19 حزيران 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

ريحانُ " شهرزاد "..

سعدي يوسف

قبل أعوامٍ ، تذكّرتُ أغنيةً عراقيّةً قديمة من الموروث الشعبيّ ( الفولكلور ) ، مطلعُها : يا نبعة الريحان ، حِنِّي على الولهان ...

وفي مُنتآي اللندني ، في مَوهِنٍ من ليلٍ رطبٍ ، طفقتُ أترنّم :

يا نبعة الريحان

يا نبعةَ الريحانِ

حِـنِّــي!

إنني أمسَيتُ في الوادِ المقدَّسِ ، في طُوىً

لكنني أرنو إلى غيرِ المقدّسِ

إنني أرنو إلى مَن جاورَتْني في دمي

أرنو إليكِ

إليكِ وحدكِ: لا شــريكَ و لا شــريكةَ

إنني أرنو إليكِ

بكل ذُلّي

كلِّ حٌبّي

كلِّ ما يسَعُ الأذى

يا نبعةَ الريحان ...

..................

.................

.................

يا نبعةَ الريحانِ

حِــنِّـي...

إنني الولهانُ

حِنِّي!

الليلُ أقسى ، والحياةُ أشَـقُّ إنْ لم تصطفيني

أو تَحِــنّي

يا نبعةَ الريحان !

لندن 14.10.2011

*

في البَرّ الغربيّ ، قُبَيلَ عودتي إلى لندن ، ونحن نبحث هناك عن " أوتيل" قد نتّخذه مقاماً لنا في عودتنا إلى "الأقصُر " ، العامَ المقبل ، قادتْنا خُطانا المتعثرة إلى " فندق شهرزاد " غير البعيد عن العَبّارة .

والحقُّ أن الفندق كان جميلاً ، ذا طرازٍ محلّيّ من العمارة ، مزداناً بحدائق ، ومُنَعَّماً بحوض سباحة رائق .

لكنه خاوٍ من النزلاء ، شأن أمثاله من فنادق البر الغربيّ ، في هذه الفترة المؤلمة من حال السياحة .

تعرّفنا على كنَدِيّين من فانكوفر : رجل وامرأة .

امتدحا الفندق ، إقامةً وإدارةً . قالا إنهما جاءا مصادَفةً ، بعد أن وجدا هذا الفندق على الإنترنت .

كان يجلسان في باحةٍ صغيرة ، عند باب غرفتهما الأرضية ، تكاد تكون جزءاً من الحديقة البهيّة .

السيّدة كانت تجاهد مع الحاسوب المحتضَن ( اللابتوب ) ، والسيّد كان يحاول القراءة ...

كانت سعادتهما بالغةً حين تحدّثا مع كنديّة من تورنتو ، اسمُها إقبال !

النهار رائقٌ ، شأنه أبداً ، هنا في البرّ الغربيّ .

شرعتُ أتملّى الحديقةَ وأشجارَها ، وشُجيراتِها ، ونبتَها . فركتُ ورقَ نبتةٍ ، حسِبتُها شُجَيرةً ، وشممتُ الورقَ وإذا بها نبتة ريحان !

يا نبعةَ الريحان ...

*

الريحانُ في العراق عشبٌ ، لا شُجيرة .

نحن نأكل الريحانَ غضّاً ، مع الكباب ... شأنه شأن البصل الأخضر !

لكن للريحان في البرّ الغربيّ منفعةً كبرى . الريحانُ هنا مُلَطِّفُ للجوّ . زينةٌ في الحديقة . عبّقٌ عميمٌ .

الناس في البرّ الغربيّ يقدِّسون الريحانَ ، ولا يأكلونه ، مثل ما نفعل ، نحن ، العراقيّين !

*

قلت لنوبي أحمد وأنا أفركُ ما تيبّسَ من زهرٍ على الريحانة : أريد أن أزدرعَ الريحان في لندن !

قال لي : سآتيك بالغَلّة ( يعني البذور الناشفة ) ...

ثم جاءني بحفنةٍ .

*

في أوتيل لوتس حيث أقمتُ ، عقدتُ صداقةً شبه صامتة مع البستانيّ ( الجنايني كما يقال في مصر ) .

أحيّيه كل صباح ، وأسأله عن النبت والعناية بالنبت .

قلت له : معي بذور ريحانٍ سأحملها إلى لندن ... أتظن الريحان ينبتُ هناك ؟

أجابني واثقاً ، وهو يمسِّدُ أوراقاً من نبتة ريحان في حديقة اللوتس : تنبت !

*

ولقد صدقَ حُرٌّ ما وعدَ .

في أصيصٍ بنافذة لندنيّة ، تفتّحت البذورُ ، بذورُ ريحان البرّ الغربيّ!

هكذا ، كالمعجزة ...

بعد سبعة أيّامٍ !

*

إذاً ...

سأعود إلى الأقصُر . إلى برِّها الغربيّ ، وسوف أقيم في فندق شهرزاد ، حيث حديقة الريحان !

2017.04.20

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016