16 تشرين1 2019
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

لـمـاذا يـريـدون الـديـمـوقـراطـيـة (*)

روبـيـر بـشـعـلانـي

 

 

لـمـاذا يـريـد الأمـيـركـيـون الـديـمـوقـراطـيـة فـي الـشـرق الأوسـط؟

1- الإشـكـالـيـة

تفجّرت الانتفاضات العربية فجأةً، وفجّرت معها الكثير من الآمال والطموحات الكامنة لدى شعوبٍ مقهورةٍ مسلوبةٍ ومحتلة... مما فتح شهيّة الحلم.

التحرّك المفاجىء هذا، والإعجاب المُسبق بأي تحرّكٍ "للجماهير"، أفاق بعضَ النخب التقدمية المثقّفة من سباتٍ عميق، وجعلها مثلها مثل أي مستيقذٍ من النوم لتوّه على هدير أصوات الجماهير في الساحات العامة، فلم يُصفّق فقط ويُحيّي، بل راح يُسقط عليها، بكلّ طوباويةٍ، أحلامه وطموحاته المكبوتة وشعاراته التي كانت في الدرج تنتظر الظرف المناسب.

فوجئت النخب هذه المرة بالثورة، لكنها لم تتردّد بالانخراط فيها، ولا في – ولما لا؟ – قيادتها أحيانًا. واليوم، يشغل الفكر الترويجي والدعائي للثورة النخب عن إعمال النقد في التحرّك وهويّته الاجتماعية والسياسية والوطنية وطبيعة الصراع وموازين القوى المحلية والإقليمية والدولية.

ولم يكتفِ البعض الثالث في الترويج، بل راح، وبدون تكليفٍ، يبتدع فكر التبرير. يُقال له أن الثورة هذه تشبه وضع طبيب لبّى طلب المريض فورًا بالحضور مع العدة كلها، فشرع فورًا بالجراحة دون تشخيصٍ للعلّة، ودون معرفة الهدف من الجراحة؛ فيُجيب بأن لكل ثورةٍ خصائص واستثناءاتٍ، وأن الجماهير لا تخطىء وأنها دائمًا تعرف علّتها.

تبدو الثورة من خلال هذا الفكر، وكأنها جزيرةٌ معلّقةٌ لا أرض لها ولا فضاء، وكأنها منفصلةٌ عن المجتمع وتركيباته السوسيولوجية، وعن تاريخه أيضًا، وعن العالم والإقليم والصراعات التي تلفّ بنا وبهم... فلا سابقٍ لها ولا لاحقٍ ولا محيط.

بالنسبة لعلاقتها بالاجتماع، بيّنا سابقًا أن الجماعة القرابيّة، الدينية منها أم الرحميّة، الطائفية أم القبَلية، لا يمكنها حمل ما نُحمّلها أياه من أهدافٍ لا مصلحة لها فيها أصلًا... هي تريد "الحرية" لا أكثر ولا أقل، تريد إسقاط الاستبداد لا أكثر ولا أقل...

فهي لو قبلت بدولة القانون العلمانية، أو المدنية إذا شئتم، تكون كمن يقبل الانتحار طوعًا، وبدون سبب. تكون كأنها تنتقل بكل بساطةٍ من السياسة والسلطة إلى الأنثروبولوجيا، بل وحتى إلى الأركيولوجيا (du politique à l antropologie et à l archeology).

المفارقة المذهلة في هذه الثورة، هي في المصادفة في التوقيت وتوارد الأفكار بينها وبين الأميركيين. الشعار نفسه وفي الوقت نفسه... فهل هو التقاءٌ أم تقاطع مصالح؟
لماذا يريد الأميركيون الديموقراطية في الشرق الأوسط؟ ما هو غرضهم في ذلك؟
لماذا تابع الرئيس أوباما ما بدأه بوش الابن في هذا المجال؟

لماذا غيّرت السياسة الأميركية إذًا إستراتيجيّتها في المنطقة؟

لماذا تتخلّى عن الاستقرار الذي يؤمّن النفط بأحسن الشروط؟

لماذا صار الأميركي ينحو إلى "فوضى خلّاقة"؟
هل يحذو الأميركي حذو السوفيات بعد أن تغلّب عليهم من باب: في أن الغالب مولعٌ أبدًا بالاقتداء بالمغلوب؟!

في محاولةٍ للظفر ببعض الأجوبة، ربما وجب وضع أهداف السياسة الأميركية في نصاب العلاقة مع أزمة الإمبراطورية الأميركية نفسها داخل النظام الرأسمالي العالمي.

2- صـلـة الـربـيـع بـالـمـحـيـط الـدولـي أو سـمـات الـعـالـم الـرأسـمـالـي الـيـوم

تُؤكّد مختلف المؤشّرات أن العالم الرأسمالي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، يشهد في داخله منذ بداية ثمانينات القرن الماضي حركتين متعاكستين، واحدة تتمثّل بشكلٍ رئيسيٍ في بعض الدول الآسيوية، لا سيما الصين، كما الهند والبرازيل وإفريقيا الجنوبية، وتأخذ منحىً تصاعديًا ديناميًا باضطراد، وأخرى تتمثّل اساسًا في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، التي بدأت تتخلّى عن مواقعها تحت ضغط المنافسة، سالكةً طريقًا تنازليًا بطيئًا في البداية، ولكنه سرعان ما اشتدّ مع الأزمة المالية العالمية التي انفجرت عام 2008.

صحيحٌ أن الولايات المتحدة الأميركية ما تزال القوة الاقتصادية الأكبر، إذ تُمثّل ربع الناتج الإجمالي للعالم، وأنها قد بقيت في مقدّمة الاقتصاد العالمي على مدى ما يقرب من المئة عامٍ الماضية، وخاصةً بعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية أقوى اقتصاديًا وأكثر ازدهارًا، فساهمت في إعادة بناء ما دمّرته الحرب في العديد من دول العالم، مما عمّق إمكاناتها المادية وسيطرتها الصناعية ونفوذها التجاري، وعزّز مكانتها في قيادة العالم الرأسمالي.

