12 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

المدن التابعة مصنع النخب التابعة

روبير بشعلاني


من مميزات النخبة التي ينتجها نمط الانتاج الرأسمالي الشكلي في مدن بلادنا التابعة ( نقطة التلاقي بين الرأسمالية الغربية الغازية وبين القوى الأهلية في البلاد المغزوة) ، من مميزاتها الانفصال عن الواقع.
فهي تعيش في وعيها مشاكل المركز فتواليه كما الموالاة هناك أو تعارضه من موقع المعارضة فيه.
تقرأ مجتمعها كما لو كان المركز واذا اتفق ولمحت اختلافاً فتصفه بالمشوّه او بالايديولوجيا المخلوقة قصداً من قبل " البورجوازية" لطمس الوعي " البروليتاري" مثلاً.
في حالة الموالاة، تسعى هذه النخب الى إصلاح " الخلل" وتقويمه. وتلتقي مع نخب المعارضة " التغييرية" في منتصف الطريق. ذلك ان المعارضة فيها لا ترى في علاج " التشوهات" اي ضرر على ثورتها التغييرية.
المشكلة ان الرأسمالية التي هيمنت بالغزو لم تنجز الرأسمالية في البلاد التابعة بل اكتفت بربطها كما هي بالمركز. ووهم قراءة الواقع المحلي كما لو كان هو المركز، ناتج عن مكان نشوء هذه النخب. فهي ثمرة المدن " الحديثة" التي تشكل نقطة التقاء الرأسمالية الغربية الفعلية بالمجتمعات الأهلية المغزوّة.
فالمدينة عندنا ليست ثمرة الحاجة الى اعادة صياغة الاجتماع وفق تطور داخلي طبيعي في أنماط المعاش، وهي ليست مصنع الانصهار الوطني، بل هي حاجة للناهب كتجمع بشري متنافر وكمي لمجموعة النشاطات الخادمة له حصرا. هي اقرب لدول المركز الرأسمالي منها الى مجتمعها واريافها.
هويتها ووجهتها الغرب وبنيتها غارقة بالتنافر والهويات القرابية المحلية.
من هنا مصدر الوهم في التعاطي معها وفي فهمها. ومن هنا منبع الالتباس في ادراك نخبها لهويتها الفعلية. فالنخب تتعاطى معها كغرب، مشوه ربما لكنه الغرب. ومن هنا سهولة الوقوع في مطبّ أن تصبح التحديات عند هذه النخب " الثورية" تحديات اورو-مركزية صافية: الجندرة والمساواة بين المرأة والرجل، البيئة، النقابة، الديمقراطية، قوانين الانتخاب، حسن التمثيل، الاجور والدخل، قانون العمل، منح الجنسية، التعليم ،الخ. الخ.....
قصارى القول كل المواضيع التي تراها هذه النخب عند زميلتها في الغرب وتنقلها نقلاً ببغائياً بدون اي حرج او مستحى.
من ضمن القاموس الاصلاحي والثوري تصل الى هذه النخب المحلية مفاهيم اخرى أيضاً فتستعملها بخطابها لكن بدون وعي بنتائجها على الفعل والممارسة. الأمبريالية مثلاً من هذه المفاهيم .
تدرج النخب هذه هذا المفهوم في قاموسها المحلي كما لو كان مزهرية على طاولة، تزيين لغوي،لوحة على حائط. وفي أحسن الأحوال تضعه كنقطة لاحقة في برنامج العمل. بمعنى نغيّر أولاً الداخل ثم نحل قصة الأمبريالية من بعد، أو نظرية ان الأمبريالية لا تتمظهر الا بواسطة البورجوازية المحلية الكومبرادورية. اي ان الامبريالية ليست نمط معاش، أو انتاج كما يقولون، بل شيء له وجه وقفا. نضرب الوجه فيختفي القفا.
