17 آب 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

المارد السنّي

صار من المؤكد اليوم إن مرحلة الربيع العربي لم تكن، ولم يكن يمكن أن تكون، لا بداية ثورة داخلية ولا حتى انتفاضة بقدر ما كانت هجمة جديدة من قبل الناهب الدولي لاعادة تركيب المنطقة بما يتلاءم مع حاجته الى وكيل معتمد يدير اللعبة مكانه بعد اضطراره الى الابتعاد بسبب تدهور حالته البنيوية الاقتصادية. هذا الكلام لم يعد ينكره اي محلل يتسم بالقليل من الموضوعية والمتابعة. حتى الصحافة الغربية التي لا مصلحة لها في قول ذلك لم تعد تستطيع اخفاءه. لكن الملفت أن اضطرار الناهب للتراجع لم ينعكس تراجعا لقوته الداخلية في بلادنا بل ان سياق الاحداث اتخذ طابعا هو من الاستثنائية بحيث جعل من " الحاضنة الشعبية" لمشروع مقاومة الاستعمار منقسمة على ذاتها عاموديا وبحيث استطاع الناهب الدولي من خلالها أن يكسب قسما كبيرا من الجماهير التي قاومته سابقا.

إنه لمن السهل جدا اليوم لأي مراقب حر أن يلحظ افتراق القضايا عن اصحابها المفترضين. من السهل ملاحظة أن القضايا التي كانت الى هنيهة مقدسة لم تعد كذلك. او على الاقل لم تعد كذلك للجميع، من السهل ملاحظة غياب اي قضية الان يمكنها توحيد العامة حولها.

لم تعد القضية هي الجامعة أيا كانت قدسيتها السابقة. لا فلسطين ولا التحرر ولا الثورة ولا الاسلام ولا الدين. لم تعد اي قضية بقادرة على لم شمل الناس أو بعضا منهم مما كان يكنّى بأصحاب المصلحة. اختصارا نقول انقسمت الناس حول الهوية لا حول القضية. وصار موقفها يتحدد على العكس من موقف الجماعة الاخرى، الآخر.

حتى الشخصيات التي كُرست رموزاً في تاريخنا، تهاوت وفقدت رمزيتها ، كذلك الأمر مع الرموز المعاصرة. البطل لم يعد بطلا. لقد انشرخ المجتمع عاموديا. وللمفارقة تحولت جماهير جمال عبد الناصر المدافع الأشد عن الدولة العروبية المستقلة المعادية للاستعمار والرجعية العربية الى خزين المشروع الاستعماري الحالي. وصل الاستقطاب الهوياتي القرابي الى مستوى لا سابق له من حيث الحدة والاتساع.

واذا كان هذا الكلام لا يعني بأي حال التوقف عن مقاومة المشروع الاستعماري بحجة الاجتماع المشروخ والعامودي، فإن شروط نجاح هذه المقاومة تتوقف ربما على فهم أسرار هذه الظاهرة وعلى ايجاد معالجات تستطيع تجاوزها.

بالطبع لا يمكن ازاء ظاهرة بهذا الحجم والاتساع والخطورة أن نكتفي بالعامل الايديولجي او بالعامل المالي لتفسيرها. القول بان الاستعمار اشتغل طويلا على العوامل الدينية هو تفسير جزئي لأن العمران البشري لا يسير وفق اهوائه السماوية بل وفق جاذبية شروط المعاش وانماط الانتاج. ثم لماذا نجحت تعويذة الاستعمار هنا وفشلت هناك؟ طبعا هناك اسباب أخرى. واما تفسير الحال بشراء الذمم فجزئي اكثر. فهو لا شك نافع على المستوى الفردي، أو عند بعض النخب المكتئبة، لكن عندما ينفع مع العامة فمعناه انه دخل في " طبائع " معاشهم، اي في شروط انتاج مجتمعهم. وهنا يصبح نمطا اقتصاديا له اسم محدد هو نمط الريع.

نحن اذن ازاء ظاهرة تستدعي مقاربة جدية. التوجه ل" الشعب" من اجل استنهاضه هو نوع من التوجه الى اللا أحد حاليا. فالتعامي عن رؤية هذا الاستقطاب الطائفي في الشارع العربي، الذي هو في أساس تولّع الكثير من الناس بعدوها، وعن تحوّل الشارع السنّي العربي الى خزين رجعي، هو ضرب من الجنون السياسي او الوهم الطائفي المعاكس.