لكن الصحيح أيضًا، هو أن الولايات المتحدة تواجه منذ عقودٍ ثلاثة، وخاصةً بعد العام 2000، أكبر تحدٍّ منذ الحرب العالمية الثانية، وقد اشتدّ هذا التحدّي مع أزمة 2008 المالية الكبرى، ووصل اليوم إلى ما يشبه الذروة. وفيما تواصل تراجعها بخطىً ثابتةٍ، يُعلن صندوق النقد الدولي أن الصين ستلحق بالولايات المتحدة عام 2016، أي قبل عشر سنواتٍ من التوقّعات السابقة.

الأزمة عميقةٌ اليوم داخل الولايات المتحدة وفي دول الإتحاد الأوروبي. فالاقتصاد الأميركي ينمو بمعدّلٍ ضعيفٍ جدًا دون 2%، ومعدّل البطالة يزيد عن 9.2%، وتتوالى عمليات التسريح الجماعي للعمّال والمدرّسين. وهناك حالةٌ من الركود الاقتصادي، وقد استمرّ ركود الرواتب والأجور على مدى ثلاثة عقودٍ، مما أدّى إلى انهيار سوق العقار نتيجة الانهيار الاقتصادي، وصارت ملايينُ من الأسر الاميركية مهدّدةً بالطرد من مساكنها. ويتصاعد العجز في الميزان التجاري مع تراجع الاستثمار في البنية الأساسية.
من المفيد الاشارة هنا، إلى أن نسبة 40% من العجز التجاري الاميركي مسؤولةٌ عنه المبادلات التجارية مع الصين تحديدًا.

صحيحٌ أن الولايات المتحدة الأميركية ما تزال تدرّ دخلًا سنويًا يدور حاليًا حوالي 15.008 تريليون دولار حسب توقّعات العام 2011، لكن الصحيح أيضًا هو أن ديونها صارت اليوم متساويةً مع هذا الدخل. فمن المعروف أن سقف الدين العام الأميركي مُحدّدٌ بموجب القانون، ويبلغ 14.3 تريليون دولار، وهو يُشكّل 69% من الدخل القومي. لكن هذا الدين وصل في أواخر شهر أيار الماضي إلى السقف المُحدّد، الأمر الذي تطلّب رفع السقف بعد أزمةٍ سياسيةٍ غير مسبوقة، إذ أنه بدون ذلك، لا توجد أيّة أموال للإنفاق، والدخول بالتالي في حالة العجز عن الدفع، أي عدم دفع معاشات التقاعد والديون المُستحقّة على الخزينة وتغطية نفقات الإدارة المختلفة وغيرها.

ومن الجدير بالذكر، أنه جرى رفع سقف الدين العام الأميركي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، سبعين مرّة، منها سبع مرّاتٍ في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن. ولكن عجز الموازنة الذي أسهم بشكلٍ كبيرٍ في تطوير وزيادة المديونية، نجم عن المبالغة في الإنفاق العام. إن هذا العجز هو السبب الأهم للأزمة الحالية، والذي تطوّر بشكلٍ كبيرٍ منذ عهد رونالد ريجان حتى الوقت الحاضر. ويبلغ العجز السنوي للموازنة حاليًا حوالي تريليون دولار وهو ناجمٌ عن الإنفاق المبالغ فيه، وخاصةً على الحروب في أفغانستان والعراق، التي يُقدّر البعض أنها بلغت حتى الآن حوالي 3.7 تريليون دولار.

ومع ارتفاع عجز الموازنة ومستوى المديونية، فإن الاقتصاد الأميركي يعاني من عدم القدرة على التعافي الاقتصادي بالقدر الذي يسمح بمواجهة المستحقّات الجديدة. فالإدارة الحالية ورثت عجزًا متراكمًا للموازنة، وأضافت إليه ما يقرب من 4 تريليونات دولار، لانتشال الشركات الكبيرة التي أفلست في أعقاب الأزمة المالية عام 2008. وأمام معضلة حالة العجز عن الدفع، فإن تباطؤ النمو يساهم في زيادة معدّل البطالة، حيث يوجد في الولايات المتحدة حاليًا 14 مليون عاطل عن العمل، أي حوالي 9%.

وبذلك، تنضمّ الولايات المتحدة إلى الدول التي يتخطّى دينها ناتجها المحلّي الإجمالي، أما إذا أضفنا إلى الدين العام دين القطاع الخاص، فإن العجز يرتفع إلى 419% من الناتج الإجمالي، حسب أرقام 2010،
وهكذا يتّضح أن شبح أزمةٍ اقتصاديةٍ عميقةٍ يحوم في الأفق.

3- الصـيـن: رأس الـقـوى الـصـاعـدة أم ثـأر الـرأسـمـال الصـنـاعي مـن الـرأسـمـال الـمـالـي؟

في مقابل هذا المنحى التنازلي للاقتصاد الأميركي الذي يُظهر علامات الشيخوخة، برزت مجموعةٌ من الدول، يطلق عليها وصف "الناشئة"، وأهمّها الصين والهند وإفريقيا الجنوبية والبرازيل، وهي تتميّز باقتصاداتٍ ديناميةٍ صاعدةٍ وواعدة. اليوم، تبدو الصين من بينها، وبفضل "اقتصاد السوق الاشتراكي" المُعتمَد فيها ابتداءً من الثمانينات، لاعبًا رئيسًا في الاقتصاد العالمي. اعتمدت الصين بدايةً على صناعات اليد العاملة. واستطاعت أن تزاحم، في السوق العالمية، بواسطة أسعارٍ رخيصةٍ جدًا، وذلك بفضل يدٍ عاملةٍ رخيصةٍ ومتوافرةٍ بكثرةٍ، وبفضل معدّلات صرفٍ مؤاتيةٍ جدًا.

