18 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

أمين المعلوف يحقق حلمه!

روبير بشعلاني

بعض ردات الفعل على ما قام به أمين المعلوف مؤخراً بدت لي غريبة ،وغير متوقعة أكثر بكثير من موقف المعلوف ذاته. بالطبع ليس لأن ما قام به المعلوف عمل غير مستنكر ومدان سواء قام به بهويته اللبنانية "القاتلة" أم بهويته الفرنسية "الراقية"، فما قام به هو بكل بساطة استسلام كاتب ومثقف للهمجية أيا كانت الحجج الإنسانوية التي يمكن تسويقها في حالة كهذه. لكن هل ما قام به يمكن عزله عن سياق مشروع الكاتب الثقافي وممارسته الثقافية ؟ هل يمكن القول أنه قام فعلاً بقطيعة، "سقطة"، مع ماضيه الثقافي؟
فهل فوجئ فعلاً من تفاجأ ؟ هل فعلاً أن ما قام به لا يشبهه ؟ وعليه هل صارت مطالبته بالاعتذار منطقية وعادلة؟
لن ندخل بعد اليوم في لعبة التبرير والنقاش مع أصحاب فكرة الانسحاق بصفتهم يحملون فكراً آخر علينا احترامه. تصوروا لو قام شارل دوغول في فرنسا الحرب العالمية الثانية بالتعاطي مع حكومة فيشي كصاحبة رأي آخر؟ فنحن اليوم بمرحلة مشابهة تماماً، لا بل اعقد بكثير. نحن نواجه هيمنة خارجية شاملة تتضمن أيضاً احتلالا استعمارياً للأرض فضلاً عن اقتلاع ملايين البشر من بيوتهم ومزارعهم وأرضهم
لم يعد من الممكن والبديهي فتح نقاش مع جماعة فيشي العرب والاستماع إلى آرائهم في الكون والإستئناس بمقولاتهم وحججهم.
ولن ندخل كذلك بنقاش مع أولئك المتمسكنين الشجعان الذين يغطون استسلامهم بتصويره وكأنه الموقف الشجاع المتمثل بمواجهة العدو بحقيقته وأمامه وبكل " جرأة". فهذا التمسكن " البطل" لا تحتاج سذاجته إلى تفكيك
ما يهمنا في كل هذا الموضوع هو معرفة ما إذا كان هناك سياق فكري وثقافي يحكم سلوك تلك النخبة ويحدّده سلفاً الأمر الذي يجعله منطقيا ومتوقعاً لا سقطة. ما يهمنا هو معرفة ما إذا كان هذا السلوك هو مجرد نزق مفاجئ يصاب به صاحبه فيجعله قابلاً بالاستسلام وتبريره
يهمنا معرفة ذلك لسببين هامين:
أولهما فهم المرض لتفاديه وعدم الوقوع به عمداً أو من دون انتباه.
وثانيهما فهم السياقات التي قد تكون اخطر بمفاعيلها التربوية والتحضيرية من " السقطات" التي لا تعدو أن تكون تتويجاً لمنطق متماسك ومسبق.
في منشأة أمين المعلوف الثقافية مئات الأدلة التي تشير إلى "عقلية" تعبّر عن " المغلوب المولع أبداً بالاقتداء بالغالب". مئات الأدلة التي تشير إلى تبنيه لنظرية " صراع الحضارات". مئات الأدلة التي تؤكد أن مشروعه الثقافي والأدبي لا يتعدى، رغم جماليته ولعبه على التاريخ، مشروع تسويق فكرة أن الإنسان الناجح هو الإنسان المنخرط في هوية مركبة ،لا هي هويته الأساس ولا هوية بلده الجديد، هي" الهوية العالمية"الجديدة: ماكدونالد وكوكا كولا..الخ
ولئن يضيق المجال، ههنا، للإسهاب في نقد أعماله وخطها الفكري الجامع والموحِّد، أكتفي باستعراض بعض الأفكار التي عبّر عنها الكاتب نفسه أثناء ترسيمه عضواً بالأكاديمية الفرنسية التي تضم المخلدين الفرنسيين كما يقال. ففيها ما يكفي من عصارة فكره وممارسته الثقافية وخضوعها للفكر السائد والغالب. الخطاب يعود تاريخه إلى 14 حزيران/يونيو 2012
فهو بعد أن عبّر في مطلع خطابه عن بالغ سرور اللبناني صاحب " اللكنة الغريبة عليكم" بدخوله إلى "عالمكم" أو " مجمعكم"، أشار بكل وضوح إلى أن " الإشعاع الفرنسي" في لبنان " بلد المنشأ" يتعدى حقبة لانتداب القصيرة لتعود جذوره إلى حقبة حذاقة فرانسوا الأول بالتعامل مع العثملّي وكيف أنتزع منه " الامتيازات" ( بالفرنسية الكلمة أوضح إذ تتحدث عن الإستسلامات حرفياّ) التي بفضلها تمت " حماية مسيحيي الشرق".
