17 آب 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

داعش حجر رئيس في الشطرنج الأمريكي

روبير بشعلاني(*)

ليس من شك أن داعش ليست دولة افتراضية ولدت صدفة في لحظة تخلٍ أمريكية أو في لحظة غفلة من التاريخ.

هي دولة ولدت على الأغلب من رحم مشاريع الشرق الأوسط الجديد. هذا الشرق الذي " نعم" منذ اتفاق سايكس بيكو بدول "وطنية" رعاها اتفاق القوتين العظميين يومها. ولعله صار من الواضح أن القوة المسيطرة على العالم حتى يومنا هذا لم تعد مغرمة كثيرا بهذه الدول ولا بحدودها لأسباب تتعلق بطريقة إدارتها لأزمتها الاقتصادية والسياسية بعد اشتداد التنافس العالمي وقيام دول صاعدة جديدة.

التصريحات الأمريكية حول "شرق أوسط جديد" لم تكن بالطبع اعتباطية أو تزيينية بل كانت بهذا السياق حاجة الأمريكي لإعادة هيكلة المنطقة، هي على الأغلب جزء من إعادة هيكلة العالم بأسره. وهي هيكلة فرضتها الحاجة إلى مجابهة حيتان الاقتصاد العالمي الجديدة، تلك الحيتان التي صارت تنافس على احتلال مركز الرأسمالية العالمية. لكن المتابعة المتأنية للسياسة الأمريكية في المنطقة منذ ثمانينات القرن الماضي لا توحي للمتابع بأن الإستراتيجية الجديدة قد تخلّت كليا عن "فلسفة" سايكس-بيكو وإن تكن على تناقض مع شكله الحالي وتطبيقاته العملية. تفتيت البلاد إلى وحدات جغرافية صغيرة كسيحة غير قابلة للعيش وللإدارة إلا من خارجها، لكن منسجمة مع جغرافيا بشرية تقابل مساحات عيش جماعات قرابية رحمية أو دينية لضمان حد أدنى من الاستقرار.

فلسفة تتيح تفتيت سوق موحدة كبيرة بحيث تضمن الهيمنة والإخضاع عبر تدمير بنى الإنتاج المحلية وتقويض شروط نمو قوى الإنتاج والانتقال إلى نمط اجتماعي أرقى ومنافس.

طبعا هذه الفلسفة لم يكن ينقصها غير زرع شعب أجنبي وسط هذه الوحدات لكي تمنع أي احتمال لإعادة توحيد هذه السوق مستقبلاً. إنها فلسفة جهنمية الذكاء إذ منعت ليس فقط الاستفادة من عناصر القوة لدى شعب معين وجعلت من جماعاته القرابية نواطير أو مشاريع نواطير لمصالح الغير في منافسة داخلية قاتلة ، بل حولت بنيته إلى ماكينة تعيد إنتاج عبوديته طالما فقد السيطرة على موارده وعلى عناصر تطويرها كليا.

الأمريكي، ناهب الكون، ونتيجة لأزماته البنيوية العميقة، الناتجة عن الانتقال من الرأسمال الصناعي إلى الرأسمال المالي، اضطر على ما يبدو إلى تلزيم إدارة المنطقة إلى قوة إقليمية حليفة قوية، تركيا، لكن، ولتسهيل مهمته، عبر تذرير إضافي للوحدات السياسية الحالية بحيث يسهل إدارتها واللعب فيها، تماما كما كانت تقريباً أيام الإمبراطورية العثمانية.

عودة نظام الولايات الصغيرة المتصارعة فيما بينها تحت حكم مركزي تركي اخونجي هو هو الشرق الأوسط الجديد الذي طالما حكي عنه. قرارات أمريكا بعد احتلال العراق لا تشي بالواقع بغير ذلك، فهي تحتوي على كل مضامين ونوايا السياسة الجديدة. إخصاء الدولة الموجودة وحل الجيش كليا وتسريح مئات آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين ليست قرارات من شأنها إعادة بناء دولة ديمقراطية في مجتمع لم تتوحد ولاياته السابقة، وقراباته المتعددة، إلا حديثاً وبعصا الاستعمار واتفاق سايكس-بيكو وبحكم داخلي استبدادي دموي معروف. القرارات هذه لم تكن "غلطة"، بل هي الصح الوحيد في سياق منطقي جديد هدفه حل الدول "الوطنية" لسايكس-بيكو وتذرير شعوبها على وحداتها القرابية الأصغر حجما وإعادة فرز وضم الموجود بعدة دول جديدة.

