل ضربة وجهت الى مركز قوة في بلادنا منذ الخمسينات – انها ضمنت هذا الوجود بل وهذه الهيمنة.

لا ضرورة لاستعراض المحطات القاسية التي قلما تعرض لها شعب في التاريخ، ولكنها وصلت في نهاية الامر، الى تحطيم كم كبير من قدرات هذه المنطقة (وهذا لابد من الاعتراف به) ولكن، بالمقابل الى اضعاف المحور الأميركي – الإسرائيلي كما لم يكن.

الولايات المتحدة الأميركية تعيش اليوم ازمة اقتصادية قاتلة، كما قبل الحربين العالميتين، وتعيش نهاية امبراطوريتها التي كانت أقصر امبراطورية في التاريخ عمرا. ورئيسها يعيش ازمة لم يتعرض لها الا اثنان من الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة. في حين انه طرح نفسه كمنقذ للاقتصاد الأميركي وبالتالي للهيبة الأميركية في العالم، وعليه انتخب.

فهل كان الهرب الى الامام ما مارسه دونالد ترامب بجريمته كي ينقذ نفسه من العزل بحكم او العزل بنتائج الانتخابات القادمة؟ ام كان الهرب الى الامام اميركيا بعد صعود التهديد الاقتصادي العالمي للمصالح الأميركية وبالتالي للهيمنة، من نهوض الخصوم الى تململ الحلفاء كما لم يحصل في التاريخ الحديث، وفي هذا الإطار تأتي ردة الفعل المباشرة والحادة على توجه عادل عبد المهدي نحو الصين، بعد تمركز روسيا في سورية. وبعد ان كادت نتائج الاتفاق النووي مع إيران تصب في صالح الاستثمارات الأوروبية، مباشرة وليس عبر واشنطن.

في كل هذا، تقف إيران على راس التهديد، ليس فقط عبر قوتها الداخلية، بل عبر امتداداتها القوية في المنطقة، وهنا يأتي قاسم سليماني كمهندس هذه الامتدادات، اذن منطقية الحقد عليه ومنطقية استهدافه في محاولة لكسر الهيبة، هيبة الامتدادات وهيبة الدولة الام. ومن هنا يأتي تأجيج الشرخ السني الشيعي في المنطقة، مع ارتدادات عملية الاغتيال، وسيلة مثلى لكسب معسكر مندرج في السياق الأميركي، حتى ولو كان ذلك يعني الاندراج في السياق الإسرائيلي. فهل كان هناك من يصدق ان سبعة عشر عاما ستكون كافية لكي ينسى بعض العراقيين أبشع عملية احتلال وتدمير وابادة في التاريخ مورست عليهم، ليصبح مطلبهم بقاء الجيش الذي اذلهم وذبح حاضرهم ومستقبلهم؟ بل ان يصبح سعي عادل عبد المهدي للتوجه نحو الصين لإعادة اعمار البلاد دون ديون، واعادتها الى موقعها القيادي الحضاري، وانفتاحه على الجغرافية السورية لإحياء الشريان الاقتصادي – الحياتي للامة، سببا لتحرك الشارع ضده وتحميله مسؤولية فساد وخراب لم يكن هو عنوانه، تماما كما حصل مع ميشال عون بذنب تحالفه مع حزب الله ومحاولة الانفتاح المماثل على سورية؟

صحيح ان في ذاكرة العراقيين والإيرانيين، كوابيس حرب الثماني سنوات، ولكن هل كانت هذه أبشع من ذاكرة الحرب العالمية الثانية بين فرنسا وألمانيا (وواحدة منهما كاثوليكية والأخرى بروتستانتية)؟ ام اننا ما نزال بعيدين عما فهمه ديغول واديناور من ان مفهوم الدولة يعني النظر الى المصالح لا الى الأحقاد والثأر، فالأول من طبيعة الدول والثاني من ثقافة القبائل؟ وهل نحتاج للكثير كي نفهم ان التحرر من النير الأميركي يعني اقليما موحدا على المصالح كما أوروبا القارة، كي نتمكن من تشكيل ما يسمى في العلوم السياسية بالكتلة المقابلة؟

الوقت اليوم يبدو مؤاتيا أكثر من أي وقت مضى. فالتخبط الأميركي يتمظهر كما يحصل يوما، فهذا الرئيس الذي أراد الا يكون باراك أوباما هو ابعد ما يكون عن جورج بوش الاب والابن. هو يشبههما في اجرامه ولكنه بعيد عن قدرتهما على جمع القوى الأميركية حوله وبالتالي الأميركية. بل انه يراكم كل يوم الأخطاء التي تدينه، فهل يعقل ان يقول مسؤول عالمي – بل في جمهورية موز- انه سيضرب المواقع الثقافية؟ كأنه لم يسمع باتفاقية لاهاي لعام 1954 التي تحرم التعرض للاملاك الثقافية أيا كان الشعب الذي يملكها، باعتبارها تشكل جزءا من التراث الإنساني للبشرية كلها، كون كل شعب يقدم مساهمته في الثقافة العالمية" . ولا بقرار الأمم المتحدة لعام 2017 الذي أدرج تدمير المواقع الثقافية تحت بند جرائم الحرب؟

هل من مصلحة واشنطن ان تضطر ايرينا بوكوفا مديرة اليونسكو للتصريح بان تدمير التراث الثقافي هو جريمة حرب. وقد أصبح تكتيك حرب لإساءة الى المجتمعات على المدى البعيد، ضمن استراتيجية تطهير ثقافي، ولهذا فان الدفاع عن التراث الثقافي هو أكثر من رهان ثقافي، بل انه ضرورة امنية، لا تنفصل عن الدفاع عن الحياة البشرية".

هل من تخبط أكبر من ان يضطر مارك أسبر الى تكذيب رئيسه بالقول: نحن نحترم قوانين الحرب ونحن موقعين على معاهدة لاهاي. بل ان يضطر ليندسي غراهام أقرب أصدقاء الرئيس ومؤيديه للقول نحن لسنا في حرب مع الثقافة الإيرانية. بل ان اختيار الرقم 52 كدلالة على الرهائن الاميركيين فتح الطريق لروحاني بالتذكير بجريمة أميركية خطيرة عبر الرقم 299، في إشارة الى اسقاط الجيش الأميركي الطائرة المدنية الإيرانية عام 1988.

غير ان ما يقلق ليس مصير دوانالد ترامب، فها هو بولتون الجمهوري يعلن استعداده للشهادة ضده امام مجلس الشيوخ، ويليه ميت رومني الجمهوري الذي يعلن بانه يحب ان يستمع لبولتون، مما يجعل حاجة الديمقراطيين لأربعة أصوات جمهورية لبلوغ أكثرية ال 51 عضوا في مجلس الشيوخ تتقلص الى اثنين فقط، كي يحصل تأمينهم مع إصرار ونشاط نانسي بيلوزي.

ما يقلق هو نتائج هذه الازمة على بلادنا هنا، حتى ولو كان اندلاع حرب امرا مستبعدا. وأول النذر هو انقسام التصويت في مجلس النواب العراقي بين سنة وشيعة، وتصريح الاميركيين بان جنودهم سينسحبون من المحافظات الشيعية الى المحافظات السنية والكردية. فكيف يمكن الحؤول دون ان يحقق ذلك تقسيما عراقيا لم تستطع حرب 2003 ان تحققه، سينعش الانفصالية الكردية في جميع دول المنطقة، وسيحقق هدفا استراتيجيا هو فصل العراق عن سورية، وستصفق له دول الخليج وإسرائيل قبل الغرب؟

عمان/2020.01.08

http://maysaloon.news/