22 تشرين2 2019
http://maysaloon.news/

روبير بشعلاني

راهنية المشروع الناصري؟!

روبير بشعلاني

لا شك أن الاحتفالات التي تجري كل عام في ذكرى ثورة يوليو أو ميلاد ناصر هي من نوع صلاة الاستسقاء التي تعبر عن رغبة دفينة بالحاجة إلى هذا المشروع. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة:هو: هل هذا التمني واقعي؟ وهل ما يزال المشروع الناصري راهناً وصالحاً لتحديات الأمة العربية اليوم؟

إن سؤالاً من هذا النوع يستوجب إعادة قراءة المشروع من جهة، وإعادة تحديد التحديات التاريخية التي تواجهنا حالياً من جهة أخرى.

حمل عبد الناصر همّ الوحدة العربية، ففهم التيار القومي العربي أنه صاحب مشروع قومي لإعادة توحيد العرب المتشرذمين ظناً منهم أن التجزئة هي الأداة الرئيسة للهيمنة الاستعمارية. قام عبد الناصر بالتأميم والإصلاح الزراعي وأقر مجانية التعليم وشرع بالتصنيع فظن الماركسي أنه صاحب مشروع اشتراكي (غير جذري برأيهم، لكن اشتراكي)، ظناً منهم أن الهيمنة قد غيرت علاقات الإنتاج المحلية وجعلتها رأسمالية تابعة تختصر هيمنته. قام عبد الناصر بمحاربة "إسرائيل" فظن أصحاب نظرية البوصلة بأنه صاحب نظرية البوصلة، ظناً منهم أن الاحتلال "الإسرائيلي" هو مرتكز الهيمنة الأساسي. حارب ناصر "الرجعية العربية" فظن البعض أنه ربما شرد عن القضية الأساس وزاح عن الموضوع أو في أحسن الأحوال تم جرّه إلى هذا المستنقع، لاعتقاد قسم منهم أنه صراع عربي-عربي. تكلم عن الدستور وبناء مؤسسات الدولة فظن البعض أنه ليبرالي التوجه يحلم ببناء ديمقراطية لكن الطاقم العسكري وأصوله العسكرية منعاه من إتمام المهمة، اعتقاداً منهم أن المشكلة الأساس هي تخلف الدولة العربية وطابعها الاستبدادي. تكلم ناصر عن دوائر ثلاث وعمل على تشكيل جبهة تحرر للشعوب المضطهدة فظن التحرري أنه كان عالمثالثياً حصرياً. بالمختصر لقد تم تقزيم المشروع الناصري من قبل كل تيار فكري سياسي عربي حتى يتلاءم مع ثوبه وفكره الخاص، أو حتى يصبح على مقاس فكره ومشروعه ورؤيته لطبيعة الصراع. فإذا كانت قومية فناصر قومي، وإذا كانت طبيعة الصراع اجتماعية فناصر اشتراكي، وإذا كانت وطنية فناصر فهم أولوية البوصلة، وإذا كانت ليبرالية وإصلاحية فمشروع ناصر ديمقراطي عصري للدولة، إلخ.

لم تنتبه هذه التيارات ربما إلى أن ما طرحه ناصر ليس إلا ترجمات وتعبيرات عن مشروع واحد، هو بدوره انعكاس لرؤيته وفهمه لطبيعة الصراع. هو مشروع واحد بالواقع يضم كل هذه الأوجه التي لا يمكن فصلها الواحدة عن الأخرى لأنها ببساطة تفقد المشروع روحه الخلاقة وتماسكه ووحدته. لقد انطلق جمال عبد الناصر، برأيي، من جوهر الصراع وهو الصراع مع الاستعمار بشكليه القديم والحديث، مع الاستعمار المباشر، الخشن، الاحتلالي، العسكري وكذلك مع الاستعمار غير المباشر، الناعم، غير المرئي والاقتصادي. ولهذا فهو أدرك أن الاستعمار هذا قد بنى في منطقتنا منظومة هيمنة مركبة من التجزئة (الوجه القومي) والكيان الفاصل الردعي (البوصلة أو المخفر الإمبريالي)، ومن كيانات-أفخاخ للاجتماع العربي (نواطير قرابية أطلق عليها وصف الرجعية العربية)، ومن سوق مجزأة ومجوفة من الإنتاج حتى تستقبل بضائع الغرب الاستعماري (الدكان) وذلك من أجل منع نشوء دولة حقيقية مستقلة وقادرة وتيسيراً لنهب الثروات دون مقاومة فاعلة. ولأنه أدرك جوهر الصراع هذا، ولأنه أدرك أن الاستعمار منظومة متكاملة تستوجب وحدة وترابط المعركة التحررية فقد عمل على مواجهتها في كل جبهاتها وفِي آن معاً.

