17 آب 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

دول الصعود في عقل الرأسمالية المالية الآفلة

بعد الاعتراف الأمريكي أخيراً بالصعود الإيراني، من خلال ما سمي الاتفاق النووي، أخذ العقل الغربي المسيطر يشيع افكاراً تتمحور حول صعوبة الجمع،مستقبلا، بين المهمات الرأسمالية وطبيعة النظام الايراني الأيديولوجية. ومن البدهي ههنا أن خلف هذا التشكيك قناعة بأن التطور العلمي والتكنولوجي لا يتناسب مع بنى المجتمع السياسية والفكرية وبالتالي فإن سقوطه من داخله اسهل واسرع مما يتصور المرء. أضف الى هذه ما يعتقده غالبية الخبراء والمراقبين المحترفين حول ظاهرة التولع الشبابية في الدول الطرفية بالقيم والسلوكات والافكار والاستهلاكيات الغربية وبما يجعلهم عنصرا رافضا لاي مشروع استقلالي تنموي فعلي يتطلب التضحيات الجماعية لا الحصول على المكاسب الفردية والحريات الشخصية.
وقبل الصعود الإيراني كان العقل الغربي المسيطر ذاته يركز أيضاً على صعوبة الجمع بين الصعود الصيني الاقتصادي وديناميته الهائلة وطبيعة النظام السياسي الاستبدادي وتحجره الأيديولوجي. هنا ايضا ما يزال الفكر الغربي الحاكم يراهن على سقوط الصين من داخلها بفعل التناقض بين بناها السياسية المتخلفة وبناها العلمية والتتكنولوجية والاقتصادية المتطورة جدا. قانون اللاتناسب بين مستويات المجتع المختلفة.
والى هذا وذاك يمكن اضافة عوامل السوق الدولية واحكامها القبضة على انفاس الاقتصادات الدولية ومفاصل حياتها وشرايين دورتها الدموية. فكيف يمكن الخروج من منظومة الهيمنة بدون ان يتغلب المهيمِن، هو على نفسه، فيهون ليسهل الهوان عليه؟
التغيير إذن حتمي، آجلا ام عاجلا، في هذه الأنظمة الصاعدة لحساب السوق "الدولية" وبضاعتها. والدخول بالنظام الغربي لا مناص منه. والعودة الى التبعية مكتوبة على الجبين.
المتتبع لهذا العقل يمكنه ملاحظة فرضية ضمنية اساسية تقف خلف احكامه واستنتاجاته مآلها ان الثابت هو النظام الرأسمالي الغربي واما كل ما حوله فمتحرك. فهو يعتبر ضمنا أن التناقضات الناتجة عن التحولات التاريخية التي طرأت على نمط معاش دول الصعود أصابت منها مقتلا وانها تتعرض بسبب ذلك الى خلل في تماسك بناها سيطيح بها كلها. كل ذلك في وقت لا يلحظ اي اثر لهذه التحولات على تماسك بنى الرأسمالية في المركز وكأن نمطها لم يتعرض هو الآخر الى تحولات جذرية طالت ايضا بناه الاجتماعية وتماسكها. وهنا ربما مكمن الخطأ التاريخي في الفكر الرأسمالي الغربي الحالي.
وآية ذلك ان التحولات الاقتصادية العميقة التي شهدتها بنى الدول الطرفية والمحيطة في صعودها قد اصابت في مفاعيلها اول ما اصابت المركز قبل غيره. فهي لم تكن في بداياتها الا انعكاسا آليا لظاهرة نقل الصناعة من الغرب الى الشرق. فما سجله النمو هنا كان انكماشا وتراجعا هناك، تماما كما تصورُ الجداول المحاسبية الرأسمالية حركة النشاط الاقتصادي العادية. فحركة بناء الرأسمالية الصناعية في الاطراف لم تكن في بدايتها ثمرة قرار ارادي داخلي او تلبية لحاجات السوق الداخلية، بل عبارة عن تلبية لحاجات المركز الرأسمالي المأزوم والباحث عن وسائل تقليص اكلاف انتاجه العالية ورفع ارباحه المتدنية. وتعزز هذا الاتجاه مع الوقت ولم يزده الزمن الا ضررا على المركز، او لنقل ان هذه الظاهرة، من حيث الحجم والسرعة، كانت سيئاتها تصيب المركز قبل الداخل الطرفي.
