24 حزيران 2017
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

المقاومة الفلسطينية في سياقها التاريخي

روبير بشعلاني

بعد انكسار مشروع "الدولة العربية الصاعدة" في العام١٩٦٧، كان من الطبيعي أن تشهد الساحة تراجعاً جوهرياً، وتفككاً للجسم الاجتماعي الذي كان يشكل حاضنة المشروع الوطني، فدينامية الوحدة كانت تستدعي ولاء للدولة، قائم على أساس مواطني، أي تساوي المواطنين المجردين من الجماعة أمام الدولة.

كان من الطبيعي، بعد انكسار هذه الدينامية الوحدوية القائمة على المواطنة، أن يشهد العمران البشري العربي نكوصاً، وعودة إلى الوراء. كان من الطبيعي أن ترجع الناس إلى خطوط الدفاع الأولية، الطبيعية. فلا يمكن للهزيمة أن تمر من دون أثمان كبرى. كان من الطبيعي إذا أن تترك دينامية الوحدة المنهارة المجال إلى دينامية تفتت لا سيما تحت ضغط الخارج الرأسمالي المهيمن الذي يحرص على التفتيت والتجزئة كقاعدة لإنتاج هيمنته البنيوية. وعليه وكتتمة منطقية كان أمام الناس خيارات عدمية: فإما الانتحار وإما القبول بالعودة إلى الولاء إلى وحداتها الاجتماعية التاريخية. أما الانتماء إلى مواطنيه بلا دولة وإما القبول بالعودة إلى الانتماء إلى دولة قطرية قائمة بالأصل على القرابة، أي على الانتماء لجماعة يوحدها عامل الدم والرحم أو عامل القرابة الروحية الدينية.

هذه الدينامية الاجتماعية الجديدة التي ولدتها هزيمة مشروع الدولة في ٦٧ لم يكن يمكن إلا أن تنعكس في السياسي وأن تولد تراجعات في الطموحات وانكسارات في البنى التنظيمية السياسية. ففي تلك المرحلة نشأت نظريات تغلب إمكان العمل القطري وتراكميته الوحدوية وضرورة العمل في الجزء وصولا للكل، ونظريات بناء القطر " الوطني" المستقل إلى ما هنالك من نظريات تبريرية لقبول التراجع والهزيمة. وكان من شأن ذلك أن ينعكس أيضا على تركيبة الأحزاب السياسية وأنظمتها الداخلية وعلاقات الأفراد فيما بينهم داخلها. ففي هذه الفترة شهدنا تحولا داخل الأحزاب ينحو نحو البناء على القرابة الرحمية والدينية بدل البناء على الفكر والفكرة. كما شهدنا انقلابات داخلية تنظيمية تحتقر الأنظمة الداخلية وتفرض أنواعا جديدة من الولاء عمادها الأساسي العنف والقوة. فانكسار دينامية اجتماعية-سياسية بهذا الحجم والعمق لم يكن يمكن أن يمر بدون نتائج. وكان من الممكن أيضا أن تنشأ حركات وحدوية ترفض نتائج الهزيمة وتحلم بالعمل على تعديل موازين القوى خصوصاً وان هذا الاختلال كان المسؤول أولا عن الهزيمة لكن ذلك لم يحصل.. في تلك الظروف بالذات نشأت المقاومة الفلسطينية المسلحة. في تلك الظروف البائسة وجدت النخبة الفلسطينية، القطرية الوعي، الفرصة مناسبة للمطالبة بـ"دولة ولو على ظهر حمار".