وجب التحذير بداية الى اننا لا نتحدث عن انشقاق خطير أو جديد يهدد وحدة المجتمع العربي، بل عن ظاهرة قديمة ومتواصلة في قلب الاجتماع العربي. ولم يحدث تغيّر في نمط المعاش حتى تتغيّر. حتى بعد الدخول الرأسمالي الغربي لم تتغير هذه البنى المجتمعية، بل تعززت بسبب " شكلية" الرأسمال الداخل، حسب ماركس. هذا "ال " رأسمال شكلي" الذي قد يستمر طويلا جدا قبل ان يتحول الى رأسمال فعلي". في هذه العلاقة يربط الرأسمال الشكلي هذه الانماط بالنقد ( العملة) ويتركها على حالها من حيث بناها الاجتماعية.

في الواقع، نحن نعرف من خلال التاريخ ومن خلال الحاضر ايضا ان بلادنا، كانت قبل هذا الدخول، تتميز باجتماع القرابات القائمة على صلة الدم او رابط الرحم، كما تتميز ايضا ب " العصبيات الكبرى" حسب ابن خلدون. تلك العصبيات المؤلفة من تحالف عصبيات عدة، لحمتها وسداها الدين، او احد تفسيراته، على ما اعتقد. القرابة ظاهرة اجتماعية تامة تعيش من ما تقدمه الطبيعة بدون تملك. ومن اجل ابعاد الآخر عن هذه الموارد عليها ان تغلبه، اي أن تلحقه بها مغلوباً. ولذلك فهي تتحول الى جيش وحزب سياسي في آن واحد. تسعى للمُلْك بما هو اداة استحواذ على الطبيعة وثرواتها. الطائفة هي اذن شكل قرابي قائم على رابط الدين لا رابط الرحم نظرا للحاجة الى عصبية كبرى "ازاء مشاكل العصر".

عمليا قام الراسمال الغربي بربط هذه البنى وتقييدها اقتصاديا - وهذا ما يهمه بالاساس- وترك لها حرية الحركة في ادارة شؤونها الداخلية. وفيما كانت هذه القرابات تتصارع على الملك بصفته مفتاح الثروات والموارد الطبيعية صارت بعد الدخول الرأسمالي الغربي وهيمنته تتصارع على موقع قائم مقام المعلم الغربي وما يتركه لها من ثروات بعد النهب المنهجي المنظم. أما توزيع " الغلة" او الريوع المتبقية فبقي بالطبع على حاله : يوزع الريع وفق تراتبية كل فرد بهرمية القرابة وبما يؤمن اعادة انتاج القرابة ولحمتها.

لن نتوسع بهذا الموضوع الآن بل نكتفي بأن اجتماع القرابات وصراعاتها وغلباتها والقائم على توزيع موارد الطبيعة، ككنمط معاش، سابق على الدخول الغربي وأن التحول النوعي الجديد هو فقدانها لسيادتها على هذه الموارد وبالتالي تحولها الى مجرد " موظف" عند الغربي، يعينه هو ويختاره من بين القرابات العديدة، ويساعده على غلبة الآخرين وإخضاعهم لهيبة " السلطة" التي صارت خارجية. وهذا طبعا ليس بتفصيل عابر. " الملك" لم يعد مستقلا بل امسى كسيحاً لا يدار الا من خارجه.

نحن، اذن، ازاء بنية مجتمعية اهلية يعرفها الناهب الدولي جيدا ويعرف كيف يلعب بتناقضاتها ويستغلها. قرابات تتصارع تاريخيا على الملك فصارت تتصارع على "الوظيفة" الا من يرفض منها ويختار المقاومة لا بالضرورة من اجل اقامة نمط مغاير بل من اجل العودة الى الملك. مقاومة سلبية. حتى نشأت داخل جيوش السلطة " الحديثة" نخب تنزع الى التحرر فقامت بعدد من الانقلابات اهمها انقلاب النخبة العسكرية المصرية التي طبعت العالم العربي باسره بطابعها وشعاراتها. نجحت هذه النخبة بتوحيد القرابات والشعوب العربية في مشروع تحرر وحدوي مستقل عن ارادة الناهب الدولي. وقامت بعدد من الانجازات الاقتصادية والسياسية بالرغم مما واجهته من مقاومة عنيفة من قبل الناهب الدولي مباشرة ومنظومته الاقليمية والمحلية. وانتهت الى هزيمة بسبب موازين القوى غير المناسبة آنذاك.

