22 نيسان 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

رامبو في هَرَر

ترجمة:الشاعر سعدي يوسف

من كتاب بول ثيرو Paul Theroux

سِفارٌ في النجمِ الأسود Dark Star Safari

كانت هَرَر ، موقعَ حكايةٍ صغيرةٍ غريبةٍ ، كأنها ضمن كتاب بورخيس Ficciones ، حكاية بإمكاننا أن نسمِّيها " المنفى " .

ما دامت الوحدة وضعاً بشريّاً ، فإن المثال الصارخ للغريب الكامل هو الرجل الأبيض في إفريقيا السوداء ، وحيداً في موضعه ، شخصاً غير مرغوبٍ فيه .

الأشدّ بياضاً من هؤلاء هو الشاعر الشهير ، يعيش مجهولاً ، في بلدةٍ مسوّرةٍ ، بين سُودٍ أمّيّين ، وجَهلةٍ عليه أن يكسبَ احترامَهم باعتباره رجُلاً .

كان متكسِّباً متوحداً في مجتمعٍ منظَّمٍ من النخّاسين .رأسه يضجُّ بالشطحات السرياليّة ، والتعابير الشرّيرةِ ، بالرغم من أنه لاينطق بلغتِه إلاّ متكتِّماً .

الأفارقةُ لا يرونه إلاّ إفرنجيّاً عليلاً آخرَ ، في بدلة مهلهلةٍ ، يتجوّل في السوقِ المنتن ، ويراقبُ المجذومين يزحفون طالبين الصدقةَ عند المسجد ، ويسير في الأزقة ذات بَعر الماعز ، وودَكِ الجِمال المعلّق في المجزرة .

حتى المرأةُ القرويّةُ ذاتُ وجه الثعلبِ ، وغطاءِ الرأس الشفيف ، التي اتّخذَها عشيقةً ، لم تعرف تاريخه . وهو أيضاً لم يعرف تاريخَها ، كانا ضِدّينِ : أسود وأبيض . لكنهما احتَكّا ببعضهما . ربما كان سفره معها ( إلى عدن بين وقت وآخر ) دليلاً على أنه كان يحبُّها . لقد صوّرَها فوتوغرافيّاً مغامرٌ إيطاليٌّ ، وهي وصفتْ حياتَها مع الإفرنجيّ : ولَعه بالتصوير الفوتوغرافي ، كتبُه ، خرائطه ، هِميانُ نقودِه ، الرسائل التي كتبَها ، وكيف كان يكره أي حديثٍ عن ماضـــيه . ليست لديها أدنى فكرةٍ عن أصلِه . قال إنه أحبَّ الصحراءَ . كانت تجهلُ أنه تنبّأَ بكل العيشِ الغريبِ ،

منذ سنين ، في قصائدَ وحشيّةٍ ، رؤيَويّة .

الشاعرُ في التاسعة عشرة الذي كتبَ " ينبغي أن نكون مُحْدَثِين تماماً " هو الآن يكاد يكون في الثلاثين ، وقد شابَ قبل الأوان ، يدوِّنُ بضرباتٍ من قلمٍ حادٍّ ، في سجِلِّ شركةٍ ، أوزانَ أنيابِ الفيَلة ، وأكياسَ البُنِّ ، التي ستحملُها قافلةُ جِمالٍ إلى الساحل . حماساتُه غير المتوقَّعة وضعتْه في حالةٍ فريدةٍ ، شأنها شأن لونِه – نُطقه اللغة العربية ، معرفته

القرآن ، شغفه بالفوتوغراف ؛ لقد قطعَ إقليمَ " دناقل " الخطِر ، واستكشفَ بيداء أوغادين ، وكتبَ عن مسالكِها العنكبوتيّة وواحاتِها القليلة .

وقد كتبَ بعد رِحلةٍ شاقّةٍ " لقد ألِفْتُ كلَ شيء . أنا لا أخافُ شيئاً " .

أثمانُ البنادقِ أمرٌ آخرُ درسَه . لم يكن عربُ هَرَر أشدّ فضولاً ممّا هم عليه الآن . الفرنجةُ يأتون ويغادرون . لكن هذا المرءَ ظلّ بين جيئة وذهابٍ ، سنواتٍ عَشراً ، يسكن بيوتاً متواضعةً . كان يكره الطعامَ . لاأحد عرفَ ما في قلبِه ،

ولا سمِع تمتماتِه الساخرةَ ، أو فهمَ قدرتَه على الكتمانِ . لقد أنكرَ ثروتَه، مدّعِياً أنه تعرّضَ للغشِّ ، بينما كان يكدّسُ أكياساً من نقود ماريا تيريزا ، وبنكنوت المَلِك .

في ما بَعدُ ، قصَدَه مبعوثو منيليك ، يتوسّلون بنادقَ وذخيرةً كان جاء بها في قوافل من الساحل . لقد عرفَ ماكونين

والدَ هيلاسيلاسي . لقد ساومَه الملكُ شخصيّاً ، وأعانه في أن يغدو ثريّاً .

أسوأ يومٍ في حياته جاءَ هكذا :

في زورةٍ لعدَنٍ واجهَهُ مستخدِمُهُ الفرنسيُّ الكريهُ . كان الرجل متنفِّجاً بأخبارٍ مدهشةٍ .

فقد أخبرَه صِحافيٌّ فرنسيٌّ جوّابٌ أنه عرفَ اسمَ مستخدَمِه .

اتّضَحَ أن التاجرَ المغمورَ كان فتى فرنسا العبقريّ ، الشهيرَ بالشاعرِ المنحطّ .

كان الكشفُ مثل دعابةٍ شنيعةٍ ، فهذا الرجلُ الوسَطُ ، الخاملُ ، كان مذاقَ باريس الأدبِ . أبسِنثْ . سُكْرٌ . عربدةٌ . شِعرٌ حُرٌّ !

المستخدِمُ عنّفَه على هذا الإنحراف .

تاجرُ البُنِّ المريرُ في الموضعِ الإفريقيّ المتقدِّمِ ...شاعرٌ !

أخيراً امتلكَ الريِّسُ شيئاً ضدّه .

المنفيُّ أنكرَ ذلك . " أنا آخَرُ " ... قد كان كتبَ هذا يوماًما .

لكنّ المنفى وضْعٌ لا ينفعُ فيه التلاعبُ بالكلماتِ .

هكذا أقَرَّ ، أخيراً ، بما كان عليه ، إنه اللامعقولُ ، و " قد تخلّصتُ منه الآن ".

أنت تمضي إلى أقاصي الأرضِ لتبدأ حياةً جديدةً ، وتظنُّ أنكَ أفلحْتَ ، وإذا بالماضي ينقَضُّ عليك ، كما لو أن عدوّاً قديماً أمسَكَ بهاربٍ .

لقد كان سعيداً في مجهوليّتِه ، تماماً مثل رجلٍ أبيضَ في الغابةِ .

إنه الآنَ عارٍ .

هكذا ، رامبو في هَرر .

2016.12.03

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016