بعدها، انتقلت إلى خطّة "المناطق الاقتصادية المتخصّصة"، فمنحت بموجبها للمنشآت الاقتصادية الغربية الباحثة عن تخفيض أكلافها تسهيلاتٍ كبرى، ولكن عبر إجبارها على نقل التكنولوجيا إلى الصينيين. ولقد أصابت الخطّة هذه من النجاح، ما جعل هذه المناطق تحتلّ الشاطىء الصيني كله اليوم. وبفضلها، حقّقت الصين نموًّا اقتصاديًا استثنائيًا يبلغ ثلاثة أضعاف النمو المتوسّط لبقية دول العالم: بلغ متوسّط النمو الاقتصادي الصيني السنوي حوالي 10% خلال السنوات الأخيرة.

بعد العام 2000، أخذت الصين بالاهتمام في تنمية قوةٍ مالية بفضل احتياطيات الصرف التي بلغت 2400 مليار دولار في العام 2010. وبعد استثمار غالبيتها في سندات الخزينة الأميركية، انتقلت الصين في العام 2007 إلى تأسيس "صندوق الصين السيادي"، برأسمالٍ أوّليٍ قدره 200 مليار دولار، وانحصر عمله بدايةً في شراء أسهم شركاتٍ صينية وأميركية.

ثم طوّرت الصين سياسة استثماراتها، فقامت بتنويعها والانتقال إلى الاستثمار المباشر غير الورقي، سواء في الولايات المتحدة أو غيرها. من دول أميركا اللاتينية، انتقلت الاستثمارات الصينية إلى إفريقيا إبتداءً من العام 2000، في محاولةٍ لتأمين وضمان الموارد النفطية والمنجمية. ونظرًا لأهمية ذلك، فقد عزّزت الصين انغراسها في هذه المناطق، عبر اتفاقياتٍ مميّزةٍ مع بعض الدول، منحتها الصين بموجبها قروضًا مُيسّرةً، لا سيما في ميدان الطاقة.

وكنتيجةٍ طبيعيةٍ للنمو المتسارع هذا، ازداد الاستهلاك الصيني من الطاقة بشكلٍ كبيرٍ جدًا. ويُمثّل الفحم 70% من الطاقة المستهلكة، مقابل 30% للنفط. وإذا كان إنتاج الصين من الفحم يغطّي استهلاكها، فإنها تحتاج إلى استيراد نصف استهلاكها من النفط، أي ما يعادل 4 ملايين برميلٍ يوميًا، ما يجعلها ثاني أكبر مستهلكٍ في العالم بعد الولايات المتحدة الأميركية.

فمن جهة، نموٌّ ضعيفٌ وبطالةٌ وديون وانكماشٌ وديموغرافيا مريضةٌ تكاد لا تجدّد الأجيال، ومن جهةٍ ثانية، نموٌّ كبير ووظائفٌ وفوائضٌ وتوسّعٌ ووفرةٌ سكانيةٌ هائلة... وإمبراطوريةٌ مريضةٌ على طريق الأفول من جهة، وضباعٌ رأسماليةٌ صاعدةٌ "ناشئةٌ" من جهةٍ ثانية.

المفارقة بين الديناميّتين، هي من الوضوح بحيث حملت البعض على اعتبار المعركة شبه محسومة، فقام حتى بتفريق ورقة نعي الإمبراطورية الأميركية وحليفتها الأوروبية، ما عدا ألمانيا.

إليكم ما كتبه روجيه كوهين مؤخَّرًا في نيويورك تايمز:

"بُنيت أوروبا الموحّدة الحالية على رماد إمبراطورياتٍ متعاقبةٍ – من الإمبراطورية الرومانية إلى الإمبراطورية البريطانية –، انتهت بشكلٍ أو آخر من الاضطرابات العنيفة. والآن، ها هي شبه الإمبراطورية الأميركية، أو سلطان الغرب بشكلٍ عام، تنتهي، وليس بسرعةٍ، إنما باضطراد؛ يكمن النمو والوظائف والتوسّع والحماسة – ونعم، الفرص – في القوس الكبير غير الغربي من الصين مرورًا بالهند وصولًا إلى جنوب إفريقيا والبرازيل. هيّا نحو الجنوب! هيّا نحو الشرق! هذا هو شعار العصر، لكنه ليس قابلًا للتطبيق دائمًا في مقاطعة بيكهام أو بيوريا في الولايات المتحدة. لقد انقلب العالم رأسًا على عقب. وما نشهده الآن، هو حجم الزلزال الذي أحدثه هذا الانقلاب في المجتمعات الغربية مع ظهور قوىً جديدة."

قوى جديدةٌ لا يجمع بينها غير الرأسمالية الصناعية وكل أسباب وعوامل النهوض، من مزايا تفاضليةٍ اقتصاديةٍ وبشريةٍ. كأننا إزاء مشهد ثأر الرأسمال الصناعي من الرأسمال المالي. دليلنا إلى ذلك المثال الألماني. وحدها ألمانيا من بين الإمبراطوريات "القديمة" "العجوز"، قد تمكّنت من النأي بنفسها عن الأفول الآتي، لأنها تبنّت سياسةً اقتصاديةً صناعيةً متميّزةً خاصةً بها. وبدلًا من الاعتماد على فوائضها المالية الهائلة أو الدخول في منافسةٍ خاسرةٍ مع الدول الناشئة، لا سيما الصين، فبسبب ضعفها الديموغرافي، عملت ألمانيا على تعزيز الصناعة العالية الدقّة التقنية وتخصّصت بها، مما أهّلها للاحتفاظ بحصصها من السوق، لا بل عزّزها وجنّبها الضمور الاقتصادي.