فكل صعود بالعالم، اي الدخول بالعلم والصناعة، يقود اول ما يقود بنتائجه الى حرمان النظام المركزي فرصاً تساوي على الأقل هذا الصعود. ثم، وفي درجة معينة من الصعود، يحرمه من السيطرة على " السوق" الدولية، اي الخارج الرأسمالي، مكمن تحقيق الأرباح والتراكم الرأسماليين. الامر الذي يعود فينعكس على المركز تراجعا بنيويا جديدا بسبب فقدان انتاج القيم والسوق معاً.
وكل تراجع في المركز، بسبب الصعود الموازي أو المقابل في الدول الطرفية، هو تراجع في النمو، اي الانكماش في انتاج القيم الجديدة، البضائع الجديدة، اي تدهور الثروة الوطنية وضمور تراكمها. ثبات في الميل التراجعي لأرباح الراسمالية.
وكل تراجع في النمو بالمركز، في ظل المستوى المعيشي المرتفع لأهل المركز، هو عجز إضافي عن الحفاظ على هذا المستوى وتطويره كالعادة. وكل اصرار على المحافظة على مستوى معيشة الغربيين كما هو، وعلى مهمات السيطرة العالمية وحاجاتها، كما هي، وفي ظل العجز الداخلي وتباطؤ النمو، هو طموح كبير لا يمكن تامينه بدون اللجوء الى مصدر خارجي يتيح اشباع هذه الحاجات بواسطة وسيلة سحرية كالديون مثلا في الاسواق المالية. ذلك ان " الخارج"، مصدر التراكم السهل قد ضاق بسبب " الضيوف الجدد".
وغني عن البيان ههنا ان المصدر الخارجي القادر على تمويل المركز، بحاجاته المعيشية الحالية، ليس الا دول الصعود ذاتها، تلك التي تملك فوائض في حسابات اقتصادياتها بسبب صعودها الناتج عن تملك الصناعة الراسمالية الخالقة الوحيدة للقيم الاقتصادية. ولسنا نحتاج ههنا كذلك الى رسم توضيحي لكي نلحظ ان دائرة السوء ( لا السوق) تكون بذلك قد اغلقت بنيويا على هذا النمط المركزي المأزوم. فمن يفقد صناعته لصالح منافس خلقه هو تلبية لحاجاته الربحية، ثم يفقد السوق والقدرة على الحفاظ على مستواه المعيشي الا بفضل الديون بناء على سمعته السابقة، سرعان ما سوف ينكشف امام " السوق" فيتعرض الى ما يتعرض له كل مفلس محتال.
وهنا نعود بتهكم الى فكرة هيغل عن العبد، سيد السيد، اذ يتحول الصاعد الى حاجة حياتية وجودية للمركز يكفي ان يقطع عنه شريان التمويل حتى يعلن افلاسه مباشرة، او حتى يتحول الافلاس بالقوة الى افلاس بالفعل.
ومن هنا فان فلسفة الحرب الناعمة التي تقود السياسات في الغرب وتستهدف تفجير أنظمة الصعود من الداخل هي فلسفة ظاهرها منطقي وعقلاني وباطنها أجوف طوباوي. إذ تقوم هذه السياسات على مرتكزات ايديولوجية طوباوية تعتبر المركز الرأسمالي الحالي غير خاضع للتاريخ وتحولاته وان التاريخ لا يصيب الا ما حول هذا المركز وحسب. فقبل أن تتطلع الى عدم التناسب المخلوق بدول الطرف بسبب هيمنة الرأسمال الصناعي عليك ربما ان تتطلع الى الخلخلة التي اصابت تناسب البنى السابق لديك في المركز بسبب منطق تطور النظام الراسمالي ذاته وحاجته الدائمة الى الربح والنمو والتراكم.