هزيمة مشروع الدولة الحديثة المستقلة وتفككه، أدخل الوطن العربي بما عرف يومها بالفراغ العربي الذي لم يستطع ولم يرد اي طرف عربي ان يملأه. في هذه الظروف بالذات من الفراغ العربي شهد العالم عددا من التحولات الكبرى وسمت العصر الحالي بسماته وصراعاته. بدأ التراجع الاقتصادي الغربي وبدأت الرأسمالية التي كانت صناعية بالتحول الى مالية والى مراكمة الديون والعجوزات فيما شهدت الرأسمالية الصناعية نشوء دول صاعدة جديدة على رأسها الصين تراكم النمو الاقتصادي والفوائض في الارباح والحسابات التجارية والجارية. وعاد الاتحاد الروسي الى الحياة. وبعد فترة من القطب الاوحد اثر انهيار الاتحاد السوفياتي عادت الدول والشعوب من جديد الى نزعة الاستقلال والتحرر والصعود. وذلك بسبب ضمور القوة الاعظم وتحولها الى رجل " العالم المريض".

في هذا السياق العام نهض المشروع الايراني المستقل في المنطقة ونجح في تحدي الناهب الدولي وفي بناء استقلال وطني واقتصادي، رغم تعرضه لاقسى انواع الضغوط والحروب المباشرة وغير المباشرة. لم يكن يمكن النهوض الايراني أن يمر من دون أن يستعمل الناهب الدولي ضده اوراقه المحلية كافة مستخدما في طريقه عناصر التاريخ والجغرافيا. بدءا من النزاع التقليدي بين امبراطورية فارس والامبراطورية العثمانية مرورا بالصراعات الاهلية القرابية الطائفية والرحمية، وصولا الى " الملك" مفتاح السيطرة على موارد الطاقة، المورد الريعي الحالي، وطرق تسويقه وخطوط الأنابيب.

يمكن هنا فتح هلالين وتوجيه نقد للسياسة الايرانية في بعض وجوهها، تلك التي وقعت في بعض الفخوخ الخارجية المنصوبة لها، لكن الانصاف الموضوعي يقتضي القول أن " الأخطاء" الايرانية ليست بالواقع الا انعكاساً بالنتيجة للغياب العربي. فالفراغ ليس بالضرورة مسؤولا عن صعود الجيران لكنه مسؤول قطعا عن توسع نفوذهم وميلهم لملء الفراغ قبل عدوهم. فالطبيعة التي لا تحب الفراغ دفعت الاطراف الاقليمية الصاعدة، وهي امبراطوريات تاريخية كبيرة، الى محاولات تعبئته.

بمعزل اذن عن تحليل النوايا والعقائد والخير والشر وجد العرب، بدولهم الكثيرة، وبفراغهم الكبير، أنفسهم في صراع دولي تتواجه فيه قوى دولية مهددة بالأفول ومتحالفة مع قوة اقليمية قوية نسبيا ذات ماض عريق، تركيا، ضد قوى دولية صاعدة تتحالف مع قوة اقليمية صاعدة ذات ماض ايضا، ايران. الصراع بالأساس يدور حول مركز الرأسمالية الجديد بالعالم عبر الموقع الجيو-سياسي للمنطقة والثروات المنقولة وغير المنقولة، المعروفة المكتشفة وغير المكتشفة، وحول النفوذ. لكنه ايضاً صراع اقليمي وداخلي على الريع والطبيعة. صراع أراده القطب الاوحد، بعد تراجع قوته، لكي يبقي على هيمنته المطلقة على المنطقة ككل ويحجبها عن عدوه الصاعد، وليس الانسحاب منها كما يشيع ويعتقد بعض " طيّبي القلب".

نعم الأمريكي، رجل الرأسمالية المريض، الذي لم يعد يملك إمكانية ادارة المنطقة مباشرة يحتاج الى شريك محلي قوي يمثله بغيابه.من هنا اعادة فرز وضم الدول وفق انموذج يجعل منها غير قابلة للحكم من الداخل . ومن هنا ايضاً الاعتماد على الدور التركي الذي يملك، بالاضافة الى القوة، مرجعية ومشروعية تاريخية اسلامية تستند فوق هذه وتلك الى قوة سياسية على الارض، هي قوة "الإخوان المسلمون". وهذا ما يفسر ربما التضخم الاسلاموي الكبير.

