20 آب 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

ساعات غيفارا الأخيرة

ترجمة وإعداد : سعدي يوسف

" هذه المادة منتقاةٌ من وثائق سريّة للغاية أُفرِجَ عنها مؤخّراً في الولايات المتحدة الأميركيّة "

س. ي

8 تشرين أوّل ( أكتوبر ) 1967

تلقّت القوّات معلوماتٍ تفيد بتواجد مجموعة من الأنصار عددُها 17 في وادي جورو . دخل الجنودُ المنطقةَ وواجهوا مجموعةً من ستة أنصار إلى ثمانية . فتح الجنود النار وقتلوا كوبيّينِ اثنين :؛ أنتونيو وأرتورو . حاولَ رامون ( غيفارا ) ، و وِيلي ، الإفلاتَ باتجاه قسم الهاون ، حيث جُرِح غيفارا في أسفل ربلة ساقِه.

8 تشرين أوّل 1967

أبلغتْ فلاّحةٌ ، الجيشَ ، أنها سمعتْ أصواتاً على امتداد ضفتَي اليورو قرب البقعة التي يجري فيها بمحاذاة نهر سانت أنتونيو . و لا يُعرَف ما إذا كانت هذه المرأة هي التي صادفَها الأنصارُ سابقاً .

في الصباح ، تموضعتْ عدّة سرايا من " الرينجرز " في منطقة أنصار غيفارا ، واتخذتْ لها مواقع في الوادي نفسه ، في كبرا دل يورو .

حواتلي الثانتية عشرة بعد الظهر : وحدةٌ من فرقة الجنرال برادو ، كل أفرادها تخرّجوا حديثاً في معسكر تدريب القوات الخاصة الأميركي ، اشتبكتْ مع الأنصار ، قتلتْ اثنين ، وجرحتْ كثيرين .

الواحدة والنصف بعد الظهر : بدأتْ معركة شَي الأخيرة في كبرادا دل ريو . سيمون كوبا ( وِيلي ) سرابيا ، وهو عامل منجم بوليفي ، يقود مجموعة الثوّار . شَي خلفَه ، مصاباً في ساقه عدة إصابات . سرابيا يحمل شَي ، ويحاول إبعاده عن خطّ النار. إطلاقُ النار يستأنَف . وتسقط بيريّةُ شَي عن رأسه . يُجلِسُ سرابيا شَي على الأرض ، كي يتمكن من الردّ على النيران . كان محاصَراً ضمن أقل من عشر ياردات . فأخذ الرينجرز يركِّزون نيرانَهم عليه ، واخترقَه رصاصٌ كثيرٌ . حاولَ شَي مواصلةَ إطلاق النار ، لكنه لم يستطع استخدام بندقيّته بيدٍ واحدةٍ . أصيبَ ثانيةً في ساقه اليسرى ، وسقطتْ بندقيته من يده ، واختُرِقتْ ذراعه .

وعندما اقتربَ منه جنديٌّ صاح به شَي : " لا تطلق النار. أنا شَي غيفارا . سِعري حيّاً أكثرُ من سِعري ميّتاً" .

انتهت المعركة حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر . أُخِذَ شَي أسيراً .

تدّعي مصادرُ أخرى أن سرابيا ألقي عليه القبض حيّاً ، وجيء به مع شَي ، حوالي الساعة الرابعة بعد الظهر أمام الكابتن برادو . أمرَ الكابتن برادو عامل اللاسلكي لديه بأن يتّصل بقيادة الفرقة في فير غرانده مبْلِغاً إيّاهم بأسر شَي . الرسالة المشفّرة كانت : " هلو ساتورنو ، لدينا باب ؟ "

Pap

ساتورنو هو رمز العقيد جواكان زنتانو ، آمر الفرقة ىالثامنة في الجيش البوليفي ، و Pap هو رمز شَي. لم يصدِّق العقيدُ النبأ ، فطلب من الكابتن برادو تأكيد البرقية . مع التأكيد ، غمرت الفرحةُ قيادة الفرقة . وبعث العقيد زنتانو برقية إلى الكابتن برادو يخبره فيها بضرورة إرسال شَي وأيّ أسرى آخرين ، فوراً ، إلى الهجيرا .

