19 نيسان 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

لقاءٌ مع نجيب محفوظ

أعودُ إلى ب. ثيرو والقاهرة ، حيث كان رايموند سْتوكْ Raymond Stock كاتبُ سيرة نجيب محفوظ يرافقه .

يقول ب. ثيرو :

في مايو 1994 ، كان نجيب محفوظ في العناية الفائقة ، بعد أن طعنه في العنق ، متطرفٌ إسلاميٌّ .

لم يكن من المتوقّع تعافي محفوظ من الطعنة ، إلاّ أنه تعافى .الجرح اندملَ ، وشُفِيَ من الضرر العصبيّ. بل استأنفَ الكتابةَ .

قال رايموند : لديه ما يشبه الصالون.

قلت : أريد أن أرى محفوظ ثانيةً .

قال: قد يكون ، الليلةَ ، في مكانٍ ٍما .

للقاهرة ثقافةٌ أدبيةٌ عريقة ، فيها جماعات وصالونات . عرف رايموند هاتفيّاً أن محفوظ سيكون ، الليلةَ ،

في وقتٍ معيّنٍ ، في فندقٍ ما ، بأحد الأحياءِ قريباً من النيل .

وصلْنا المكان آنَ وصولِ محفوظ ، الذي كان بين اثنَين يقودانه ، إلى ردهة في الأعلى ، لأنه كان ضعيفاً ، شبه أعمى ، فاقدَ السمع تقريباً .

كان شاحباً ، يعاني من السكّريّ ، لكنه أفضل صحّةً ممّا رأيته ، آخر مرةٍ ،حين كان ممدّداً في المستشفى العسكريّ .

يبدو محفوظ مثل رئيس دولة . مرتدياً معطفاً ثقيلاً بسبب بردِ فبراير في ليل القاهرة .

قال حين امتدحتُ شفاءه من الطعنة : أنا أُحِسُّ بأني أفضلُ الآن .

قبّلَ محفوظ رايموند على الطريقة المصرية ، وبحَثَ عن يدي ليصافحني .

ثم جلس على أريكة حمراء فاقعة ، وافتتحَ مجلسَه . كان مجلساً صامتاً ، لأنه لم يقُلْ شيئاً .

كانوا يتناوبون على الجلوس جنبَه ، هامسين في أذنه اليسرى . تحدّثوا فرداً فرداً معه ، ودخلوا في نقاشٍ، وقرأوا ممّا كانوا نشروه مؤخراً . أمّا محفوظ فقد ظلّ ، صامتاً ببساطة ، يدخن السجائر ، ويبدو شبيهاً بأبو الهول .

ثم جاء الحديث عن قصف الطيران الأميركي ، العراق .

هنا ، غمغمَ محفوظ ، جملةً بالعربية ، ثم ضحكَ ، وأشعلَ سجارةً أخرى .

رايموند ترجمَ لي : يقول إن الهجوم على العراق ، مثل الهجوم العشوائي في رواية " الغريب " لكامو.

وصلَ أناسٌ جُددٌ : كُتّابٌ من الإسكندرية ، صحافيٌّ فرنسيّ ، سيّدة ألمانيّةٌ ، وكاتبٌ اسمه علي سالم .

ثم تحدثَ شخصٌ عن وضع الكتابة في العالَم العربي ، قالَ :

"قُدِّمت جائزة نوبل إلى نجيب محفوظ ، وهذا اعترافٌ . وعندما نال ماركيز الجائزةَ ، بادرَ كثيرٌ من كُتّاب أميركا اللاتينية إلى تأليف كتُبٍ جديدة ونشرِها . لكنْ ماذا حدثَ في العالَم العربي ؟ أين الأدب العربي ؟

لا شيء! " .

نجيب محفوظ سمع اسمَه يتردّد ، لكنه لم يُبْدِ اهتماماً . ظل صامتاً .

وبصوتٍ أعلى تابع الرجلُ كلامه :

نجيب محفوظ نال جائزة نوبل ، للمرة الأولى والأخيرة ، للأدب العربي ، لقد فازَ بها لكل العرب . لكنْ لن ينالَ عربيٌّ آخرُ الجائزةَ . لِمَ لم يحظَ الأدب العربي بالإعتراف ؟

( صار الرجل ينظر إليّ شزراً الآن )

لأنها مؤامرةٌ من الغرب !

هكذا ، إذاً ، صرتُ أنا ، الغربَ . حسناً إن كان هذا يجعل الناسَ هنا ، يواصلون الكلام . إذ لا شيءَ يكشف عقلية الشخص مثل عقليته وهو غاضبٌ .

*

غيّرتُ مجرى الحديث إلى " النوبة " ، وسألته عن رأيه في الرأي القائلِ بأن حضارةً نشأتْ في أعالي النيل ، هي آتيةٌ من شرقيّ إفريقيا ووسطِها ، عبرَ النوبة وكوش ، لإغناءِ مصرَ .

قال محفوظ : المصريون حكموا النوبة ، ثم قام النوبيون بدورهم وحكموا مصر .

سألته : هل النوبيّون هم الشعب الفرعوني الأصيل ، كما يُدّعى أحياناً ؟

قال محفوظ : الكل يسأل هذا السؤال ، النوبيّون بخاصّة .

*

حين بدأتُ أمهِّدُ لمغادرتي ، قال لي رايموند إن نجيب محفوظ يسأل عن وجهة سفري .

قلتُ : إلى النوبة .

قال محفوظ شيئاً بالعربية ، ترجَـمَتُه :

النوبة هي أرض الذهب .

نُوْبْ معناها الذهب .

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016