وبهدف تجنّب الدخول في منافسة السلعة "الجماهيرية"، التي تحتاج إلى يدٍ عاملةٍ متوافرةٍ ورخيصةٍ، حوّلت ألمانيا نقاط ضعفها إلى نقاط قوة، فاستثمرت في قوةٍ عاملةٍ عالية الكفاءة والمهنية، واستخدمت العُمّال في وظائفٍ تتطابق مع مهاراتهم. وركّزت على تصنيع التجهيزات العالية الدقّة، التي لا يستطيع الآخرون صنعها. وعزّزت التعاون بين النقابات العُمّالية وأرباب العمل، وبين الصناعيين والحكومة، دفاعًا عن الوظائف الألمانية. ولذلك، فإن نسبة البطالة لدى الشباب في ألمانيا، هي 10%.

حول هذا الموضوع، يقول روجيه كوهين في مقالةٍ في " نيويورك تايمز" عن انهيار الإمبراطورية الأميركية:

"لم تحاول ألمانيا خوض سباق القعر للتنافس مع الصين، ولم يتخيّل لها أنه بإمكان الخدمات المالية، وسواها من الخدمات، أن تؤمّن بقاء مجتمع، ولم تتجنّب التدريب، ولم تحاول تفكيك النقابات، ولم يتهيّأ لها أن الأسواق تحمل كل الحلول. لقد ساهمت المحنة التي عرفتها ألمانيا، في ماضيها، في قدرتها على تجاوز غرورها، من أجل الخير العام الضروري لتحقيق الاستقرار."

فهل "انقلب العالم رأسًا على عقب"، كما تساءلت نيويورك تايمز؟

ليس بعد، لكن الأكيد هو أنه يسير في هذا الاتجاه، والإيقاع آخذٌ بالتسارع. فالإمبراطورية المسيطرة لم تستسلم بعد، وهي تحاول أن تغالب، أو أن تمانع على الأقل، لكي تبعد، بقدر ما أمكن، مجيء "الساعة". لكلٍ مغالبته وممانعته على ما يبدو.

4- مـغـالـبـة ومـمـانـعـة الإمـبـراطـوريـة الأمـيـركـيـة "الـعـجـوز"، رجـل الـعـالـم الـمـريـض

ما هي الحلول الممكنة وإلى ماذا تؤدّي؟

تواجه الإمبراطورية "العجوز"، أو ما يمكن أن نسميّه من الآن وصاعدًا برجل العالم المريض، هي وحلفاؤها، معضلتين كبيرتين: الأولى داخلية، والثانية خارجية. ففي الداخل تَعَطُّل النمو، والديون، والبطالة... وفي الخارج نشوء منافسين أقوياء، يُقلّصون حصصها من السوق. وقد يكون هناك ثمة علاقةٍ سببيةٍ ما بين الاثنين. أما بالنسبة للداخل، فإن السياسات الاقتصادية التي اعتُمدت حتى الآن، والتي تعزّزت أخيرًا مع الهزّة المالية الحالية، التي تعصف بالأسواق المالية وبالاقتصاد الفعلي، فتهدف إلى وضع حدٍّ للمديونية المتزايدة بشكلٍ دراماتيكي، وذلك عبر وسيلتين أساسيتين: ضبط الإنفاق أو حتى عصره من جهة، وزيادة الضغط الضريبي من جهةٍ ثانية.

غنيٌّ عن القول هنا، أن سياسة لحس المبرد هذه بشقّيها، قد زادت وسوف تزيد أكثر مع تفاقم المشكلة، ذلك أن عصر الإنفاق سوف يقود حكمًا إلى تراجعٍ أكبر في النمو، هذا إذا لم يؤدِّ إلى الانكماش، وبالتالي إلى زيادة البطالة والمشاكل الاجتماعية، تمامًا كما أن الضغط الضريبي سوف يؤدّي إلى حجب حصّةٍ إضافيةٍ من الدخل المُخصّص للاستهلاك، يقود بدوره إلى المزيد من الانكماش وإلى مزيدٍ من تقلّص فرص العمل.

زدْ على ذلك أن هذا وذاك سوف يعمّقان من أجواء انعدام الثقة، التي تنعكس غالبًا على شكل زيادةٍ في التوفير لدى الأفراد والمنشآت الاقتصادية، مما يعود فيؤثّر على النمو إعاقةً.

بمواجهة المعضلة الخارجية، وبعد أن كشفت الأزمة الجديدة الأخيرة بوضوحٍ أنه ليس بمقدور الرأسمالية الأميركية القضاء على أزماتها الكثيرة والمتتالية من الداخل، قرّرت الإمبراطورية اللجوء إلى وسائلٍ مختلفةٍ تؤدّي في المحصّلة إلى تصديرها إلى مختلف دول العالم، وبخاصةٍ نحو الدول النامية والتابعة، وكذلك الناشئة، وذلك باسم تشابك المصالح ووحدة المسار والمصير الناتجة عن العولمة. أزمة الإمبراطورية تمّ تصويرها كما لو كانت أزمة النظام الرأسمالي ككل، وهذا غير صحيحٍ إطلاقًا، للأسف.

لم يبقَ أمام الإمبراطورية إلا أن تحاول استثمار ما تبقّى لها من قوةٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ، وذلك من أجل الوصول إلى هدفين متّصلين:

يتمثّل الهدف الأول بتمويل عجزها وديونها، عبر إجبار الجميع على شراء سندات الخزينة الأميركية، ولو بعائدٍ متواضعٍ جدًا، قياسًا بشروط العرض والطلب ونسبة المخاطرة العالية (لا يزيد العائد عن 2%).

هذا الحل يعتبر سلاحٌ ذو حدّين، إذ يشكّل خشبة خلاصٍ لها على المدى القصير، وحبلًا قد يشنقها على المدى الطويل.

بينما يتمثّل الهدف الثاني في محاولتها أن تحاصر تمدُّد وتوسُّع الدول الناشئة، كما الحلفاء أيضًا. ولا توفّر الإمبراطورية وسيلةً إلا وتستخدمها، من أجل استعادة حصّتها في السوق والهيمنة على المواد الأولية. وبعد أن كان الهدف بالأمس تكديس الأرباح، تحوّل اليوم إلى تمويل العجز ومواجهة الخصم والحليف من أجل نزعة البقاء... الدينامية التاريخية ليست إلى جانبها.

