14 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

تركيا أمام تحدي الانعطافة

روبير بشعلاني

جاء الانقلاب العسكري الأخير في تركيا كما انقلاب اردوغان المضاد ، وما تلا ذلك من تطورات، لكي يزيد الغموض غموضاً. لم يتسع الوقت للانقلابيين لكي يقولوا أسباب انقلابهم والاتجاه الذي كانوا يريدون أن يأخذوا تركيا إليه. وبالرغم من بعض التصريحات التي كان أدلى بها رئيس الوزراء التركي الجديد والتي تشير إلى استدارة في سياسة تركيا، فإن اقتصارها على بعض النقاط لم تتح فهم واستيعاب حجم الاستدارة وعمقها والمدى الذي يمكنها أن تذهب إليه.
يمكن في هذا السياق الاستدلال ببعض الإشارات ذات الدلالة كان أولها تصريح اوباما الشهير وعقيدته ورأيه بسيد تركيا الحالي. ثم مواقف بعض الصحافة السعودية المعادية بوضوح لأردوغان وسياسته القمعية ضد جماعة فتح الله غولن.
كما يمكن الاستناد إلى بعض الإشارات الصادرة عن بعض الرسميين الأتراك وفيها إيحاءات واضحة حول مشاركة أمريكية محتملة بالانقلاب العسكري الغامض.
هذا الغموض غذى عددا كبيراً من التحليلات المرتبكة لا سيما إذا ما أضفنا إليه مواقف إيرانية وروسية ظهرت وكأنها مناهضة للانقلاب ومؤيدة لأردوغان والحكومة الحالية.
وبانتظار المعلومات ووضوح الرؤيا يطرح تساؤل حول وجود إمكانية تحليلية تتيح قراءة ما يجري من دون الاستعانة بالضرورة بويكيليكس.
ثمة قراءة أولى ترى إلى طبيعة الصراع في تركيا انطلاقاً من التضاد " التاريخي" بين العلمانيين والمتدينين الإسلاميين على أنواعهم على خلفية الموقف من الحداثة. يذكر في هذا الإطار أن هذا الفهم للصراع كان قد شهد ضموراً ملحوظاً لا سيما بعد أن تحقق أنصار الحداثة من واقعة تاريخية تمثلت بنحو " الإخوان المسلمون" الأتراك نحو الانخراط بالحداثة واحترام قواعدها الديمقراطية. وهو أمر جلل إلى حد إطلاق مفهوم " الإسلام السياسي المعتدل" والمتصالح مع المفاهيم الكونية ( اقرأ الغربية الرأسمالية.
لم يكن لفرح " الحداثيين" الأتراك والعرب حدود لحدوث هذه الظاهرة غير المتوقعة بالطبع. فأن تنتقل الحداثة من الملكية الخاصة للعلمانيين و"الأفندية" لكي تصبح ملكية يشترك بها " الشيخ" أيضاً فلعمري قفزة تاريخية هامة.
ثمة قراءة أخرى لا تبتعد كثيراً عن سابقتها لكنها تعين نقطة الخلاف في مكان آخر هو الذهنية الاستبدادية التي تتمثل في اعتقاد أصحاب هذه الرؤية بالمؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن.
الصراع إذا بحسب هذه المدرسة يجب أن يكون بين الديمقراطيين وبين الاستبداديين.
المشكلة في هاتين الرؤيتين أن أصحابهما ينتميان بالواقع إلى شريحة واحدة هي شريحة الحداثيين في مجتمعاتنا. أضف أن إصلاح ذات البين بين المدرستين صعب لا بل مستحيل. فمن يرى المشكلة بين الدين والعلمانية عليه في تركيا إذا كان علمانياً أن يكون بصف العسكر، اي الاستبداد الشرقي، أي ضد الحداثة.
ومن يرى أن المشكلة هي بين الاستبداد والحريّة عليه لكي يكون حداثياً وديمقراطياً أن يقف مع " الإسلام السياسي" ضد العسكر، أي مع الدين ضد العلمانية، اي ضد الحداثة. فما بالك إذا ما عاد " الإسلام السياسي" عن قناعاته الحداثية واصطدم بالعسكر العلماني.