في فاله غرانده ، تلقّى فليكس رودريغز رسالةً باللاسلكي : Papa? casado

ومعناها : الأب متعَبٌ .

Pap?

رمزٌ للأجنبيّ ، أي ، شَي .

أمّا متعَبٌ ، فتعني أنه أسيرٌ أو جريحٌ .

*

أربعة جنود حملوا شَي ، ممدّداً على بطّانيّةٍ ، إلى الهجيرا ، على مبعدة سبعة كيلومترات ، أمّا سرابيا فقد أُرغِمَ على السير خلف شَي ، وقد أُوثِقتْ يداه إلى ظَهره . مع هبوط الظلام بالضبط ، وصلت المجموعة إلى الهجيرا ، وحُجِزَ الإثنان ، شَي وسرابيا ، في بيت مدرسةٍ ذي غرفة واحدة . في ما بَعدُ ، ليلاً ، جيء بخمسة ثوارٍ آخرين إلى المكان .

المراسلات العسكرية الرسمية تعلن كذِباً أن شَي قُتِلَ في اشتباكٍ جنوبيّ شرقيّ بوليفيا ، بينما تؤكد تقارير رسمية أخرى مقتل شَي ، معلنةً أن الجيش يحتفظ بجثمانه . إلا أن القيادة العليا للجيش لم تؤكد هذا التقرير .

9 تشرين أوّل 1967

والتْ روستو يرسل مذكرة إلى ( الرئيس الأميركي لندون جونسون ) يخبره بأن البوليفيّين قبضوا على شَي غيفارا ، وأن الوحدة البوليفية التي تولّت الأمر كانت من الوحدات التي درّبتْها الولايات المتحدة .

9 تشرين أوّل 1967 : الساعة السادسة والربع صباحاً :

فليكس رودريغز يصلُ بالهليكوبتر إلى الهجيرا مع العقيد جواكان زنتانو أنايا . رودريغز حملَ معه جهازَ إرسالٍ ميدانيّاً محمولاً ، قويّاً ، وآلةَ تصويرٍ ذات مَسْنَدٍ رباعيّ لتصوير المستنَدات . عاينَ ، بهدوءٍ ، الموضعَ ، في البيت المدرسيّ ، وسجّلَ ما يراه ، وقد وجدَ الحالةَ " فظيعةً " ، مع شَي ممدّداً في الوسخ ، يداه موثقتان إلى ظَهره ، وقدماه مربوطتان ، لِصقَ أجسادِ أصدقائه . كان يبدو مثل " قطعة زبالةٍ " بشَعره المتلبِّد ، وملابسه القذرة ، منتعِلاً قطعتَي جِلْدٍ باعتبارهما حذاءين . في إحدى المقابلات صرّح رودريغز قائلاً :

" أحسستُ بمشاعرَ مختلفة حين وصلتُ هنا لأوّل وهلةٍ . فهاهوذا الرجل المسؤول عن قتل كثيرٍ من أبناء بلدي . وبالرغم من هذا أحسستُ بالأسف عليه ، بسبب حالته المزرية " .

شغّلَ رودريغز جهازَ إرساله ، وبعث رسالةً مشفّرةً إلى محطة الـC.I.A

إمّا في البيرو أو البرازيل لتعيد إرسالها إلى المركز في لانغلِي . وشرع رودريغز يصوِّرُ يوميّات شَي والوثائق الأخرى المستولَى عليها . في ما بَعدُ ، أخذ رودريغز يقضي وقتاً في الحديث مع شَي . والتُقِطتْ لهما صورٌ معاً . الصور التي التقطَها رودريغز هي في عهدة وكالة المخابرات المركزية .