فما ورد أعلاه لم يكن سلسلة من المعارك المنفصلة بل معركة واحدة بجبهات متعددة. لذلك كان ناصر قومياً بقدر ما كان اشتراكياً وبقدر ما كان معادياً للرجعية العربية وبقدر ما كان مع كسر الكيان المخفري الأجنبي وبقدر ما كان تحرريا عالمياً (باندونغ وحركة عدم الانحياز والدوائر الثلاث). ذلك أن ما يوحد كل معاركه اشتراكها في تمثيل وجوه الاستعمار الغربي وتجلياته العملية. فالمشروع عند جمال عبدالناصر ينطلق من تحديد طبيعة الصراع وتعيين العدو الأساس. الباقي ليس إلا "أثراً من آثار الاستعمار" كما كان يحلو له أن يقول.

من هنا فإن فهم كنه المشروع الناصري ليس ممكناً إذا ما قمنا بتجزئته إلى فصول وعزلنا فصوله عن إشكاليته الرئيسة: الاستعمار والهيمنة.

على أي حال هزم هذا المشروع في عام ١٩٦٧. فشل في تحقيق مهامه كما يحلو للبعض أن يقول. وجرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك الوقت. فهل بقي المشروع؟ هل ما يزال راهناً؟ الجواب هو أنه إذا لم يعد الاستعمار موجوداً في بلادنا، وإذا توقف النهب الغربي لثرواتنا ومواردنا، إذا أصبحنا اليوم بصراع طبيعته مختلفة عن أيام ناصر، أي أننا أصبحنا أحراراً ونمتلك ثرواتنا ومواردنا، فالمشروع الناصري نعم لم يعد صالحاً. لو نجحت الكيانات "النهائية" التي خلقها لنا الاستعمار كأفخاخ حروب أهلية تفتيتية لاحقة في تثبيت نهائيتها وأمنها واقتصادها وفي تثبيت "دولتها"، وفي دحض أهمية الوحدة لبناء دولة حقيقية قابلة للعيش، نعم يكون المشروع الناصري قد انتهى. لو أن ما جرى منذ هزيمة المشروع الناصري كان من طبيعة إيجابية لمصلحة شعوبنا، لو لم نعد أسواقاً لبضائع الغرب، لو طارت "إسرائيل"، لو صارت ثرواتنا ومواردنا ملكنا، نعم، لكان المشروع الناصري قد صار تراثاً وذكرى.

غير أن النظر إلى أحوالنا اليوم وبعد هزيمة المشروع الناصري في الدولة الصاعدة لا يشير بالواقع إلى نجاحات حققتها شعوبنا لا في مجال بناء الدولة ولا في تأمين معاشها ولا في تأمين وجودها ولا في رتق اجتماعها الفسيفسائي. فلا تقدمنا في مجال الدولة "النهائية"، بل تعرضت هذه الدولة نفسها إلى ارتجاجات وتفسخات تقودنا حالياً نحو مستقبل مجهول وشديد الخطر، ولا سجلنا تقدماً في المجال الاقتصادي يتيح لنا امتصاص البركان الديموغرافي الذي نشأ بين السبعينات واليوم، ولا سجلنا تقدماً يتيح لنا تأمين أمننا الغذائي والمائي. بالعكس.