مشكلة عويصة الحل. مما يعني على الأقل أن خطأ قد ارتكب في عملية دراسة وتعيين مكمن المشكلة بالحالتين.وماذا لو كانت المشكلة في نوع الدولة " الحديثة" التي ركبّها الاستعمار بمطلع القرن الماضي بعد أن فكّك الإمبراطورية بالعنف والتآمر واللعب على العمران البشري الشرقي؟ ماذا لو كان الصراع بين مجتمع خاضع بالقوة ونخب حداثية تمثل مصالح الغرب الرأسمالي الوافد يومها ، نخب تتألف مرة من عسكريين ومرة من مدنيين إسلاميين؟ وهل آل سعود نصارى ؟ أم من التابعية العسكرية؟
ماذا لو كان الصراع في تركيا ما يزال هو هو منذ فرط الإمبراطورية وفرض دولة غربانوية؟ ماذا لو كان صراعاً بين مجتمع يمانع الهيمنة وضد أدواتها المحليين عسكراً كانوا أم مدنيين؟
إذا صحّ ما تقدم يمكن التقدم في عملية بدء فك طلاسم الأحداث الغامضة في تركيا اليوم.
فدولة تركيا الحداثة وبعد انفراط الدولة الإمبراطورية العثمانية، لم تقم حداثتها على أسس تطور اجتماعي-اقتصادي داخلي حتى تكون صلبة وغير معرضة للاهتزاز إذا ما ضعف عسكرها.
وهو ما يشكل العامل الأول في فهم طبيعة الصراع الاجتماعية. فبنى العمران البشري الأهلي تتمرد على البنيان الدولتي المفروض عليها بالقوة.
من جهة ثانية علينا العودة إلى بدء " صعود" النموذج الاقتصادي الرأسمالي التركي حديثاً، الذي اتفق وأنه ترافق أيضاً مع وصول " الإسلام السياسي المعتدل" إلى السلطة، لكي نعثر على أسباب تجعل استدارة اردوغان مفهومة ومنطقية.
ههنا أيضاً لم تكن الظاهرة ثمرة تطور داخلي بل نتيجة تحولات اقتصادية خارجية فرضت على تركيا هذا الدور الاقتصادي. فالرأسمالية الأوروبية المتعثرة صناعياً والتي بدأت تواجه تنافساً حاداً في الأسواق العالمية لجأت تحت ضغط الحاجة إلى البحث عن أماكن يد عاملة رخيصة لكي تخفض من أكلافها وتحسن من قدراتها التنافسية، لجأت إلى نقل صناعتها إلى عدة بلدان من بينها وعلى رأسها تركيا القريبة منها. وأرفقت هذا النقل بحملة تمويل هائلة تتيح تنفيذ المطلوب.
هذا الانتقال بالاقتصاد التركي قاد إلى خلق شرائح اجتماعية جديدة تعتمد على هذا القطاع وتتمكن من الثراء السريع والقوي.
بالطبع رافق ذلك سياسة حكومية ذكية عمدت إلى توسيع السوق التركية إلى ما بعد الحدود، وذلك بواسطة عقد عدد من المعاهدات والاتفاقيات السياسية والاقتصادية مع كل من سوريا والعراق ومصر وإيران وروسيا. الأمر الذي انعكس بالطبع في نمو أرقام الناتج المحلي التركي في العقدين الأخيرين.
وليس من شك أن الإخوان بقيادة اردوغان عملوا على الاستفادة من هذه التحولات واستثمروا فيها سياسياً بزيادة انتشارهم، واقتصادياً بفتح أبواب القطاعات الجديدة إلى مناصري الحركة وأعضائها.
غير أن التحولات السياسية التي عاشتها المنطقة، معطوفة على بداية انكماش اقتصادي أوروبي، قادت تركيا إلى تموضع وظيفي جديد كانت نتيجته كارثية عليها سواء على الصعيد السياسي أم الاقتصادي.
