21 كانون2 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

ذاك الأميركيُّ الهاديء ..

سعدي يوسف

كتبَ جراهام غرِيْنْ ، روايتَه " الأميركيّ الهاديء " The Quiet American في العام 1955

وكان ، آنَها ، في سايغون ، يغطِّي أخبارَ الحربِ ، في ما كان يُدْعى الهند الصينيّة .

نُشِرَت الرواية ، في المملكة المتحدة ، أوّلاً ، في العام 1958 ، ثم في الولايات المتحدة ، العامَ التالي.

أُخرِجتْ في فيلمٍ سينمائيّ بالاسمِ نفسِه ، في العام ، 1958 ونالت شهرةً وترحيباً باعتبارِها روايةً ضد الحرب.

والحقُّ أن جراهام غرِين ، في مُجْملِ نتاجِه الإبداعيّ الغزير ، وقفَ إلى جانب الحقّ والعدل والسلام .

وقد ظلَّ أثيراً لديّ زمناً طويلاً ، ويحِقُّ لي أن أغبطَ نفسي لأني قرأتُ الرجلَ كاملاً ، وقدّمتُ كتاباً عنه في لغتي العربية.

*

" الأميركيّ الهاديء " تدور أحداثُها في سايغون ، أيّامَ كانت فيتنام الجنوبيّة ، مستعمَرةً أميركيةً ، مثل العراق الآن .

وتروي وقائعَ عن انقلاباتٍ ، واغتيالاتٍ ، وتفجير قنابل ، كما تتحدث عن مدينةٍ لا يأْمَنُ فيها المرءُ على نفسِه ، حيث الميليشياتُ ذواتُ البزّةِ الموحَّدة تتوالدُ ، كالفِطْرِ ، بوذيّةً ، وكاثوليكيّةً ...

يكتشف فولَرْ أن صديقَه ، الأميركي الهاديء ، بايِل ، رجل الـ C.I.A، في السفارة الأميركية،كان وراءَ انقلابٍ قاده جنرالٌ جلاّدٌ .

بايِل ، نفسُه ، يُقتَلُ في انفجارِ قنبلةٍ ، قد يكون الجنرال نفسُه ، وراءه .

*

كم من أميركيٍّ هاديءٍ في بغداد الآن !

*

من " الأميركيّ الهاديء "

تلك الليلة ، أصرَّ النقيب ترْوان ، على استضافتي في بيت الأفيون ، مع أنه لا يدخن. قال إنه يحبّ الرائحة ، والإحساسَ بالراحة في نهاية اليوم . لكنّ مهنته لا تتيح له الإسترخاء أكثرَ . هناك ضبّاط يدخِّنون ، لكنهم في الجيش - أمّا هو فعليه أن يأخذ قسطَه من النوم.

كنا في مقصورة صغيرة ، وصاحب المحلّ ، الصينيّ ، أعدَّ غلاييننا . أنا لم أدخِّنْ منذ هجرتْني فونغ.

سألته : ذلك الزورق ، هذا المساءَ ، أكان يلحِقُ ضرراً ؟

قال ترْوان : مَن يدري ؟ في تلك المناطق من النهر ، علينا أن نقصف كل ما نراه .

دخّنتُ غليوني الأول . وحاولتُ ألاّ أتذكّر كل الغلايين التي كنتُ دخّنتُها في بيتي . قال تروان : " ما حدثَ اليوم ، ليس الأسوأ بالنسبة لرجلٍ مثلي . كان بإمكانهم إسقاطُ طائرتنا فوق القرية . كانت مخاطرتُنا مثل مخاطرتهم . أنا أكره النابالم . أن تقصف بالنابالم وأنت على علوّ ثلاثة آلاف قدم .أشار بيده إشارةَ يأسٍ :

أنت ترى الغابة تشتعل . والله وحده يعلم ما كنتَ ستراه على الأرض. الشياطين البائسون يُحرَقون أحياءَ، وألسنةُ اللهب تغمرهم كالماء . قال هذا مستنكراً العالَمَ الذي لا يفهم . ومضى يقول : أنا لا أقاتلُ في حرب استعماريّةٍ . أتظنني أفعلُ ما أفعلُ خدمةً لمزارعي " الأرض الحمراء " ؟ أفضِّلُ أن أحاكَمَ أمام محمة عسكريةٍ .

نحن نخوض حروبكم كلّها ، لكنكم تحمِّلوننا ذنوبَكم " .

قلت : ذلك المرْكب ...

قال : نعم أنا أغبطُكَ على وسيلة هربِكَ .

قلتُ : أنت لا تعرف مِمَّ أنا هاربٌ . الحرب لا تعنيني . أنا لستُ متورِّطاً .

- ستتورّط في أحد الأيام .

- لن ...

- أنت ما زلتَ تعْرِجُ .

- لهم الحقّ في إطلاق النار عليّ ، لكنهم لم يفعلوا حتى هذا . لقد كانوا يهدمون بُرْجاً . على المرء أن يتجنّب جماعة الهدم حتى وهو في بيكاديللي .

- في يومٍ ما سيَحدثُ أمرٌ . ولسوف تكون مع طرَفٍ .

- لا . أنا عائد إلى انجلترا .

- تلك الصورة التي أرَيتَنيها يوماً ...

- لقد مزّقتُها . فقد هجرتْني المرأة .

- أنا آسفٌ .

لندن/2017.01.29

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016