17 آب 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

حزب الله أمام سؤال السلطة في لبنان؟

روبير بشعلاني

عندما سجل حزب الله نصر ٢٠٠٦ الشهير على المخفر "الإسرائيلي" الوظيفي الردعي انبرى وليد جنبلاط، الزعيم الدرزي، يتساءل، بحق، عن الجهة التي سيهدي إليها الحزب هذا الانتصار. قليل منا من توقف عند هذا التساؤل ومعانيه يومها. ذلك أن جنبلاط لا يطرح عادة أسئلة مثقفين. أقدر أن جنبلاط كان يخشى ساعتئذ قيام الحزب باستلام سلطة الكيان استناداً إلى النصر الكبير. لم يفعلها الحزب. لا بل قرر أن يهدي نصره " إلى الشعب اللبناني" بأسره. وآية ذلك أنه عفّ عن السلطة وتركها لأصحابها. لن ندخل بتحليلات معمقة لمعرفة أسباب تمنع المقاومة من أخذ السلطة كما تبيحه كل التجارب المماثلة بالتاريخ بخاصة وان موازين القوى الداخلية ليست من طبيعة تمنع تحقيق ذلك.أضف أنه ليس من الطبيعي أو المنطقي أن تهزم عدواً خارجياً وتترك أدواته الداخلية بالسلطة. قد يكون للحزب تقديرات أخرى لموازين القوى تأخذ بعين الاعتبار الإقليم ككل وليس لبنان فقط. وقد يكون لهوية المقاومة المحددة دورها في هذا الامتناع حرصاً على الحساسية الإقليمية المستشرية وتجنباً لإثارة رد فعل سُنّية عربية لا تنقصها الإثارة إزاء " الشيعة والمجوس والروافض وأهل فارس". تمنّع الحزب من باب العفو عند المقدرة وترك السلطة لأدوات يعرف أنها تخونه بالظهر وتتآمر مع العدو لتصفيته. قبل الحزب ركوب مركب صعب يحتاج إلى دراية ودربة وحنكة وصبر وتحمل وأناة لتقبل تلقي الضربات الناعمة ومجابهتها كل ساعة. كل ذلك من اجل إهداء النصر " إلى الشعب اللبناني بأسره ومن خلاله إلى كل الشعوب العربية". لكن من يعرف طبائع الدول التابعة وحقيقة السلطة فيها يعرف أيضاً إن الحزب بتركه السلطة بين يدي من ترك فقد تركها واقعاً بيد الأمريكي الذي يملك مفاتيحها كاملة. يمتلك الأمريكي اليوم في لبنان السلطة الفعلية عبر خيوط منظومة الهيمنة سواء لجهة صلاحية تعيين الأداة أم لجهة نظام الخنق المالي والاقتصادي الذي ابتدعه يوم جوف الاقتصاد الإنتاجي المحلي ولم يترك للعيش غير استهلاك بضائع المهيمن. الناهب الدولي إذا يمتلك السلطة الفعلية أيضاً ليس فقط من خلال امتلاك حق تعيين "الناطور المحلّي" و الاقتصاد المجوّف والديون والمساعدات والمصارف وتوزيع الريع، بل كذلك من خلال الجغرافيا السياسية للكيان حيث بني على فالق طائفي غير قابل للحياة بالتعريف. حقل ألغام اجتماعي يخيرك بين الجمود في مكانك أو التحرك والانفجار.
هل كان حزب الله يعرف ذلك فقرر الوقوف بأرضه تجنباً للإنفجار؟ من يدري؟ على أي حال، فإنه لم يستفد من تلك اللحظة التاريخية لكي يستولي على السلطة وفضّل عدم تجرّع الكأس متذرعاً بحجج غير مقنعة سياسياً من نوع الإقتصار على " مقاومة العدو الإسرائيلي". وكأن حزب الله مجرد جيش تحرير يعمل عند " الشعب اللبناني". أو كأن المقاومة تنحصر بالعدو "الإسرائيلي" دون بقية أدوات منظومة النهب الدولية. أو كأن حزب الله لا يرى من الهيمنة إلا جانبها الترابي: الاحتلال.