الجديد في هذا الصراع هو انعكاساته المحتملة والمؤكدة، بحسب الرابح، على الاطراف المكونة للاجتماع العربي. فالصعود الايراني ترافق مع انفجار سكاني في المجال العربي جعل من قرابة الشيعة اقلية كبرى لا يستهان بعددها وحجمها ونفوذها. هذا " الصعود" الشيعي الداخلي، المعطوف، بالوقت ذاته، على الصعود الاقليمي الايراني، أقلق بالطبع قرابة آل السنّة وجعلهم خائفين على " حصتهم" من الملك التاريخي والثروات العربية. الصراع إذن ليس صراعا دينيا، تاريخيا، كما يظن انصار الظاهر بل هو صراع راهن، وحول الارض لا السماء.

طبعا لم يكن الناهب الدولي بغافل عن هذا التناقض البنيوي، فعمل على تغذية هذا الخوف الناتج عنه هنا وهنالك، عند هذا الطرف وذاك. ادوار الأمريكي في حرب الخليج الاولى والثانية وفي العراق الحالي وفي تركيبة السلطة وحل الدولة وجيشها وفي دعم حركة الإخوان ودعمهم للوصول الى السلطة، في كل دول العرب ليست بريئة أو غريبة عن لعبة تحمية وتأجيج الصراع المحلي وصولا الى جعل العيش مستحيلا وتفتيت الدول الحالية الى عدد غير محدود من" الولايات" الكسيحة التي لا يمكن ان تستقر وتدار الا من ضمن "خلافة " تملك مشروعية تاريخية سابقة.

في ظل انسحاق عربي عام وفي ظل غياب لاي مشروع دولة، وفي ظل دينامية التفتت وعودة مكونات المجتمع الى بناها الاولية ما قبل الدولة، وجد آل السنة العرب،على اختلاف تلاوينهم، وجدوا انفسهم في سياق صراع مكانهم " الطبيعي " فيه هو المكان التركي الذي يتفق وأنه العامل في خدمة الاميركي المأزوم ، تماما كما وجد " الآخرون" أنفسهم في " مكانهم الطبيعي " الذي يتفق ايضا أنه بمواجهة الناهب الدولي. فليس هناك قرابة أقرب جينيّا من الناهب واخرى تملك جينات المقاومة. ظروف الصراع هي التي تجعل منها هنا او هناك. لذلك رأينا أهالي السنة العرب الوحدويين والمعادين للإستعمار يتخلّون، كقبضة يد واحدة، عن كل شعاراتهم وكل آمالهم السابقة، وينخرطون في لعبة من حاربوه طيلة عقود سابقة.

في اطار تطور محكم للتاريخ على هذا النحو لا يمكنك أن تطلب من الآخرين أن "ينخّوا" مهما كانت درجة اخلاقهم ومشاعرهم العالية. يمكنك ربما أن تطلب من نفسك أن تصعد قليلا حتى ترتقي إلى مستوى الآخرين. بمواجهة مشاريع الناهب الدولي الساعية الى تفتيت بلادنا، مرة جديدة، من اجل زيادة درجة شللها، لا نملك ان نتلقى خططه كما يبغي ويتمنى. طبعا لا يمكننا في هذه المعادلة تغيير التموضع التركي، ولا الصعود الايراني وحق النفوذ وتعبئة الفراغ، لكن يمكننا اعادة آل السنة العرب الى العرب، شرط واجب لربح هذه المعركة، وسحب الخزين الكبير من يد الناهب واعادة التوازن الى المعادلة. وآية ذلك بإعادة ملء الفراغ العربي حتى يزول القلق السني من مطامع الغريم " الشيعي الفارسي المجوسي الرافضي.........". العودة الى مشروع التحرر العربي، من اجل بناء دولة وطنية صاعدة متحالفة مع اي جار يسعى الى الاستقلال ضمن مشروع تعاون اقليمي يفيد الطرفين، من شأنه إعادة المارد السني الى مصلحته العليا. وإلا فإن حرب المئة عام سوف تبدو نزهة امام ما ينتظرنا من اهوال.

غني عن البيان أخيرا أن دور مصر بهذا المشروع دور محوري. ذلك أن المشاريع الأخرى تساهم، بوعي أم من دونه، في تعزيز نفوذ الآخرين وفي دفع المارد السني قدما في الدفاع عن " امتيازاته التاريخية" حتى ولو عن طريق آل سعود أو الإخوانجية أو حتى اسرائيل.

http://maysaloon.news/