إستخدام أميركا لقوّتها الإستراتيجية والسياسية المتبقّية في العالم، يستهدف منع الدول الناشئة من الوصول إلى الموارد الأولية الضرورية والمُدخلات الأساسية الحيوية، كما تحاول الوقوف سدًّا في وجه إمكان وصولها إلى الأسواق المهمة الغنية في العالم. إذًا، هو حصارٌ يمنع الدول الناشئة من توسيع استثماراتها في غير سندات الخزانة الأميركية، ومن ضمان مُدخلاتها الاستراتيجية من نفطٍ وموادٍ أولية، أي تمويل العجز الأميركي بالقوة .

السيطرة على بنية المُدخلات والموارد تتيح إمكان التحكّم بالأسعار والأحجام والكمّيات والتوقيت، مما يرهن مفاتيح الصناعة والاقتصاد في الدول الناشئة للقرار الأميركي. وبالإضافة إلى ذلك، يتيح التحكّم المباشر تمويلَ جزءٍ من العجز الأميركي، عبر ربط الاقتصاد المحلي للدول النامية مباشرةً بالمركز وحده دون غيره، بما يجعلها سوقًا مفتوحةً لبضائعه وخدماته، وكذلك لنهب فوائضه عبر اللعب بمعدّلات الصرف والأسواق المالية والنقدية عمومًا، وكذلك عبر صفقات أسلحةٍ خياليةٍ مُبرّرها الوحيد هو التخويف المُبالغ من الجيران والجماعات المتناحرة في إطار الفوضى الخلّاقة.

في ظل المواجهة القائمة بين الإمبراطورية الأميركية المتأزّمة وبين الدول الناشئة الصاعدة، والتي يحاول كل طرفٍ فيها تحسين شروطه، تندرج علاقة الإمبراطورية العجوز بمنطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط والثروات وذات الأهمية الجغرافية والجيوسياسية. في ظل أزمةٍ اقتصاديةٍ خانقةٍ لا تنفكّ تتفاقم حول عنق الإمبراطورية الأميركية، لجأت هذه الأخيرة إلى القيام باستثمار 3.750 تريليون دولار على "سوق" الديموقراطية في الشرق الأوسط، ومن الطبيعي أن تتوقّع عائدًا متناسبًا مع استثمارها هذا.

إزاء الهجوم المضاد الأميركي، تعتمد الدول الناشئة، حتى الآن، سياسةً ناعمةً تتجنّب فيها المواجهة المباشرة، لكن دون الإنحناء لها أو تلافيها. تتقبّل الدور المالي في شراء السندات، لكنها تهدّد بالتوقّف، وباعتماد عملةٍ غير الدولار في مبادلاتها، وأيضًا بتحويل فوائضها إلى سلّة عملاتٍ بدل إبقائها بالدولار. تستفيد من الأزمات العميقة للغرب كي تسجّل بعض الاختراقات هنا أو هناك. فقد أعلنت الصين مرارًا أنها مقتنعةٌ بأن العالم يمكن أن يكون متعدّد الأقطاب .

الصين، على ما يبدو، غير راغبةٍ حتى الآن بالدخول في لعبة السباق على التسلّح، بالتالي رصد مبالغِ هائلةٍ من فوائضها في هذا المجال، ربما خوفًا من تكرار تجربة الاتحاد السوفياتي المُرّة.

في خِضمّ هذا الصراع، يمثّل الشرق الأوسط أهميةً فائقةً، نظرًا لموقعه الجغرافي المميّز ولثرواته الكبرى، لا سيما النفطية منها.

5- الـشـرق الأوسـط فـي الـحـسـابـات الأمـيـركـيـة

ضمن الإطار التنافسي هذا، وفي ظل الوضع هذا العالمي، تتعاطى الولايات المتحدة الأميركية مع "الشرق الأوسط". وفي ظل الوضع نفسه أيضًا، نشبت الثورات العربية. في ظل هذا التنافس الحادّ بين المراكز الرأسمالية، طرحت الإمبراطورية علينا وبيننا شعار الديموقراطية مقترنًا بحقوق الإنسان والتدخّل الإنساني والفوضى الخلّاقة ضد الاستبداد والدكتاتورية، فماذا تريد من ورائه؟

ذكرنا أعلاه أن من أسباب زيادة المديونية الأميركية هو الزيادة في الإنفاق، لا سيما في المجال العسكري. وأشرنا إلى أن كلفة الحرب في العراق وأفغانستان قد بلغت وحدها 3.750 تريليون دولار حتى الآن، أي ما يساوي ربع الدين العام الأميركي.

ربع المديونية الأميركية العامة الأسطورية مسؤولةٌ عنه الديموقراطية في العراق وأفغانستان، وإذا ما أضفنا كلفة الديموقراطية في ليبيا مع كلفتها القادمة، أغلب الظن في سوريا، فإن الفاتورة ستكون باهظةً جدًا. إزاء ذلك، ما هو التفسير العقلي والعقلاني؟ فإما أن القيادة الأميركية قد جُنّت لأنها تقامر بوجودها ووجود إمبراطوريتها من أجل سواد عيوننا، وإما أن الديموقراطية الموعودة هي، بِلُغة الاقتصاد، استثمارًا يتوقّع الأميركي منه أن يعود عليه بالربح الوفير، اقتصاديًا وسياسيًا.

ديموقراطية، حقوق إنسان، تدخّل إنساني، فوضى خلّاقة... إن تراتب هذه المفاهيم، وانتقاءها من بين غيرها، لا يمكن أن يكون محض صدفةٍ في الإستراتيجية الأميركية.