وصحيح أننا سجلنا تقدماً في شل الدور الردعي للعدو الصهيوني بفضل كوكبة من المقاومين، لكننا لم نتمكن حتى الآن من اقتلاع دوره الفاصل لوحدة جغرافيا الدولة. بالإضافة إلى ذلك، علينا أن نعترف بنسبة التراجع التي شهدناها في المجال الاجتماعي، حيث بدلاً من الميل الى التحاق الجماعات الإثنية والقرابية في مشروع المواطنية والدولة أخذت هذه الجماعات اليوم ميل التشظي والتفتيت والذهاب باتجاه بناء دول انعزالية جديدة غير قابلة للحياة. فالذي كان غير ممكن الحدوث أثناء بناء دولة المشروع الناصري صار اليوم بالعكس هو القاعدة. فبدلاً من بناء الدولة راح الاجتماع نحو التفكك والتذرر إلى وحداته "الطبيعية" الأولى.

إن غياب المشروع الناصري لم يكن إذاً غياباً مباركاً لشعبنا العربي ولم يقدنا إلى كسر الهيمنة والتحرر من أسر منظومة النهب وبناء دولتنا المتقدمة وأمننا القومي مقابل "الفراغ العربي". ما زلنا إذاً في مرحلة التحرر الوطني ولم يزدنا غياب المشروع الناصري إلا حاجة به لكي نستأنف عملية تحررنا. فإذا كان المشروع الناصري قد انهزم لأنه وقع يومها على عدو أقوى وشديد التماسك، فإن شروط نجاحه اليوم أصبحت أكثر توافراً وواقعية بفضل الظروف العالمية الجديدة التي أصابت هذا العدو بالضعف والوهن وجعلته يميل نحو الانحدار والاضمحلال نتيجة نضال ونجاحات الشعوب المضطهدة التي انتقل بعضها إلى بناء دولته الصاعدة والمستقلة.

التحديات التي واجهها المشروع الناصري ما تزال هي هي، ولذلك فإن هذا المشروع، بفهمه لطبيعة الصراع ولمرتكزات منظومة النهب وللتناقض الرئيسي، ليس فقط راهناً من الناحية التاريخية، بل هو الأداة الوحيدة التي تتيح لحركة التحرر العربية أن تنجح أخيراً في بناء دولة حقيقية قابلة للعيش وقادرة على تحقيق أمنها وتوفير سبل عيشها.

2019.10.22

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. راهنية المشروع الناصري؟!
    22 تشرين1 2019
  2. في الطائفة والنقابة والقرابة
    11 تشرين1 2019
  3. ناهض حتر الرفيق الإنسان
    25 أيلول 2019
  4. لـمـاذا يـريـدون الـديـمـوقـراطـيـة (*)
    24 أيلول 2019
  5. وعقدنا العزم على إصدار "ميسلون"..
    16 أيلول 2019
  6. ناهض حتر في ذكرى استشهاده
    25 أيلول 2017
  7. رسالة إلى رفيق عزيز
    14 حزيران 2017
  8. المقاومة الفلسطينية في سياقها التاريخي
    07 آذار 2017
  9. وهم القوة السياسية العابرة للطوائف
    24 كانون2 2017
  10. ماذا تنفع عملية فادي قنبر؟
    09 كانون2 2017
  11. في الخط الثالث
    14 كانون1 2016
  12. من قتل ناهض حتر؟!
    03 تشرين1 2016
  13. المنطقة الشرقية هدف الغارة؟!
    19 أيلول 2016
  14. ماذا يريد الحزب الشيوعي اللبناني؟
    29 آب 2016
  15. المدن التابعة مصنع النخب التابعة
    23 آب 2016
  16. نصر تموز باقٍ ويتمدد
    14 آب 2016
  17. حلب: معركة العرب جميعهم
    07 آب 2016
  18. تركيا أمام تحدي الانعطافة
    25 تموز 2016
  19. ثورة 23 يوليو: على جدول أعمال الراهن العربي
    23 تموز 2016
  20. درس بغداد !
    03 تموز 2016
  21. أمين المعلوف يحقق حلمه!
    18 حزيران 2016
  22. حزب الله أمام سؤال السلطة في لبنان؟
    11 حزيران 2016
  23. داعش حجر رئيس في الشطرنج الأمريكي
    25 شباط 2016
  24. المارد السنّي
    16 شباط 2016
  25. دول الصعود في عقل الرأسمالية المالية الآفلة
    09 شباط 2016