18 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

ماذا يريد الحزب الشيوعي اللبناني؟

روبير بشعلاني

"لقد وقف الحزب الشيوعي منذ اندلاع الأزمة السورية إلى جانب الشعب السوري ومثقفيه، وأولى تظاهراتهم السلمية في 8 آذار 2011، ووقف إلى جانب قضية التغيير الديمقراطي في هذا البلد، باعتبار أن العامل الداخلي هو أحد أسباب هذه الأزمة، لكنه ليس السبب الوحيد، فهناك سبب خارجي أيضاً، وهو أن سوريا ليست جزءاً من المشروع الأميركي الصهيوني الرجعي العربي المتمثل في مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، لا بل هي مُستهدَفةٌ منه."/

من مقالة الرفيق حنا غريب أمس ب" السفير".

حتى لا يقال إننا ننتقد للانتقاد.

ألا تروا معي أن هذه الفقرة تناقض نفسها بنفسها؟

فإذا كانت سوريا في " أزمة" بسبب عدم قبولها بالخضوع لمشروع " الشرق الأوسط الجديد" فمعناه انتفاء الدور الأساسي للعامل الداخلي وانتفاء الحاجة إلى دعم " شعبها" لان منطقك نفسه يقول إنها تتعرض لهجمة استعمارية خارجية لا يمكن أن يكون "التغيير الديمقراطي" فيها عند ذلك إلا في خدمة الخارج.

وإما أن التغيير الديمقراطي الداخلي له الأولوية على هجمة الخارج فما معنى الدعوة عندها لجبهة عريضة ضد هذه الهجمة؟ من هي القوى " العريضة والواسعة" التي نتوجه لها بهذه الدعوة الكريمة؟

داعش والنصرة وفيالق الرحمن التي تمثل " الشعب"؟

أما وضع العاملين الاثنين على قدم المساواة في تحليلنا فهو أسهل الطرق للتهرب من اتخاذ موقف واضح إزاء طرفي الصراع وإزاء الصراع ذاته. وهو اقرب الطرق للبقاء خارج التاريخ وخارج الصراع الفعلي الذي سوف يقرر مستقبل بلادنا ومستقبل بلاد غيرنا أيضا.

من ناحية أخرى أوضح لنا الرفيق حنا غريب في مقالته ان حزبه عمل على " مسعى" وطني وديمقراطي في آن معاً من اجل انتزاع رزمةٌ من الإصلاحات ...." لكن " تراجع السلمية وتسارع العسكرة والتعظيم المصطنع لسماته الطائفية والتدخل الخارجي الخ....." قد قوضوا هذا المسعى.

يأتي هذا الكلام وكأنه تفاجأ بما جرى وبمجرى الأحداث. كأن العسكرة جاءت بالصدفة أو كأن الطائفية ثمرة مؤامرة غريبة الروح عن شعوبنا.

فعندما تتكرر ظاهرة ما في عدة أماكن وفي عدة تواريخ كما جرى مع الطائفية في لبنان والعراق وسوريا وكما جرى مع القبيلية في ليبيا واليمن لا يجوز لحزب سياسي قدير ان يتهم الخارج بتأليفها والا يرى وراءها قانونا اجتماعياً. فاعتبار القرابة الرحمية او الروحية صبغة خارجية رغم تكرارها القانوني الملح في كل مرة يثير الغثيان من هذه القراءة الاجتماعية للعمران البشري.

عدم توقع الانقسام العامودي في بلاد كبلادنا والمراهنة على " شعب" هو بحد ذاته كارثة تحليلية كبرى. فضلاً عن ذلك فإن عدم توقع قيام الناهب الدولي باستغلال هذا الانقسام العامودي المحلي لهو قمة في اليوتوبيا السياسية قل نظيرها.

الى كل هذا فإن انتظار تغيير ديمقراطي في ظل الهيمنة الخارجية وكل هذه العيوب البنيوية الداخلية هو فعلا ارتقاء إلى أعلى درجات المراهقة السياسية اليسارية.

أراد الرفيق حنا توضيح الموقف من سوريا فزاده قتامة وغموضاً خصوصا وأننا كنّا ننتظر منه التغيير في حزب مشلول.

أودّ أخيرا أن أتوجه للجميع بنصيحة أرجو أن تكون مفيدة: أن جمع الناس من رؤى متناقضة بحزب واحد من شيم القرابات لا الأحزاب الحديثة. هذا الجمع لا يولد إلا وضوحا يشبه موقف الرفيق حنا في هذا " التوضيح". إن إرضاء الجميع لا يولد حزبا تقدميا ولا جماهيريا. بالعكس يغلقه على نفسه وينفيه عن الصراع الفعلي.

الفرز في الأحزاب عندما يصبح التناقض تناحرياً هو ضرورة تاريخية ولا يعيب أحدا إن ذهب كل تيار بطريق واضح.

فليذهب التيار الليبرالي الاورو-مركزي إلى أخر أفكاره وليذهب التيار التقدمي الوطني المناهض للناهب الدولي إلى آخر مساره.

وضوح الموقف هو في الوضوح بقراءة طبيعة الصراع الحقيقية لا بمحاولة اختراع وضوح تلفيقي بين موقفين متعارضين جذرياً.

من مصلحة الحزب الشيوعي ذاته ان يوضح لنفسه قبل الغير ما يريد. من مصلحته أن يعرف أن الياس عطا لله تيار غير شيوعي وغير يساري وان التعايش مع أفكاره داخل حزب يساري يدفع ثمنها هذا الحزب من رصيده ومن تاريخه ومن مستقبله ومن حاضره.

باريس 29.08.2016

http://maysaloon.news/