في مثل تلك الظروف وجدت هذه النخبة الفرصة مهيأة لكي تخوض "نضالاً" يستهدف الحصول من الناهب على قطعة ارض ومنصب ناطور عليها يكمل الفسيفساء العربية الكبرى. ذكاء تلك النخبة يتمثل بقدرتها على التقاط الفرصة التراجعية العامة لانتزاع قطر خاص بها أسوة بالأقطار الأخرى. ذكاؤها يتمثل أيضاً بالارتكاز إلى تيار وطني عروبي كبير يحارب معها ظناً منه أنها استئناف عفوي لمشروع القطيعة مع الهيمنة وأدواتها.". في تلك الظروف بالذات قفزت النخبة الفلسطينية، قطرية الوعي، إلى الواجهة وفتحت عهد المقاومة " الفلسطينية". وتبعتها الجموع العربية المتعطشة إلى أمل وطني. سوء التفاهم أصلي، أي أنه في الصنع وليس بالممارسة الخاطئة. سوء التفاهم مع هذه القيادة ناتج عن الطموحات التي ألصقها التيار المنكسر في ٦٧ على نخبة لا يتعدى طموحها الانخراط في منظومة الهيمنة الخارجية بواسطة الابتزاز العسكري. فحمل السلاح لم يكن يستهدف التحرير بقدر ما استهدف " إقناع" الناهب بتسوية. ومن بعد نظرية " اسرائيل كأثر من آثار الاستعمار" انتشرت نظرية " البوصلة". وما هو مضمون نظرية البوصلة ان لم يكن ان قضية فلسطين هي مختصر موضوع صراعنا مع الغرب. أي أن "خلافنا" مع الغرب هو على احتلال ارض الفلسطينيين وبسبب "انحياز" أمريكا "الأعمى" لاسرائيل. فيكفي إذا، بحسب هذه النظرية، وبما أن الخلاف هو على الأرض، ان نجد تسوية لهذا الصراع حتى نصبح احبابا ً مع الناهب الدولي وتنعدم أسباب الخلاف-البوصلة.

الانزياح في طرح المصطلحات يعكس دوماً إنزياحات سبقته في البنيان الاجتماعي والسياسي. فلولا هزيمة مشروع الدولة المستقلة الذي فهم أن الصراع هو مع الهيمنة العالمية على مواردنا، لما كان بالإمكان أن ينشأ "القرار الوطني الفلسطيني المستقل"، فهذا الأخير لم يكن في هذا السياق أكثر من تعبير واضح عن نشوء انعزالية جديدة تضاف إلى فسيفساء الانعزاليات الخادمة عند منظومة النهب. فبالحصول على " دولة فلسطينية" تتساوى القبائل الفلسطينية مع قبائل بقية الأقطار العربية ويصبح لكل قبيلة دولتها. وحصلت هذه النخبة في مشروعها على دعم غالبية النواطير القرابية الحاكمة وعلى دعم ومشاركة العديد من الوطنيين الذين توهموا أن المقاومة الفلسطينية هي نوع من استئناف للمشروع الناصري ورد عفوي على الانكسار الذي شهدته حركة التحرر العربية في ٦٧.

لكن وبما أن الجمّال بنيّة والجمل بنيّة مختلفة، وعندما وصل الموكب إلى الحصول على ما اعتبرته " النخبة الفلسطينية" حقها الشرعي والوحيد نزلت هذه النخبة عن ظهر الحمار وتركت الموهومين بمنتصف الطريق لا يلوون على شيء ولا يملكون غير عيونهم لذرف الدموع . ما أود قوله بكلمة هو أن استماتة قرابة ما بالدفاع عن انخراطها بمنظومة النهب، عبر قبول حكم دولة كسيحة لا تدار إلا من الخارج، ليس مشروعاً وطنياً ولا يمثل جوابا على التحدي الذي مثله غزو نمط الإنتاج الرأسمالي الغربي لوطننا وهيمنته علينا بشكل شمولي، بل هو بأحسن الأحوال حلم عبيد يقبلون بالعمل لصالح الناهب الدولي مقابل منصب ناطور محلي. حركة التحرر العربية هي حركة تحرر بلادنا من هذه الهيمنة الخارجية وبناء دولة حقيقية. وهو مشروع لا يستقيم بالتعايش مع هذه الهيمنة ولا مع أدواتها.

وبما أن التجزئة و"إسرائيل" هما من العناصر المكونة لمنظومة الهيمنة فلا يمكن أن تكون قطري وصاحب مشروع تحرر في الوقت ذاته. لا يمكن أن تقود التحرر وتقبل أو تسعى بذات الوقت إلى دور "ناطور" لا يمكن أن يكون أصلاً إلا برعاية منظومة النهب نفسها.

أن تقوم بتسوية مع أداة المخفر بمنظومة النهب يعني انك تفهم الصراع مع الناهب الدولي كصراع على الأرض أو كصراع ديني على " الأماكن المقدسة"، بينما المشكلة مع هذه الأداة يكمن في دورها الوظيفي المزدوج: منع وحدة الوطن وتكامل سوقه الداخلية من جهة، ولعب دور القوة العسكرية الرادعة لأي وحدة أو تنمية وطنية من جهة أخرى.

العلّة في المشاريع القطرية أيا كانت قشرتها الخارجية، ولا فضل لانعزالي على آخر، أمام منظومة الهيمنة الخارجية.

باريس 2017.03.07

http://maysaloon.news/