22 نيسان 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...

سعدي يوسف

تمرُّ على المرءِ آلافُ الآلافِ من الأحداثِ، فى هذه الحياة الملتذةِ المرهِقة فى كثيرِها، الطليقةِ الـمُـسعِدةِ فى قليلِها.

ومن طبيعة خَلْقِ ابنِ آدمَ أنّ قابليّة ذهنِه على الخزينِ محدودةٌ، ومحدّدة بحجمٍ معيّنٍ، لذا يتناسى الواحدُ منّا الكثيرَ من الوقائعِ، ثم ينسى ما تناساه، تماماً.

لكنّ ثمّتَ ما لا يُنسى:

وجه الأمّ.

اسم الوليد الأوّل.

لون عينَى الحبيبة الأولى.

إلخ.

وثمّتَ ما لا يُنسى أيضاً، لكن من جهة القمر المعتِمة.

مثلاً :

تنفيذ إعدامٍ وهميّ.

*

فى شهر شباط (فبراير) من العام 1963، كنت فى البصرةِ، قادماً للتوّ من بغداد.

كانت البصرة تحت سيطرة الانقلابيّين البعثيّين، والميليشيا التى كانت تُدْعى ( الحرس القوميّ) وهى مسلّحةٌ بخليط من غدّارات بور سعيد المصرية، واسْتِنّ البريطانية، وسواهما من سلاحٍ فرديٍّ خفيف.

هذه الميليشيا نصبتْ سيطراتِها فى ساحات المدينة وأحيائها وأسواقِها، وكانت طليقةَ اليدِ فى اعتقال الناسِ

وتعذيبِهم، بل حتى قتلِهم مثل الكلابِ السائبة.

*

قبضَ ( الحرسُ القوميّ ) عليّ، وجاءوا بى إلى مقرِّهم الرئيس، القريب من شط العرب، فى مبنى ( جمعية الاقتصاديّين )، وهى جمعيةٌ مهنيّةٌ كانت، قبل الانقلاب البعثيّ بيومٍ واحدٍ، تحت إدارة الشيوعيّين من أهل البصرة.

كانت جمعية الاقتصاديّين، تكتظُّ بالمسلّحين البعثيّين الفتيان، وهم يحملون غدّاراتٍ قد تنطلقُ من تلقاءِ نفسِها، بعد أن نزعوا الأمانَ...

وتكتظُّ أيضاً بالمعتقَلين الذين كّدِّسوا فى قاعةٍ ليست بعيدةً عن الشارع والنهر.

*

فى اليوم التالى، نُقِلْتُ إلى غُريفةٍ ضيّقة، فيها كرسيّ خيزران.

فى الليلِ جاءنى حارسٌ فتى.

قال لى : سأُبقى البابَ مفتوحاً. لن أغلقَه. أمامكَ الممرّ، وهو يؤدى إلى الشارع. قد تفكِّرُ فى الهرب.

حاوِلْ، لكنى سأطلقُ النارَ عليك...

*

بِتُّ ليلتى فى تلك الغُرَيفةِ.

كنت مرهَقاً، لذا كان نومى عميقاً.

*

فى اليوم التالى، ومع الضحى العالى، جاء آمرُ المقرّ، أتذكّرُ أن اسمه فتحى، وكان له محلٌّ لبيع الأحذية فى سوق الهنود بالبصرة. كان فتحى يحمل غدّارة بور سعيد، وهو فى تمام أناقتِه.

أوثقَ فتحى يدَيّ إلى خلف الكرسيّ.

ثم عصبَ عينيّ.

سقطت ساعتى اليدوية على الأرض، وسمعتُ صوتَ ارتطامِها.

أمرَ بأن يُغلَقَ البابُ. سمعتُ البابَ يُغلَقُ.

قال بهدوءٍ : سوف نعدمُكَ !

ألديكَ ما تقوله لنا ؟

كنتُ أضعفَ من أن أجيبَ.

قال : إذاً... ليس لديك ما تقوله لنا !

ثم سمعتُ تحريكَ أقسامِ الغدّارةِ.

انطلقَ الرصاص.

صلية واحدة.

*

لم أمُتْ.

ومثل ما قال بدر شاكر السياب فى قصيدته الشهيرة “ المسيح بعد الصلب :

إذاً

فأنا لم أمُتْ...

*

قبل أيامٍ قرأتُ لصديقى واصف شنّون ( هو فى أستراليا الآن ) سرداً لمعاناته، بعد انتفاضة 1991 فى الجنوب العراقيّ، حين كان مع المعتقَلين فى معسكرٍ تتولّى إدارته منظمة “ مجاهدى خَلْق “، وكيف كانوا

يغَطّون رءوسَ المعتقَلين بأكياسٍ سودٍ ليعدموهم.

كيف غطَّوا رأسه أكثرَ من مرّةٍ فى تمثيلية إعدامٍ وهميّ.

واصف شنّون فى أستراليا منذ نحو عشرين عاماً، لكنه لم ينسَ ما مرَّ به.

إذاً، ثمّتَ ما لا يُنسى من الجانب المظلم من القمر !

لندن/2017.01.23

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016