وكأن هذه الفلسفة مقتنعة فعلا بأن رأسماليتها هي فعلا نهاية التاريخ، وأن التحولات بالكون تجري فقط لكي يبقى الأبيض مسيطرا ومهيمنا على الكون ومقدراته.
ليس المجال ههنا للخوض في غمار ما ستنتجه هذه التحولات الجديدة في دواخل أنظمة الصعود. فهي حتما ستخضع لتحولات جذرية عميقة في مستويات السياسة والوعي. لكن وايا كانت طبيعة هذه التحولات فهي لن تكون في صالح العودة الى نظام التبعية للمركز القديم او تعزيز وجوده، لأن تهاويه بنيوي الاسباب لا ظرفي الزمان والتحولات. بالعكس فان المتوقع ان تكون تحولات تتناسب وطبيعة مراكز الرأسمالية الجديدة. فنحن لم نعد في اطر اعادة انتاج الانماط السابقة المعتادة، بل في طور انتاج اطر واشكال جديدة لم تعرفها البشرية من قبل.
من الثابت أن العقل الغربي المسيطر متشبث بتصوراته عن الماضي ومصر على تركيب استطالات وهمية لهذا الماضي. ولذلك فهو يتعامل مع الصاعدين كتابعين بالقوة مهما صعدوا. وهو يتعلق بانماط قديمة من التفكير تعينه على تجاوز ازمته البنيوية ببناء الاوهام واستدعاء الرغبات. وهذا طبيعي بالنسبة الى العقل الغربي الرأسمالي المالي الذي خسر الرهان التاريخي الذي بنته له النيوليبرالية حول مجتمع يستطيع ان يتابع عمليات التراكم والثراء بدون عمل. انه يدفع اليوم ثمن تجاهله لقوانين التطور التاريخي وآثاره على أنماط المعاش في الكون.
ان ظاهرة الصعود من قبل دول طرفية، كانت تابعة، هي ظاهرة غير متناسقة مع ذاتها بحسب هذا الفكر، ولذلك هي مؤقتة، ولذلك هي قابلة للإسقاط.
لا بل هناك عندنا من يعتبر ان هذا الصعود مستحيل في ظل هيمنة الرأسمالية الغربية على مفاصل السوق الدولية. ويقول،مثله مثل الفكر الغربي المسيطر، بأن ظاهرة الصعود مؤقتة سرعان ما تعود الى التبعية طالما انها خضعت بصعودها الأولي الى اواليات السوق الراسمالية وقوانينها وقيمها.
في خلفية هذه الفرضيات دوما فكرة إنكار تأثيرات الصعود على بنية الراسمالية العالمية المركزية بعد تحول مركزها الى مركز راسمالي مالي لا ينتج قيما جديدة بل يعتاش من نهب قيم الآخرين بسبب تفوقه العسكري الموروث من ايام العز.
الرأسمالية نمط معاش يعيش من الربح، ولا يسقط بسبب أخلاقياته البشعة، بل عندما يعجز بمجمله عن انتاج فوائض قيمة ويعجز عن تحقيقها او تحويلها الى نقد. عندها وعندها فقط تعي العامة " اخلاقيات" الرأسمالية البشعة واوالياتها الاستغلالية ونتائجها الكارثية على البشرية والبيئة. وطالما هناك خارج " غير راسمالي" كبير وواسع يتيح تحقيق فوائض القيمة المنتجة بالرأسمالية طالما اننا سنبقى نعيش بزمن التحولات " في" الراسمالية لا في الانتقال الى غيرها.

http://maysaloon.news/