هذا الفهم للأمبريالية يدلّ على عمق مشكلة النخب التي ولدها نمط الرأسمالية الشكلية. فهي ، مثلها مثل معارضة الغرب بالغرب، تضع اشكالية تحسين الشروط الحياتية للفرد والطبقات قبل حل مشكلة نمط المعاش الذي يحدد شروط الناس الحياتية.
فاذا كانت المعارضة بالغرب تطرح هذا التحسين فبالضبط لأن امبرياليتها "تنتج لها عالبيت"، تنهب خيرات الكون، ودورها يقتصر على اعادة توزيع المنهوب وتحسين شروطه.
أما في البلاد المنهوبة فتقليد معارضة المركز فمهزلة صافية. ذلك انه ليس فقط لا يوجد ما يوزع بل هو يعبر عن قبول النهب كمعطى والاكتفاء بإدارة فتات ما يتركه الناهب لعملائه المحليين.
ترك القضية الأساس ( الخارج بلغة هذه النخب على أساس ان هناك داخل وخارج بعد الامبريالية) والتلهي بالقشور هو اساس الانفصال عن الواقع والشرود بطروحات تحسينية وإصلاحية وديمقراطية وحقوق إنسانية .
لغة " المجتمع الدولي" تصبح هي الغالبة والمحددة لكل الباقي طالما اننا في " قرية عالمية" ونتساوى جميعنا أمام شاشة الكومبيوتر.
وهكذا يصبح من السهولة بمكان التعامل مع استعمال الناهب الدولي لعصبية محلية قرابية أو قومية في مخططاته التفتيتية للسوق كما لو كانت من ضمن حق الشعوب بتقرير مصيرها.
غياب العلاقة الأساس - ناهب ومنهوب- يجعل من الأحداث تطورا ديمقراطياً يقربنا من " القيم العالمية" ويبعدنا بذات المقدار عن تخلفنا وعنصريتنا وتعصبنا الديني.
عندما تغيب اشكالية الهيمنة عن مركزها المحوري، تلك الاشكالية التي تحدد وجودنا اليوم بنية ومعاش، تطوف مفاهيم السياسوية - علم الرغبات- على وعي نخب مدن الملح وتسيطر.
فهي نخب أعدت سلفا لاستقبال هذه المفاهيم بيسر وسهولة من أجل اعادة تدويرها كحقائق كونية.
لكن هذه "الحقائق" تدور و تدور لكنها تبقى اسيرة فقاعة مدينية إعلامية كثيرة الصوت قليلة المنفعة ك" طبل النَوَرْ" كما يقال عند اهل سهل البقاع اللبناني.
واما طموحات هذه النخب فلا يمكن أن تتعدى الرغبات ذلك ان شروط نشوئها بمدن الرأسمالية الشكلية لا يمنحها غير مأزق هذه المدن القشرية ذاتها.
فهذه المدن ليست مركز الاجتماع المحلي ولا ملخصه، ولا مركز السلطة، ولا نقطة تكثيف السياسة. بل هي مجرد ممر لنقل المنهوبات الى مراكز الرأسمالية الخارجية.
المدينة التي ليست مدينة تنتج نخبها غير العضوية أيضاً، النخب القشرية. ولهذا نرى سهولة انتقال غالبية هذه النخب الى صفوف الناهب بعد فترة المطهر الثوري اليساري الاصلاحي الديمقراطي. تكونهم الاجتماعي في مدن قشرية تابعة يجعلهم موضوعياً أقرب بنيوياً الى مفاهيم الناهب و"قيمه".
مجتمعهم " المتخلف"، " الديني"، القرابي لا يثيرهم، بل ينفرهم ويدفعهم الى الالتحاق ب" الغرب"، فعلياً أو افتراضياً، واشكال حياته الأقرب الى إعدادهم وتكوينهم الثقافي.
أما الإجتماع الفعلي ففي مكان آخر والسياسة كذلك.

باريس 2016.08.23

http://maysaloon.news/