20 آب 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا

سعدى يوسف

قبل أيّام أتممتُ قراءة روايةٍ تحمل عنوان « نبتةٌ شيطانيّة» Sport of Nature، لنادين غوردِيمَر ( 1923-2014 )، التي حازت جائزة نوبل للأدب في العام 1991.

هذه الرواية هي الكبرى بين أعمال نادين غورديمر (يبلغ عدد صفحاتها نحو الخمسمائة من القطع الكبير).

لقد غبطتُ نفسي على صبرٍ لم أعتدْه .

لكن قصتي مع غوردِمر قديمة، بل قديمةٌ جداً، عمرُها ستّون عاماً !

أنا امرؤٌ متطلِّعٌ، مستطلِعٌ :

في العام 1960، ترجمتُ إحدى قصص غورديمَر القصيرة، هي التي حملتْ عنوان “ زئير “ Roaring ونشرتُ القصة في مجلة “ المثقف “ البغداديّة، الصادرة حديثاً آنذاك. (ربّما نشرتُ النصّ ذاته في مجلة “الفكر الديمقراطي” بقبرص).

القصة تتحدث عن جنوب إفريقيا التي كانت تحت قبضة العنصريّين من البوَير . نادين غورديمر تتحدث عن مدينةٍ يؤرِّقُ هناءةَ أهلِها البِيضِ، زئيرٌ آتٍ من الغابة، الغابة الإفريقية، التي تُعْلِنُ غضبَها المضمَر.

نادين غورديمَر مناضلةٌ شجاعةٌ، يسارية الهوى، كانت ذات فِعْلٍ ملموسٍ وخطِرٍ في مسيرة النضال الإفريقيّ .

 

 

*

قبل نحو عشر سنوات، التقيتُ السيدةَ، في نيويورك، آنَ كنّا هناك، بدعوة من نادي القلم الأمريكي، الذي كان بعهدة سلمان رشدي .

كنا نسكن في أوتيل واحدٍ، وسط بارْك آفِنيو، ونتحدث طويلاً .

أخبرتُها عن قصتها “زئير” ومآلِها البغداديّ .

كانت سعيدةً .

في ضحى يومٍ رائق، كنا جالسَين في بهو الفندق، نواجه الشارع . كان الشارع يضجّ بالبشر ويعِجُّ . هتفتْ نادين غورديمر : الناس يتظاهرون !

خرجتُ إلى الشارع متهللاً . كان الناس في ماراثون نيويورك الشهير. لا مظاهرة ولا هم يحزنون ...

والحقُّ أن صلتي الأدبية بالسيدة ظلت مستمرة، تغتني بقراءة أكثر وأعمق .

لكن رواية “ نبتة شيطانيّة “ بهرتْني وأرهقتْني .

كنت قرأتُ رواياتِها، ومن بينها “ قومُ جُولاي “ July’s People .

لكني لم أقرأ لها عملاً في مثل جلال هذا العمل ومهابته، وأعني رواية “ نبتة شيطانيّة “ .

*

الخيطُ الفنّيّ، الرفيع، المــُحْكَمُ، ( أي الحيلة الروائية )، يتمثّلُ في هِلَّيلا ( سأسمِّيها حليلة )، الصبيّة اليهودية، الآبقة، المارقة .

سوف نلتقي حليلة، مراهقةً، منبوذة من أمِّها، لتكون مع أبيها، البائع الجوّال ... ثم مع عمّةٍ أو أكثرَ لها . لكنها انجرفتْ مع مغامرة الحياة الكبرى وهي لا تزال في السابعة عشر.

ولسوف نراها حافيةً على شواطيء شرقيّ إفريقيا مع المنفيّين السياسيّين .

ولسوف تتزوّج ثوريّاً إفريقيّاً أسودَ، يُقتَلُ في كمين دبّره أمنُ السلطات العنصرية .

المأساة الشخصية صارت عمادَ حياتها، وتطوّرها السياسيّ .

هكذا سيأخذها العمل السياسيّ من أجل حرية إفريقيا إلى لندن وأوروبا الشرقية والولايات المتحدة .

وعبرَ المسيرة الصاخبة، الخطرة، تعيش حياةً حرّةً، لكنها على الحافة دوماً .

حليلة سوف تتزوّج الجنرال !

الجنرال سوف يدبِّر حرب عصابات، ليكون رئيسَ إحدى جمهوريات إفريقيا الجديدة .

الجنرال يأخذ السلاح من الكتلة الشرقية .

ويأخذ المال من صندوق النقد الدوليّ أيّامَ عبدو ضْيوف !

ستكون “ حليلة “ السيدة الأولى .

ولسوف تظهر، في مناسبة رسميّة، مع ياسر عرفات الزائر، إلى جانب زوجها، مثيرةً غضب أهلِها اليهود !

*

الصفحات الأخيرة من الرواية، توثِّقُ، بعناية، ودقّةٍ، وإخلاصٍ متناهٍ، الفترةَ الحاسمةَ التي سبقت إعلان استقلال جنوب إفريقيا، وتسنُّمِ نلسون مانديلا السلطةَ .

*

تقول ناديت غورديمر ما نصُّه :

قد يكون صحيحاً أن الحياة تمضي دائماً – بدون أن ندرك هذا، أو بما ستأتي به اللحظةُ، وببوصلةٍ غير متاحة للآخرين – نحو لحظةٍما .

دوّت المدافعُ من القلعة.

الوقت ظُهرٌ.

حليلة تراقب العلَم يرتفع بطيئاً ...

وبغتةً

انفتحَ وسيعاً في الريح.

إنه علَمُ الوطن

وطن حليلة !

تورنتو/ 2017.05.28

--------------------

ملحوظة : فى ترجمة عنوان الرواية إلى العربية، لجأتُ إلى التأويل لا إلى الحرْفيّة .

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016