وبعيدًا عن الاتهامات الجوفاء والأفكار المُسبقة والجمل التعبوية والكره الأعمى للإمبريالية، نحاول أن نفهم عقلانيًا، وبناءً على لغة المصالح التي تبني السياسة الأميركية برامجها على أساسها – على حد علمي –، نحاول إذًا أن نفهم ماهيّة الشعارات الأميركية لمنطقتنا وأهدافها، بالإضافة إلى فهم ترابطها وتراتبها فيما بينها، وذلك على ضوء ظروفها الموضوعية السياسية والاقتصادية.

في ظل التركيب الاجتماعي للجماعات القرابيّة في بلادنا الجميلة، إن حصر الموضوع بالاستبداد والديموقراطية غير بريء، لأنه يُنتج "حرية كثيرة وقليلًا من الديموقراطية" على حدّ قول سليم الحص.

الحرية في هذه الحالة، هي حرية تناحر الجماعات، لكي تعود أكثرياتها إلى الاستبداد من جديد. في ظل التركيب الاجتماعي للجماعات القرابيّة في بلادنا الجميلة، الديموقراطية هي "تنصيب" الجماعة القرابيّة الأكثر عددًا على الجماعة أو الجماعات الأضعف، فهي عملية استيلاد دكتاتوريةٍ من نوعٍ جديد. وفي أحسن الأحوال، هي ديموقراطية مشاركةٍ على الطريقة اللبنانية أو العراقية. وفي كلتي الحالتين، ترجمتُها الفعلية على الأرض هي صراعاتٌ لا تنتهي، "فوضى خلّاقة"، ودولٌ "كسيحة" لا مفرّ من "الخارج" لإدارتها... وهنا بيت القصيد.

في معرض تقويمه لنتائج الثورة العربية، يقول نصري الصايغ في "السفير":

"رأس المخاطر، إقامة «معسكر ديموقراطي» بوجوهٍ طائفيةٍ وإثنيةٍ وقبَليةٍ، لا يكون لها ثقلٌ إقليميٌ ولا حيثيةٌ خارجيةٌ، يقودك هذا الخوف إلى لبنان. خطر انزلاق الحريّة إلى الجماعات لا إلى الأفراد. تنشأ ديموقراطيات على الطريقة اللبنانية، تُعطّل مسار الحرية وتخلق دولاً كسيحة، لا مفر من الخارج في إدارة شؤونها الداخلية، ولا مفرّ كذلك من الامتثال لإملاءاته في الشؤون الخارجية... والخارج هنا، غربٌ لا ضمير له، ولا مبادئ."

الديموقراطية بغياب المواطن الفرد وفي ظل دولة الجماعة، تقود حكمًا الى "الفوضى الخلّاقة"، التي تعني تنازعًا دائمًا على السلطة، يمنع الاستقرار والتطوّر، ويشغل الأفرقاء عن الإمبراطورية المتربّصة بهم وبثرواتهم وعن ربيبتها إسرائيل. الفوضى لنا، والخلّاقة لها. هي بالطبع خلّاقة، لأنها تضمن تفتيت وتشظّي مجتمعنا، ومصالح الإمبراطورية في آن. طرح الديموقراطية بدون التطرّق إلى هويّة الدولة، هو إذًا طرحٌ غير بريء، يستهدف الاستقرار في بلادنا وخلق حالاتٍ من التوتّر الدائم بين الجماعات، هو الفوضى الخلّاقة، يستوجب تدخّل طرفٍ خارجي ليؤدّي دور الحَكَم الدائم، وذلك بعد أن يكون هذا الطرف قد سبق وأدّى "واجبه الإنساني" في الدفاع عن "المدنيين" وحقوق الإنسان.

خلّاقة لأنها تثير نزاعاتٍ أهليةٍ، تقود "حتمًا" إلى التعرّض إلى "حقوق الإنسان"، ممّا يبرّر للإمبراطورية التدخّل "الإنساني"، تمامًا كما أُعدّ له وجرى في ليبيا، وسوف يجري غدًا – أغلب الظن – في غيرها.
تدخّلٌ إنسانيٌ يُنظّم ما بعده من اقتصادٍ وسياسةٍ وإعادة إعمارٍ، وخصوصا بـ"مُدخلات" اقتصاد الدول الناشئة.

أيُّ مطلعٍ على خلفيّات صنع القرار الأميركي يعرف مدى أهمية مصلحة الشعوب فيه، وأيَّ وزنٍ يقيمه لها، ومن السذاجة تصديقه في دعمه لها، لا سيما إذا ما دقّقنا في البلاد التي "يدعم" الحرية فيها. ومما يؤكّد شكوكنا في خطّة الإمبراطورية هو استنسابيتها في الديموقراطية. فلو تابعنا خطّ التدخّل "الإنساني" الأميركي، لوجدنا أنه يقتصر على العراق وليبيا والسودان ومصر وتونس ولبنان وفلسطين وسوريا. فهي "لا ترمي وردة" على حلفائها الخليجيين "المحتاجين" – برأيي – إلى الديموقراطية أكثر من غيرهم، وبشكلٍ عاجل، إلا إذا كانت تُحيّدهم تكتيكيًا ومؤقّتًا، حتًّى تعود إليهم بعد أكل الثور الأبيض.

التركيز على الديموقراطية، وبهذه الشروط، هو لأنها تزيد التفتّت و"الفوضى" في مضارب القرابة...

فأيُّ ديموقراطية بدون مواطنة، وبدون دولة القانون؟ فهل أعطت الديموقراطية، وحدها، في لبنان – مثلًا – دولة؟ وهل أدّت لغير المزيد من التفتّت والحروب وهجرة خيرة شبابه؟ وهل ألغت الاستبداد أم وزّعته على المضارب القرابيّة التي تُدعى طوائف؟ وهل حمت السيادة الوطنية؟ وهل ضمنت استقلال اقتصاده؟

ماذا أعطت الديموقراطية في العراق؟ فهل بنت الدولة الموعودة؟ وهل قادت إلى الدولة الوطنية الواحدة؟
لماذا حضّ الأميركي الجزائريين ثم الفلسطينيين على الديموقراطية ولمّا ربح الاسلاميون رفضها؟ فهل كان يجهل ميزان القوى يومها؟ أم أنه يعرفه تمامًا، وبسبب ذلك دفع إليها؟

الديموقراطية في الجزائر أغرقتها في حربٍ أهليةٍ استمرّت لسنوات، أما في فلسطين فقد قسمت نصف الشعب الباقي إلى ربعين، والسودان إلى فسطاطين، وحوّلت العراق إلى كوكبةٍ من "الأطياف"، ولبنان إلى ساحةٍ لا تُحكم ولا تُدار... والحبل على الجرّار. فقط إسرائيل هي من يستفيد من هذا المشهد، من الفوضى "الخلّاقة" لها طبعًا.

