17 آب 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

المنطقة الشرقية هدف الغارة؟!

روبير بشعلاني

وفق المعلومات التي انتشرت عن الاتفاق الروسي-الأمريكي يمكن القول من دون الكثير من المبالغة أن الأمريكي لم يوقع اتفاق هدنة بقدر ما وقع عقد هزيمة. وهذا ربما ما يفسر ردة فعله الهستيرية فيما بعد سواء خارج ام داخل مجلس الأمن.

فكان لافروف يضغط لإعلان الاتفاق وكيري يتهرب بشكل كوميدي. وبدا كأنه لا يرغب بأن يعرف العالم علناً انه وقع على هزيمة.الاتفاق الذي يتضمن اعتبار داعش ثم النصرة هدفا للإسقاط يكاد يكون انتحارا بالنسبة للأمريكي. فكأنك تطلب منه أن يضحي بنفسه بجيشه البري في المنطقة ككل.

إذا تم عزل داعش والنصرة فبمن سيواصل الأمريكي الحرب ؟ بسلامة كيلة أو بعزمي بشارة ؟

لنكن واقعيين. لم يكن يمكن للأمريكي ان يقبل مثل هذا الاتفاق بالظروف العادية لا سيما انه ببساطة اعتراف بتطور موازين القوى لغير مصلحته.ليس في الأمر ذكاء روسي مفرط ولا يعول كثيراً على الكلام الذي يتحدث عن وقوع الأمريكي بفخ الروسي وخدعاته. فليس هكذا تجري الاتفاقات بين الدول. إنها انعكاس دقيق لموازين القوى الشاملة.

على أي حال إنكاره للوقائع لن يغير كثيرا بالمعطيات. المعضلة بسيطة: أدواته وصلت إلى طريق مسدودة لم تعد معها قادرة على تحقيق أي مكسب استراتيجي. المطلوب الآن من حديدان النزول إلى الميدان إذا كان فعلاً ما يزال يعوّل على تحقيق إنجاز ملموس.

الأمريكي لن ينغمس مباشرة بالحرب البرّية اغلب الظن لأنه ببساطة لم يعد يملك ثمنها الاقتصادي. فحرب العراق وأفغانستان كلفته خمسة تريليون دولارا أضيفت إلى ديونه العملاقة.

فمن أين سيأتي بمثلها اليوم إذا ما طالت الحرب وفرضت عليه الانغماس بها كلياً ومن دون أدوات محلية فاعلة؟

نسف اتفاق الهدنة، إذا كان هو هدف الغارة على دير الزُّور، يعني أن الأمريكي يريد أن يكسب وقتاً لكي يعدل موازين القوى هذه، فهل ما يزال يمكنه ان يعيد العقارب إلى الوراء بخاصة وأن كل أوراقه المحلية قد احترقت الواحدة تلو الأخرى ولم يعد يمكنه الاعتماد إلا على نفسه التي قام بالمستحيل من اجل تجنيبها تجرع هذه الكأس.

الغارة على الجيش السوري تأتي في لحظة تخبط داخلي أمريكي بين من رضخ للواقع ومن ينكر الحقيقة. اغلب الظن أنها ستكون محاولة داخلية بائسة هدفها نسف الاتفاق ، لكن مسارعة الإدارة الأمريكية للتبرير وادعاء الخطأ تترك المجال مفتوحاً لاحتمالات أخرى.

التهديد بإسرائيل بطلت موضته. التركي دخل بحالة كوما أولية. أما الاخونج فقد صاروا من الماضي.

هامش الجنون واليأس الأمريكي ضيق لكن جنون الإمبراطوريات عندما تهوي لا يمكن استبعاده كلياً.

يبقى الاحتمال الأخير. مشروع المنطقة الشرقية وهو يحقق عدة أهداف بالوقت ذاته. اقتطاع قسم من سوريا والعراق بهدف قطع طريق بيروت دمشق بغداد وطهران عبر إعادة إحياء سيناريو عبدالله بضم عشائر مثلث سوريا العراقوالاردن إلى المظلة الأردنية ( محترمة وغير محروقة كورقة داعش). أو العودة إلى سيناريو دولة الأنبار السنية بالهدف ذاته.

الدفاع عن هذا القسم قد يشكل هدف الضغط على الجيش السوري لحمله على الانسحاب من المنطقة الشرقية خزان الاقتصاد السوري، وفاصلة تقطع منطقة محور المقاومة بالإقليم.

احتمال مرحلي ممكن لكن الحشرجة الأمريكية لن تخرج سليمة على المدى المتوسط بعد هزيمة الربيع العربي المدوية. فبنجاح هذا السيناريو، إذا ما نجح، ترث أمريكا مجموعة من التناقضات التناحرية المعقدة والتي تنخر المنطقة الشرقية بسبب الصراع التركي-الكردي-العشائري العربي والذي تصعب إدارته وضبط تداعياته. غير أن المؤكد أن الأمريكي يكون بذلك قد احتفظ بمسمار جحا الذي يتيح له العودة إلى الصراع إذا ما وجد الفرصة مناسبة في المستقبل القريب.

محاولة أخيرة يمكن أن تشكل أملا لدى المخَطِط الأمريكي بحيث تجعله يقبل بتسوية مرحلية لا يربح محور المقاومة الدولي فيها كل شيء ولا ينهزم الناهب الدولي كلياً.

لكن هل يبلع محور المقاومة هذا المعطى الجديد-القديم بدون أية ردة فعل هنا أو هناك؟ هل يقبل التسوية المرحلية بتلك الشروط أملا بتحسين أوراقه مستقبلاً؟

ففيما استنفذ الأمريكي كامل قواه بحرب أرادها ذكية وداخلية وخاطفة، لم يقم محور المقاومة بعد باستنهاض كامل قواه الكامنة.

الحرب طويلة اذن وإن تخللتها هدنات أو تسويات مرحلية مؤقتة.

باريس 2016.09.19

http://maysaloon.news/