24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

في الخط الثالث

روبير بشعلاني

من بين الذين لم يفرحوا لتحرير حلب صنفٌ بارد يعتبر انه صاحب موقف ثالث، لا مع النظام ولا مع المحيسني، هذا الصنف ينطلق من مبدأ أن هكذا نظام لا يمكن دعمه لأسباب تتعلق بفساده من جهة وطريقة حكمه المفرطة بالعنف والقمع من جهة أخرى.

كما يعتبر هذا الصنف أن دعم الثوار الحاليين مسألة غير ممكنة فقط لأنهم لم يقدموا بديلاً ثورياً أفضل من جماعة " النظام"، فالكل بالهوى سوا. هذا الصنف الذي يطلق أحكامه وفق النتائج والمظهر الشكلي لا يضيره، برأيه، غياب تفسيره للمظهر والنتائج، لا يهمه أن يعرف مثلاً ما إذا كان ثمة علاقة سببية بين هذا الصنف من الثوار، وبين هذا النوع من السلطة.

لم يخطر ببال هذا الخط الثالث مرة أن يفسر مثلاً سبب تحالف هؤلاء الثوار مع نوع محدد من القوى العربية و الإقليمية والدولية.

لم يخطر بباله مرة أن يعود لعمرانه البشري الخاص مثلاً لكي يفسر الاستبداد، أو ليفسر هذا الاستشراء الواسع لدور الدين بالمجتمع.

لم يخطر ببال هذا الخط أن يعود يوماً إلى اللحظة التاريخية الجديدة التي شكلها دخول الرأسمالية الغربية على بنى وأنماط المعاش السابقة في منطقتنا وتحديد التناقضات الجديدة والملموسة وفق هذا الدخول وأشكاله المعتمدة من قبله.

من كل ذلك يكتفي الخط الثالث بفرضية ضمنية قائمة على ثنائية الشعب/النظام حيث السلطة ظلم بالسليقة والشعب مظلوم بالتعريف المدرسي، وبما أن الخط الثالث من أنصار العدل والحق والجمال فإنه من واجبه " الأخلاقي الفطري" أن يقف مع المظلوم ضد الظالم.

إذا كل تحرك " شعبي" هو ثوري، وكل تحرك من السلطة قمع بالمبدأ. المشكلة لدن أنصار هذا الخط تبدأ لدى تعقد الوضع بالنسبة إلى الصورة النظرية التي يملكها عن هذه الثنائية، وتناقضه مع الصورة الواقعية التي تثب إلى ناظريه من خلال سلوك كل من الظالم والمظلوم، فماذا لو حمل الواقع صورة عن " الشعب" الظالم والفاسد هو أيضاً؟ حتماً ههنا يضطر أصحاب الخط الثالث إلى اللجوء إلى نظرية المؤامرة لحل اللغز.

ف" الشعب" قد تعرض حتماً للسرقة ومصادرة آدميته، برأيه، وإلا لعجز عن تفسير سلوكه غير " المظلوم" وغير الثوري وغير الطبيعي بالنسبة لما يجب أن يكون عليه سلوك الشعب غير المسروق.

ارتباك الخط الثالث ناتج إذا عن تناقض الواقع مع " أصل الصورة"، وهو لذلك تراه في حالة الحزن الدائمة، لا نصر النظام نصره ولا نصر " الشعب" نصره، لا شيء يبسطه يا أخي، الشعب ظالم والنظام ظالم فما العمل؟

لا يطلع أصحاب هذا الخط بالطبع من تناقضهم وارتباكهم عبر الشك وإعادة النظر بفرضياتهم الأساسية وثنائياتهم التبسيطية الساذجة، لأن غير تاريخية، لا أبداً بل عبر الشك بالواقع نفسه، فالواقع الذي لا يشبه " أصل الصورة" تعرض بقناعته للتزوير والتحريف، ويكفي برأيه تصحيح التزوير وكف شرّه عن " الشعب" الوديع مبدئياً لكي يعود النصاب إلى الصورة وتلتئم الحقيقة الخلاصية المجردة مع الواقع كما يجب أن يكون. مشكلة هذا الصنف من التفكير ليست إذا في علة نفسية لديه أو بنكد الدهر عليه، بل بلا تاريخية طروحاته، فهو لا يدرس واقعه الملموس في لحظة تطوره الراهنة ولا يفهم أين هو التناقض في هذا الواقع وماهية التحدي الأساسي، وبذلك يحرم نفسه من " التفسير"، تفسير الظواهر بدل اللحاق بها. هو قرر سلفاً أن الصراع هو بين النظام ( طبقات حاكمة) وبين الشعب( طبقات مستغلة ) وقرر سلفاً لسبب أخلاقي طبعاً أن يكون سلفاً مع الشعب.

أما عندما يكون " الثوار" أداة ومطية للاستعمار والناهب الدولي فليس ذلك سبباً كافياً لكي يكون في صف المقاومين و" النظام" بل تفرض عليه أخلاقياته النظرية أن ينأى بنفسه عن الصراع " المزوّر" مخترعاً صراعاً آخر موهوماً أجمل وأقرب إلى " أصل الصورة"، هناك في فكر هذا الخط الثالث فوق وتحت، الصراع تحت ليس إلا انعكاساً لفوق( أصل الصورة) فمن أين سيدخل التحليل غير المثالي للواقع؟ هذا الفكر لا يستطيع مع الأسف لا تفسير الكون ولا تغييره. ينأى بنفسه فقط مختبئاً خلف ستار الأخلاق العالية.

باريس 2016.12.14

http://maysaloon.news/