صاحب " الهويات القاتلة" فاته ههنا للأسف العلاقة السببية بين تعزيز تلك الهويات ودفاع فرنسوا الأول عنها عبر انتزاع " الامتيازات" من العثماني مقدمة لتفكيك بلاده إلى هويات قاتلة ربما. صاحب " الهويات القاتلة" فاته هنا أيضاً أنه يتحدث له"م" وعنه"م" لا عنَا ولا لنا مثلهم. خانته اللغة إذا وفضحت كلامه عن لكنته " اللبنانية" بالفرنسية. تحدث عشر دقائق عن بَرَمَان الراء عند"ه" ( تلفظ غاءً بالفرنسية) مبرراً أنها ليست من عندنا بل كانت موجودة عند"كم".هذا المسحور بالهوية الجديدة المختلفة عن كل الموجود لم يستطع مع ذلك أن يخفي إعجابه بهوية الغالب وانبهاره وولعه به وبأفكاره. فهل يمكن لممارسته الثقافية والفكرية أن تبقى بمنأى عن هذا الولع ؟ طبعاً المعلوف هو من الذكاء بحيث لا يترك فجوات بهذه الحدّة في خطابه إذ سرعان ما يغطي قناعاته بمعلومات تاريخية تؤكد أن مهمة فرنسوا الأول لم يقدها هواه للموارنة ومسيحيي الشرق بل صراعه داخل أوروبا. شر هذا بخير ذاك فإذا الله قد عفا
صاحب " الهويات القاتلة " المصارع من اجل الحب والهوية الجامعة المركبة والجديدة وكلنا شركاء بالإنسانية ينهي خطابه النظري بمهمات عملية يعتبرها شغله ومنشأته الثقافية وممارسته الفكرية. فبمواجهة "حائط الأحقاد الذي يرتفع بين الثقافات المتعددة بمنطقة المتوسط والتي انتمي إليها"، يمنح المعلوف نفسه رسالة. فهو لا يريد أن يقفز من ضفة إلى أخرى نافداً بنفسه. لا ابدأ. " هذا الحائط من الأحقاد بين الأوروبيين والأفارقة، بين الغرب والإسلام، بين اليهود والعرب، حلمي أن أحطمه واهدمه."
الحلم قديم يا سادة. مشكلة الأفارقة مع الأوروبيين لا تتعدى الهوية والوقوع بغباء الحقد واللون والآخر. اليهود، كهوية، لا مشروع الناهب الدولي ولا الوظيفة التي قبلوا بها هي سبب كره العرب لهم. لعن الله الكره والكارهين. الغرب صار هوية عند ابن المعلوف عندما "علّق قبعته على تينتهم". الغرب ليس النظام الرأسمالي الذي ينهب ثروات الشعوب المضطهدة. لا أبداً الغرب له مشكلة هوية مع من ؟ مع الإسلام ؟ أين يسكن الإسلام تحديداً؟ لم يحدد الكاتب عنوانه على وجه التحديد. صدفة بالتأكيد. أن منشاة ثقافية هذه هي مرتكزاتها الفكرية وهذه هي قناعاتها لا يمكن أن تقود صاحبها إلى غير " السقطة". هي مرضٌ يصيب من لم يتنبه له، لسبب أم لآخر. لا تلوموا منشأة على سلعتها النهائية فهي خلقت أساساً لهذا الهدف.
عند تحرير فرنسا، دعا الجنرال شارل دو غول، الكاتب الفرنسي غير اليساري والمنفي إلى البرازيل، جورج برنانوس الى باريس وقرر، نتييجة لدوره وكتاباته ضد الإحتلال الألماني، منحه كرسياً في الأكاديمية الفرنسية. جواب برنانوس كان:
." عندما لا يتبقى لدي غير آليتي قفاي لأفكر بهما ، عندها فقط سأضعهما على كرسي الأكاديمية"
هذا فيما كان اللبنانيون والعرب يفتخرون بإبن المعلوف عندما أقعد قفاه على كرسيها. العالمية ليست صفة محايدة والكون لا يعترف بالموهبة مجانا.ً
عندما لا يكتفي الفكر بالمحسوس وينتقل إلى المجرد، عندها فقط يصبح بإمكانه أن يتوقع وأن يلتقط الحدث قبل وقوعه لا بعده.
يعيب علينا ابن المعلوف، وأبناء المعاليف إجمالا، استنكارنا لممارستهم الثقافية والفكرية فيما ندعم " نظاماً يقتل شعبه".وهم على حق في ما يضمرون. فالمسألة مسألة واحدة ومترابطة.فبعد الارتماء بحضن الثقافة الرأسمالية النيوليبرالية المسيطرة بالعالم، فإنه من المنطقي الإرتماء بحضن الثورات الملوّنة . أما " السقطة" فتحصيل حاصل. تتويج لسياق، منتوج نهائي، ظاهرة متدرجة لكنها واحدة ومترابطة .

من يؤيد فرنسوا الأول و"الإشعاع الفرنسي " هو هو من يدعم ثورة العثماني الجديد الذي كان يكرهه، هو هو من يذهب إلى "إسرائيل" خاشعاً راكعاً. هو إبن ثقافة تشبهه نعم. صخرة طانيوس لم تسقط على رأسه. لا أبداً. فحذاري منه ومن ثقافته خصوصاً.

http://maysaloon.news/