يتهيّأ لي أن أميركا، بشعاراتٍ أشرفت هي على إعدادها والترويج لها، وهي شعارات تدغدغ مُخيّلة جيل الشباب خاصةً، فتقحمه في المعركة، مزيّنةً له إمكان الانتقال الى العصر الحديث، تريد أن تلعب على المستوى العربي ككل، الدور الذي سبق وأن جرّبته مع النظام السوري في لبنان، أثناء ما عُرف بفترة الوصاية.

الفوضى الخلّاقة تخلق دولاً "كسيحة"، لا تُدار إلا من الخارج. وأن الخارج هنا، وهو المركز الإمبراطوري المتأزّم، الذي يسعى إلى النزال مع الدول الناشئة، الصاعدة على حسابه، هو الوصاية الجديدة. دليلنا على ذلك مفارقةٌ فائقة الأهمية:

لاحظوا من هي الدول التي تعارض التدخّل "الإنساني" في سوريا، والممانِعة للتدخّل الغربي بشكلٍ عام في العالم العربي، يا للصدفة، إنها الدول الناشئة نفسها، التي تُهدّد الاقتصاد الأميركي ومركز الإمبراطورية... إنها الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا... جواب الرعيّة على الراعي، كما يقول المثل الفرنسي.

الوصاية الجديدة تستهدف إذًا إبعاد الدول الناشئة عن منطقة الشرق الأوسط، كما تستهدف التوصّل إلى العائد المأمول من مجموع ما استثمرته "في "الديموقراطية" في بلادنا، حيث تُقدّر أكلاف إعادة إعمار العراق وحده بـ 3.5 تريليون دولار.

في مقابلةٍ مع تلفزيون الجزيرة بتاريخ 03/09/2011، قال الدبلوماسي الأميركي جيفري فيلتمان، ردًا على سؤال "ألا تخشون عودة التطرّف الإسلامي إلى الربيع العربي"، قال:

"طالما أن الجميع متّفقٌ على قوانين اللعبة، على الديموقراطية، فنحن لا نخشى شيئًا."

يقول أحد الأصدقاء أن الديموقراطية قد تكون وسيلةً أميركية لزرع الأزمة في النظام الصيني، الذي يعاني من التناقض بين نسقه الاقتصادي ونسقه السياسي. فهي وسيلةٌ إذا نجحت، يمكنها أن تودي بالصين تمامًا، كما جرى مع الاتحاد السوفياتي.

6- دور الشـبـاب الـتـقـدّمـي فـي اسـتـرجـاع الـربـيـع الـعـربـي

رهان الوصاية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط هو تسلُّم إعادة الإعمار والهيمنة على السوق وعلى المواد الأوّلية، استغلال الفوضى الناتجة عن ديموقراطية الجماعات القرابيّة وتحويلها إلى "خلّاقة" لبيع المزيد من السلاح، وإجبار الدول التي تملك الفوائض المالية على الاستثمار في سندات الخزينة الأميركية الخطرة وغير المجزية، فقط لتمويل العجز الأسطوري الأميركي.

وكان الرهان أيضًا على إحكام المنطقة، وسدّ أيّة منافذٍ قد تستخدمها الدول الناشئة للنفاذ إليها. فالوصاية الجديدة تريد حلًّا على حساب المنطقة لأزمتها المالية المستعصية، كما تريد استخدام المنطقة كدرع، واستخدام نفطها كسلاحٍ تشهره بوجه الدول الناشئة، التي سوف تتزايد احتياجاتها إليه يومًا بعد يوم.

لو كان الأميركيون صادقين في نواياهم بمساعدتنا على التحرّر من الاستبداد فعلًا، كما يتوهّم بعضنا، وأن ثمّة "التقاء مصالح" لم أره، فلماذا الاقتصار على الديموقراطية؟ التحرّر من الاستبداد فعلًا يمرّ بالدولة العلمانية ودولة القانون، فهي التي تتيح قيام الديموقراطية فعلًا لا قولًا، ديموقراطية المواطن لا الجماعة، ويمرّ بدولة جغرافيا، وهي الدولة "العيّيشة" (أي القابلة فعلًا للحياة، سياسيًا واقتصاديًا، بخلاف دول سايكس بيكو، الوظيفية والمفصّلة على قياس الطوائف القرابيّة، المانعة "للذوبان في المساحات الكبيرة")، وكذلك يمرّ بالدولة الوطنية التي تدافع عن حدود الجغرافيا العيّيشة هذه لتصدّ النوايا والأطماع العدوانية والمشاريع التوسعية والاحتلالية للعدو الاسرائيلي.

التحرّر من الاستبداد فعلًا يمرّ بِفكّ العلاقة التابعة للمستبدّ الكبير، الذي يُثبّت هو المستبدَّ المحلي. فمن الذي ثبّت آل سعود – مثلًا – في شبه الجزيرة العربية على حساب آل الرشيد والهاشميين في أوائل القرن العشرين؟ ومن الذي ثبّت "النظام السوري" في لبنان، ومن أخرجه؟
ولماذا نسيان دولة العدالة والاقتصاد المستقل وحماية الثروات الوطنية؟

على ذكر الجغرافيا، تجدر الإشارة إلى أن آل الرشيد، خصوم آل سعود، وحدهم قد بنوا، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، دولة حائل، التي تعادل مساحتها ثلاثًا إلى أربعِ دولٍ من النوع الموجود حاليًا، وقد ضمّت هذه الدولة، بين 1850 و1902، المناطق ما بين جنوب دمشق وشمال نجران قرب اليمن، وما بين حدود الحجاز حتى نجد.

