19 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

ناهض حتر في ذكرى استشهاده

روبير بشعلاني

من الصعب دوماً الحديث عن صديق، أي صديق حيّ، فما بالك إذا كان هذا الصديق قد خرّ صريعا ًفي معركة الشرف الوطني والتحرر؟!

ناهض حتر صديقي الذي لم التقيه يوماً، ترك فيّ أثرا كبيراً، ليس فقط لصفاته الشخصية التي أذكرها، واعترف بها البعيد قبل القريب، بل لما تمتع به هذا الرجل، من قدرة على ربط الممارسة الفكرية، بالممارسة العملية.

عادة أتجنب الحديث عن الأشخاص، لكن الحديث عن أفكار ناهض، من دون ربطها بطبعه، وملاكاته الشخصية، مسألة شبه مستحيلة!!

لقد كان من الصعب أن تقع على نص كتبه ناهض حتر غير مستفز للفكر وغير محضٍّ على الممارسة.

من النادر أن تقرأ نص الناهض وتخرج منه كما دخلت، لقد كان مصنعاً للأفكار والمشاريع، لقد كان من النادر أن يشرد ناهض في مشاريع أفكار لا تفرزها التحديات الموضوعية.

لم يكن من طبعه أن يظهر معارفه في معرض الأفكار، بل كان شغوفاً بالفكرة، التي تعين على تفسير الواقع وتحويله..

لم يقبل ناهض الخضوع لما خضع له كثير من أبناء جيله، من تبعية، وتقليد أعمى لحركة فكر وممارسة "اليسار الأوروبي".

بل فضل البقاء في حلبة النقد، واستخدام الأدوات الفكرية كأدوات إنتاج معرفة، لا كأيقونات تحملها العامة حول رقابها. اخضع ناهض الفكر لتحديات الملموس، ولم يقبل بطمس الواقع لحساب الفكرة المسبقة، وهذا ما حماه فكريا من التكلس والجمود العقائدي، وان يكن قد قاده ذلك أحياناً إلى إطلاق العنان لرغباته، وطموحاته بعيدا عن حقل الممكن، والضروري

لكن حس ناهض المرهف، وتواضعه كانا يدفعانه في كل مرة إلى مراجعة طروحاته، وإعادة ضبطها على عقارب التوقيت الفعلي.

وبالرغم من فطرته التغييرية، وتربيته التي فطمته على كره الظلم، والاستبداد فانه، وكما صرح مرة، لم يمضغ حركة "الربيع العربي"، ولم يتركها تقنعه بشعاراتها الديمقراطية والتغييرية، لاسيما وانه التقط إنها تمثل وجه هجمة امبريالية جديدة ضد بلادنا.

صحيح انه لم يلتقط التفسير النظري لهذا التناقض الشكلي، بين التغيير والتحرر الوطني، لكنه لم يترك الشك العلمي ينهبه ويقوده إلى حيث ذهب غيره من أتباع " الانتقال الديمقراطي".

وفيما تمتع غيره بمتع العلاقة مع " المجتمع المدني" انتقل ناهض فوراً إلى خندق المقاومة، داعياً الجميع وبكل الوسائل إلى مقاومة هذه الهجمة الجديدة للناهب الدولي.

إن تقويم تجربة هذا القائد العربي الاستثنائي، لا يمكن أن تقف على ما قبل "الربيع العربي". هذا رأيي بكل تواضع. ناهض الذي تخلى عن تربيته التغييرية، فقط لالتقاطه بالحس السليم، إن الأولوية لمقاومة النهب الدولي ومشاريعه، هو ناهض الحقيقي، وهذا الحقيقي دفع من دمه وحياته ثمن هذا النضج وتلك الحقيقة.

وهو في ذلك يلتقي مع شكري بلعيد في القناعات والثمن.

أما الثمن الغالي الذي دفعه كل من القائدين، ناهض وشكري، فهو إنما يؤكد على صحة استنتاجاتهما بأولوية مواجهة مسائل التحرر الوطني قبل أي مهمة أخرى بما فيها مسائل العدل والظلم والمساواة.

اخطأ من ظن أن قتل ناهض حتر وشكري بلعيد قد قتل فينا الفكرة. إن المقاومة باقية طالما هناك هيمنة.

المجد لذكرى القائد ناهض حتر.

ولك مني يا رفيق ناهض وردة حمراء، وتحية عسكرية!

باريس/2017.09.25

http://maysaloon.news/