24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

درس بغداد !

روبير بشعلاني

مرة جديدة تحمل الأنباء خبر مجزرة بشرية أخرى تحدث في بغداد، مجزرة جديدة ودماء جديدة بطريقة قديمة وانتحاريين جدد.
ليست هي أول مجزرة تطال المدنيين في سوق " الربيع العربي" المفتوح، ولن تكون للأسف آخر مجزرة، فالسياق الذي وضعنا فيه، نحن العرب، منذ عقود، وبخاصة منذ ثورات الديمقراطية، لا يؤذن بغير ذلك.
ففي ظل مجتمع يتميز العمران البشري فيه بالعمران " الطبيعي"، على حد قول العلامة إبن خلدون، لا يمكن لمقدمة الديمقراطية أن تولد غير صراعات أهلية واقتتال دموي بين الجماعات، فالأكثرية بينها تعتبر الديمقراطية طريقة حديثة وسهلة لكي تتغلب، بينما ترى فيها الجماعات الأقل عدداً حيلة وخدعة لكي تخضع وتهجر وتقتل.
ماذا يراد أن تحمل هذه المجزرة الجديدة من رسائل؟
إن تحرير الفلوجة لن يتيح لبغداد التنعم بالأمن؟ أن القضاء على القرابة (الصدامية) وإخضاعها غير ممكن؟ أن التسوية غير متاحة بعدُ؟ أن الانقسامات العاموديّة في العمران البشري لا حل لها إلا من الخارج؟
هناك طبعاً من يصوّر الصراع وكأنه صراع قوميّ بين العرب والفرس، طبعا هناك من يحاول أن يجعل من نفسه بطلاً قومياً يدافع عن أمة تتعرض لغزوة جار فارسي أطماعه تاريخية.
كان من الممكن أن نصدق تلك السردية عن الصراع لو لم نكن نعرف أصحابها وتاريخهم التبعي. فهم لم يحكموا (مشيخاتهم) لولا دعم وتدخلّ المستعمر الخارجي وقوته العسكرية،
وهم لم يتوانوا يوماً عن التحالف مع الفارسي الأكبر عندما كان (شاههم) عميلاً للناهب الدولي وأداة إقليمية من أدواته، فالرافضية يومها لم تشكل عائقاً أمام تبعيتهم له وعلاقاتهم الحميمة معه.
كان يمكن قبول هذه السردية لو أتت من أطراف جديدة لا نعرف تاريخها الاقتصادي جيدا، فمن منّا لا يعرف قبولهم بنهب الخارج لموارد العرب وثرواتهم الناضبة مقابل حفنة من سلطة ودولارات..
الصراع ليس إذا صراعاً قومياً ضد قومية أخرى.
الصراع صراع (قرابات) محلية تعمل بعضها عند قوى خارجية وتقبل دعمه لها متأملة، مثلها في ذلك مثل الشريف حسين بالماضي القريب، الذي تعامل مع الإنكليز وخدمهم في تفكيك الإمبراطورية العثمانية مقابل وهم أن يعطى حكم المناطق العربية من السلطنة، ونعرف النتيجة.
ولنكن صريحين وعلميين، ولننظر إلى عمراننا البشري بواقعية ومن دون مساحيق فكرية أورو-مركزية. نحن اليوم إزاء ظاهرة عامة تتميّز بوقوف آل السنّة العرب بغالبيتهم في موقف المظلوم. أكان هذا الظلم واقعياً أم غير واقعي، فلا يكفي اليوم توصيف ذلك ورميه على دور آل سعود وفكرهم الوهابي.
لا يكفي أن ننظر إلى الواقع ونمشي، النظر إلى الظاهرة لا يعالجها. الإكتفاء بالتوصيف لا يعالج الظاهرة ولا يفهم أسبابها، لا يكفي أن نترك وهماً (قرابياً) آخر يظن في سرَّه أنه يمثل حقيقة الإسلام وأن بقية المسلمين سوف ينتهون يوماً بالانخراط به وإتباع نهجه القويم.
فقوانين بنى العمران البشري لا تمشي وفق القيم الأخلاقية والعقائدية وإن استخدمتها في لغتها وسرديتها، الصراع في مكان آخر، هو صراع على المُلْك مفتاح " المغانم".
وإلا ماذا يفسّر كل هذه الاستقطابات القرابية الدينية الحادّة؟ فقط مال وزيوت آل سعود وكهنة دينهم؟
المشكلة ههنا أن هذا الصراع المحلي لم يعد يجري في شبه جزيرة العرب وعلى نحو مستقل عن الكون. الصراع القرابي المحلّي يجري اليوم في ظل وقوع العمران البشري العربي بمجمله في قبضة نظام رأسمالي عالمي ناهب.
لم يعد القرار للغلبة المحلّية.
الأهم في درس بغداد/ الفاجعة اليوم ،هو أن الغلبة القرابية في عصر الهيمنة الخارجية واحتدام الصراع على مركز الرأسمالية لمتعد ممكنة، فالناهب الدولي يستطيع على الأقل منعها عن البعض بدعم بعضنا الآخر تسليحاً وتمويلاً وتجييشاً وتمريراً وتسهيلا ًوادعاء محاربة.
وهذا ما يفعله في ليبيا وفي مصر واليمن وفي تونس وسوريا
للخروج من هذه الحلقة الجهنمية لا يوجد الا طريق واحد هو مشروع ما فوق القرابات ، وطني، يضع نصب عينيه مشروع دولة مستقلة حديثة تستعمل الريع في ورشة تصنيع منتجة ومستقلّة.
فات ربما آوان الإكتفاء بتوصيف الحال. لم يعد يكفي أن نلاحظ نجاح المدرسة الوهابية في التمدد والسيطرة.
مقارعة الناهب الدولي، العدو الفعلي، لا يمكن أن تفلح بالاعتماد على قرابة واحدة واستعداء الأغلبية لأنه سوف يقودها إلى تدمير بلادنا وتدمير نفسها في آن.
لا يمكن أن تمنع منتحراً من الإنتحار. لكن قد يكون من الممكن أن تمنعه من أن ينحرك معه. ههنا دور السياسة أيضاً.
2016.07.03

http://maysaloon.news/