نحن علينا بديموقراطية الجماعات فقط، وفي دولٍ غير قابلةٍ للحياة، حدودها "دولية"، وهم يبنون كل يومٍ التجمّعات الجغرافية الكبرى. فرنسا، بأمّها وأبيها، لم تعد "عيّيشة" بدون أوروبا... أما قطر آل ثاني، فهي عندنا دولةٌ عظمى، لا تتناول هيلاري كلينتون الغذاء أو العشاء من دون وزير خارجيتها، وذلك لتستزيد من علمه، ولبنان أولًا، "بلاد الأرز"، "الضارب في التاريخ"، الذي لا يُنهي حربًا أهلية إلا بعد أن يكون قد حضّر للحرب المقبلة، كِلتا حدودهما "دولية"، لا تُمسّ.

نحن علينا بديموقراطية العشائر فقط، وضد المستبدّ "الداخلي"، أما المستبدّ الخارجي، الذي يعمل الداخلي كـ"مقاطعجي" في إمبراطوريته، "فكيف بدّي قلّك، ما لك عين تقول له شيء، لأنه صار معنا في نفس الخندق"، بالإذن من زياد الرحباني.

المؤسف في هكذا وضع بالنسبة إلى تقدّميين مثلنا، أن ضعفنا وضعنا أمام خيارين، أحلاهما مُرّ:

استبداد ذوي القربى، أو التفتيت لمصلحة الأميركي في معركته مع منافسيه للحفاظ على دوره المركزي في الرأسمالية العالمية.

تقف وراء الربيع العربي، برأيي، شريحتان؛ واحدة متحالفة مع الإمبراطورية وتُنفّذ سياساتها، وأخرى تقدّمية وليبرالية شبابية صادقة تسعى فعلًا إلى التقدّم. لكن الشريحة الثانية لم تُوفّق، كما أرى، عندما قبلت السير بشعار الديموقراطية وحسب. إنه شعارٌ ملغوم. وعليها أن تستعيد الثورة المُصادرة عبر طرح الشعارات وفق تراتبٍ يناسبها ويناسب شعوبنا:

دولةٌ، القانون دينها، المواطنة عمادها، والديموقراطية شكل حكمها.

دولةٌ وطنيةٌ تحمي حدودها العيّيشة، وتحمي ثرواتها وتوزّعها بشكلٍ عادل.

فهكذا، وهكذا فقط، يمكنها أن تحمي ظهرها من الطعن الغادر، وسيغنيها ذلك عن إهداء نضالاتها مجّانًا إلى من يسعى إلى أغراضه، لا أغراضها.

تعالوا نبني حلمًا لنا، بدل الانخراط في لعبة الأميركيين القاتلة، بدل جرّ الشباب إلى اليأس والفشل...
تعالوا نستفيد من صراع الكبار، من أجل أن ندلّ شعوبنا إلى طريقٍ ممكنةٍ، تتيح لها الارتفاع إلى مصاف الأمم، ببناء دولتها هي، الدولة الوطنية "العيّيشة"، التي تُنهي حفلة الزجل القائمة حاليًا بين الحرية والمقاومة، الدولة التي تدافع عن حدودها، وتدافع أيضًا عن حقوقها في ثرواتها، وعن توزيعها العادل، دولة المواطنة والقانون فالديموقراطية. ذلك أن لا ديموقراطية بدون مواطنة، ولا مواطنة بدون قانون، ولا قانون ولا ديموقراطية ولا دولة اصلًا بدون دولةٍ وطنيةٍ تحمي حدودها وثرواتها.

2019.09.25

(*) نشر هذا المقال عام 2011 وتعيد "ميسلون" نشرة لأهميته واستشرافيته.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. ناهض حتر الرفيق الإنسان
    25 أيلول 2019
  2. لـمـاذا يـريـدون الـديـمـوقـراطـيـة (*)
    24 أيلول 2019
  3. وعقدنا العزم على إصدار "ميسلون"..
    16 أيلول 2019
  4. ناهض حتر في ذكرى استشهاده
    25 أيلول 2017
  5. رسالة إلى رفيق عزيز
    14 حزيران 2017
  6. المقاومة الفلسطينية في سياقها التاريخي
    07 آذار 2017
  7. وهم القوة السياسية العابرة للطوائف
    24 كانون2 2017
  8. ماذا تنفع عملية فادي قنبر؟
    09 كانون2 2017
  9. في الخط الثالث
    14 كانون1 2016
  10. من قتل ناهض حتر؟!
    03 تشرين1 2016
  11. المنطقة الشرقية هدف الغارة؟!
    19 أيلول 2016
  12. ماذا يريد الحزب الشيوعي اللبناني؟
    29 آب 2016
  13. المدن التابعة مصنع النخب التابعة
    23 آب 2016
  14. نصر تموز باقٍ ويتمدد
    14 آب 2016
  15. حلب: معركة العرب جميعهم
    07 آب 2016
  16. تركيا أمام تحدي الانعطافة
    25 تموز 2016
  17. ثورة 23 يوليو: على جدول أعمال الراهن العربي
    23 تموز 2016
  18. درس بغداد !
    03 تموز 2016
  19. أمين المعلوف يحقق حلمه!
    18 حزيران 2016
  20. حزب الله أمام سؤال السلطة في لبنان؟
    11 حزيران 2016
  21. داعش حجر رئيس في الشطرنج الأمريكي
    25 شباط 2016
  22. المارد السنّي
    16 شباط 2016
  23. دول الصعود في عقل الرأسمالية المالية الآفلة
    09 شباط 2016