شاركت تركيا في الاستثمار بالربيع الأمريكي عند العرب من موقع الشريك والوكيل الحصري. اغلب الظن أن إخونج تركيا لم يشاركوا بالمغامرة إلا بعد حصولهم على رخصة إعادة بناء العثمانية الجديدة بخاصة وأن شروط نجاح ذلك متوافرة كليا. فالشعوب العربية محضرة ومعبأة، تماماً كما جرى منذ مئة عام لكن بالاتجاه المعاكس، لكي تنتفض على حكامها وتقيم ديمقراطية معروفة النتائج لمن يعرف قوة الإخونج العرب وتحضيرهم سلفاً وتمويلهم للقيام بهذا الدور.
كان المشروع الاخونجي التركي في الربيع العربي استثماراً شبه مضمون في الثأر من الانكليزي بواسطة الأمريكي. اذن تركيا ليست أداة تنفيذية بهذا المشروع أسوة بالأدوات الأهلية. فهي تتعاطى معه من موقعها كدولة إقليمية تاريخية كبرى.
لكن المشروع شبه المضمون غرق بالرمال العربية وتعرقل ثم أخذ ينحو نحو الفشل الصريح. تثاقل في البدء في تونس ثم باليمن ولاقى معارضة جدية بمصر من خلال تحالف الدولة العميقة المصرية مع ال سعود ثم تلقى رصاصة الرحمة في سوريا التي لم تسقط رغم كل ما استقدم إليها من جيوش وإمكانات.
تحول الانتصار والتوسع التركي شبه المضمون إلى هزيمة نكراء ليس فقط لأنها لم تنجح في أداء المهمة بل لأنها قادت إلى إغلاق منافذ السوق التي كانت تحتاجها القطاعات الاقتصادية الجديدة فاختنقت. ههنا وجد الاخونج أنفسهم بمأزق فعلى أمام جميع شرائح وقوى المجتمع التركي وخصوصاً أمام قواعدهم الاجتماعية والسياسية المأزومة.
وبما أن العناد ليس من شيم الدول، الدول، وجد الاخونج وأردوغان على رأسهم ضرورة القيام بمراجعة خططهم وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. مما يعني الانسحاب من دورهم الوظيفي في المشروع الأمريكي للمنطقة.
لكن الانسحاب من هذا الدور لدولة مثل تركيا غارقة بالتبعية منذ قرن من الزمن ليس مسألة سهلة. فالقوى المستعدة لتبني المهمة والاستمرار بها ليست قلة وليست بهذا الضعف. أضف إلى ذلك أن اردوغان يريد الاستدارة بدون التضحية طبعاً بما منح له على الصعيد الإقتصادي. فبدا وكأنه يريد الزبدة وثمنها في آن معاً.
في هذا السياق تصبح الاستدارة مفهومة ومنطقية مع تطور الأحداث وليست ثمرة ردة فعل عفوية أو مجرد مناورة أو مكيدة. وبهذا السياق يصبح الانقلاب العسكري مفهوماً وليس ردة فعل علمانية على حكم الكهنوت الإسلامي. كما انه ليس ردة فعل استبدادية على الحكومة المنتخبة ديمقراطياً. وكذلك يصير فهم الانقلاب المضاد لأردوغان أكثر يسراً بصفته المدافع عن شرائح الطفرة الاقتصادية الحديثة ونفوذها السياسي وليس المصارع باسم الدين ضد العلمانيين ولا المستبد المتراجع عن الصلح التاريخي بين الإسلام والحداثة ضد العسكر الكمالي الحداثي الدولتي.
غير أن نجاح خطة اردوغان دونها قطيعة كاملة مع الناهب الدولي وإرادة مستعدة لصراع مفتوح معه، وتموضع مختلف جذرياً عن كل ما سبق من اجل بناء دولة صاعدة تعتمد على نمو يتمحور حول الداخل لا على رأسمالية مستعارة لأجل محدود.
من الصعب تخيّل اردوغان وحركته في موقع المدافع عن الدولة التركية المستقلة والمتعاون مع العرب وإيران وروسيا في إطار تعاون إقليمي صاعد.
لكن الدفاع عن مكتسبات الشعب التركي وقواعد الإخوان الشعبية أساساً، ناهيك عن نية أمريكا العدوانية ضده، لا تغلق المجال نظرياً بشكل نهائي

باريس 2016.07.25

http://maysaloon.news/