"الدولة الإسلامية في العراق والشام" هي إذن وليدة هذا السياق. وهي أمريكية المنشأ والصنع والتمويل والرعاية من دون أدنى شك. هي هي ال " دولة سنية، وتمتد من غرب العراق وتشمل شمال وشرق سوريا" حسب جون بولتون، السفير السابق لأمريكا في الأمم المتحدة. والدولة الإسلامية هذه تشكل ردا مزدوجا على مسألتين كان على الإدارة الأميركية أن تجيب عليهما معا : إضعاف الإيراني وإيجاد حل نسبي للصراع السني-الشيعي في العراق وفي المشرق العربي إجمالا. وهي فوق ذلك حل نموذجي لإشكالية التذرر السني أيضا في المنطقة الوسطى بين العراق وسوريا، وهي المنطقة المطلوب منها أن تقطع جغرافيا النفوذ الإيراني بالمشرق بواسطة كيان سني معاد. اليوم وبعد الدخول المفاجئ الروسي المباشر وتوجيهه ضربات قاتلة لهذه الدولة، وافتضاح لعبة " محاربة داعش"، وجدت الولايات المتحدة الأمريكية نفسها في وضعية محرجة وبدأت تفتش عن بدائل " سنّية معتدلة". من هنا تصريحات وزيري الدفاع والخارجية في الحكومة الأمريكية بأن "أميركا لن تقبل تحرير نينوى والأنبار بما يختلف عن السيناريو الذي ترسمه". فضلا عن تصريحات ماكين حول " قوة سنّية إقليمية". المأزق الأمريكي ههنا هو في صعوبة إيجاد بديل " سنّي" قابل للتسويق في منطقة يتميّز عمرانها البشري بالقرابات العشائرية المتصارعة وغير القابلة للحكم الموحد المنصهر بدون " غلبة" خارجية.

فهل هذا هو سبب عودة الأفكار الأمريكية حول ضرورة إنزال قوة نخبة عسكرية في العراق من اجل توحيد العشائر حولها؟ روسيا على ما أظن تحاول، في حربها، أن تزيل النظام المستبد لداعش وان تحرر العشائر التي أخضعت بالعنف المفرط. بينما نرى الأمريكي يسارع إلى تحريك حلفاء " معتدلين" على الأرض لملء الفراغ الذي يمكن أن ينتج عن انهيار البنية الداعشية إذا ما حصل. وهو في هذا السياق يرسل طائرات حلفائه الأوروبيين إلى المنطقة لكي يطمئن من السماء أدواته " المعتدلة" وغير المعتدلة على الأرض.

التركيبة الاجتماعية المتذررة ل" غرب العراق وشمال وشرق سوريا" التي لطالما كانت المكان النموذجي للقوى الاستعمارية من اجل استغلال تناقضاتها الداخلية القرابية واللعب عليها ومناغشة " الدول الوطنية"، صارت اليوم مشكلة كبرى بعد افتضاح أمر داعش، الطائفة الاستبدادية العنيفة التي صممت لكي تفتت العراق وسوريا معا وتقطع التواصل " الشيعي" الإيراني مع المشرق بدولة " سنّية". فكيف يمكن محاربة داعش، الطائفة التي أمنت نشوء هذه الدولة المطلوبة وأخضعت العشائر الصعبة الانصياع بواسطة العنف المفرط والتدين الطائفي (القرابة الكبرى) من دون الوقوع بفوضى اجتماعية تعود فتفرط هذه الدولة الضرورية جدا من اجل إنجاح " الشرق الأوسط الجديد" ؟

أمريكا تعاني حاليا من المأزق " الداعشي" فهي ضرورة وفضيحة في آن معاً. ضرورة لأن التفتيت يحتاج إلى دولة جديدة و" سنيّة" في هذه المنطقة بالذات وبديلها " المعتدل" غير متوافر اجتماعيا، وفضيحة بسبب دخول الروسي على خط اجتثاثها وفضح " محاربتها" من قبل الأميركي في آن.

الاعتدال ليس ورقة رابحة بين العشائر الكثيرة ولا يمكنه "فدرلة" الكثرة في مشروع " دولة" محلية. وداعش إنفضحت يا كدعان. فما العمل؟ عودة الأميركي إلى الميدان مباشرة ولو جزئيا؟ أظن أن داعش ورقة لن يتخلى الناهب الدولي عنها بسهولة في هذه المنطقة بالذات حتى ولو اضطر إلى إلباسها اسما آخر جديدا من نوع "الإسلاميون المعتدلون الجدد.الطوائف، والقرابات إجمالا، على أنواعها الكثيرة في بلادنا ما قبل الرأسمالية، موجودة من قبل الدخول الرأسمال الشكلي إليها. هذا صحيح. لكن طريقة اشتغالها، وصراعاتها، وتشكلاتها، من بعد هذا الدخول صار تابعا له ومحكوما لمنطق هذا الرأسمال الشكلي وحاجاته.

(*)روبير بشعلاني : أكاديمي وباحث لبناني

http://maysaloon.news/