الساعة العاشرة قبل الظهر:

الضبّاط البوليفيّون يواجههم السؤال : ماذا سيصنعون بشَي ؟ إن مقاضاته مستبعَدةٌ ، لأن المحاكمة ستجعل العالَم يركِّز الإنتباه عليه ، ممّا يولِّدُ تعاطفاً مع شَي وكوبا . تقرَّرَ وجوبُ إعدام شَي فوراً ، لكنْ جرى الأتّفاقُ على أن الرواية الرسمية ستقول إنه توفِّيَ متأثراً بجراحه في المعركة . استقبلَ رودريغز مكالمةً من فاله غرانده تتضمّن أمراً من القيادة العليا بأن ينفِّذَ العمليّتين خمسمائة وستمائة . خمسمائة هو الرمز البوليفي لشَي ، وستمائة هو الأمر بقتله . أخبرَ رودريغز العقيد زنتانو بالأمر ، لكن أخبره أيضاً بأن الحكومة الأميركية أصدرتْ تعليماتِها إليه بإبقاء شَي حيّاً بأيّ ثمن . المخابرات المركزية والحكومة الأميركيّتان ، كانتا هيّأتا هليكوبترات وطائرات لنقل شَي إلى بنما ، لاستجوابه هناك . إلاّ أن العقيد زنتانو قال إن عليه تنفيذ أوامره هو . أمّا رودريغز فقد قرّر أن " يترك للتاريخ يأخذ مجراه " ، ويدع القضية في أيدي البوليفيّين .

يدرك رودريغز أنه لا يستطيع أن يتلبّثَ أكثرَ ، بعد أن أخبرتْه معلِّمة المدرسة أنها سمعتْ عبر مذياعِها خبرَ موتِ شَي . رودريغز يدخل غرفة المدْرسة ليخبر شَي بأوامر القيادة العليا البوليفية . شَي يفهم ويقول :

" أفضل أن يتمّ الأمر هكذا ... ما كان ينبغي أبداً أن يلقى عليّ القبضُ حيّاً " .

يسلِّمُ شَي ، رودريغز ، رسالةً إلى زوجته ، وإلى كاسترو ، يتعانق الإثنان ، ويغادرُ رودريغز الغرفةَ .

الضباط ذوو الرتَب العالية في الهجيرا ، كما أفادَ مصدرٌ واحدٌ ، كلّفوا بتنفيذ الأمر ، نوّابَ الضبّاط الذين اقترعوا على مَن سينفِّذُ الإعدامَ . قُبَيلَ الظُّهرِ تماماً ، استقرّت القُرعةُ على العريف خاييم تيرؤون . يذهب تيرون إلى المدرسة ليُعدِم شَي . تيرون يجد شَي ملتصقاً بالحائط ، ويسأله شَي أن ينتظر دقيقةً ليقف . يرتعب تيرون ويفرّ هارباً ، لكنّ العقيدَين سليج و زنتانو يأمرانه بالعودة . كان لا يزال يرتعد حين عاد إلى غرفة المدرسة ، ووجّهَ الرصاصَ ، بدون أن ينظر في وجه شَي ، إلى صدره وجنبِه .

جنودٌ آخرون كانوا يريدون أن يطلقوا النارَ أيضاً ، يدخلون الغرفة ويطلقون عليه النار .

جاء في رواية جون لي أندرسن أن العريف تيرون يتطوّع لرمي شَي . آخر ما قاله شَي لتيرون :

" أنا أعرف أنك جئتَ تقتلني . أطلِقْ . أنت ستقتلُ رجلاً فقط " .

تيرون يطلق النار على ذراعَي شَي وساقَيه ، ثم على زَورِه مالئاً رئتَيه دماً .

14 تشرين أوّل 1967 : ملحق رقم 3

ثلاثة من منتسبي الشرطة الإتحاديّة الأرجنتينيّة ، زاروا بدعوة من الحكومة البوليفية ، مقر القيادة العسكرية البوليفية في لاباز ، بُغْيةَ التعرّف على خط شَي غيفارا وبصمات أصابعه .

" عُرِضَتْ أمامهم حاويةٌ معدنٌ ، بها يدان مقطوعتان في محلولٍ ، هو الفورمالديهايد كما هو واضح " .

قارنَ الخبراءُ بصماتِ الأصابعِ مع تلك التي في السجلّ المدنيّ الأرجنتينيّ المرقّم

272-524-3

الخاص بغيفارا ، وكانت البصمات متطابقة.

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016