عمل حزب الله إذن ومنذ نصر ٢٠٠٦ ، على تجنيب لبنان معركة داخلية تشبه ما يحصل حالياً في غالبية بلدان " الربيع العربي" الكلي الإحترام. سعى الحزب باستمرار إلى احترام هدنة غير معلنة رسمياً مع الأمريكي. لم يقم بأي خطوة في الداخل من شأنها أن تستفز "شركاء الوطن". بل عمل على تدوير الزوايا في جميع القضايا الخلافية الكبرى من المحكمة الدولية إلى نسب المحاصصة الداخلية. وترك لأدوات آل سعود بلبنان مفاتيح الاقتصاد والأعمال والسياحة والمصارف. غير أن الأمريكي، ولأسباب كونية تخصّه، ولأسباب إقليمية متعلقة بتطور الصراع بالمنطقة والمأزق الذي اصطدم به مشروعه العثماني الجديد، ولأسباب لبنانية أيضاً، قرر أن يصعّد في لبنان انسجاماً مع حركة تصعيديه عامة شملت الكون بأسره. هذا وقد اختار ميدان المصارف اللبنانية لتفجيرها من داخل فلسفتها التاريخية ذاتها : السرّيّة المصرفية. طبعاً استند الأمريكي في هجومه على حجة مراقبة نشاطات حزب الله المالية " غير الشفَّافة". لم يأبه الأمريكي هذه المرة إلى احترام الشكليات في التعامل بين الدول. لم يأبه لوجود قوانين محلية تتعارض وحرية القانون الأمريكي. نحن القانون يكاد يقول مندوب الخزانة الأمريكي إلى بيروت للبحث " في سبل التنفيذ وحسب". بمعزل عن التصويب على حزب الله كهدف معلن تبدو هذه الحرب التجويعية وكأنها حرب تجويع كل اللبنانيين بعد تجويع العراقيين والسوريين والليبيين وغيرهم. بالكاد تستطيع هذه الحرب المالية الجديدة أن تخفي تصويبها على الاقتصاد العربي من خلال استهداف قطاع المصارف اللبناني. فليس من السهل في بلد مثل لبنان أن تصوب على مالية حزب الله وحاضنته الشعبية الطبيعية من دون أن تصيب الشظايا القطاع المالي بأسره. فإذا كان من الصحيح إن هناك شبه دورة اقتصادية متكاملة داخل كل قرابة على حدة فإن من الصحيح أيضاً أن طبيعة السلطة التحاصصية تجبر الجميع على الدخول في علاقات بينية لا يمكن فكّها بدون فرط العقد بكامله. القرار بخنق حزب الله قد صدر من سلطة لبنان الفعلية ومركزها واشنطن. هذا القرار لا يمكن مواجهته بخلق أدوات مالية مستقلة بربع ساعة. ليس صحيحاً انه يمكن خلق بدائل على مستوى جزئي. ناهيك عن أن القرار لا يطال فعليا حزب الله وان يكن يسميه، بل هو يصوب على كل القطاعات الاقتصادية اللبنانية. وليس صحيحاً إن الضغط على بعض الشخوص قد يقود إلى إيجاد تسوية. أولا لأن هذه الشخوص تدين بمركزها لهذه السلطة وثانياً لأن القرار ذو خلفيات إستراتيجية شاملة. هل وصل الأمريكي إلى قناعة مفادها أن" التعايش" مع حزب الله قد وصل إلى نقطة الفراق النهائي؟
هل وصلت إستراتيجية حزب الله بتجنب الصراع الداخلي إلى مداها الأقصى؟ هل تدفع إستراتيجية الناهب الدولي، بخنق لبنان مالياً ، حزب الله إلى قلب الطاولة على الأمريكي واستلام السلطة في لبنان وربطه بمحور المقاومة الدولي؟ هل بقي مجال آخر في ظل تفاقم الصراعات بالمنطقة إلى الحدود التي وصلتها؟

http://maysaloon.news/