23 حزيران 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ

سعدي يوسف

يقول بورخيس :

" يبدأ المرءُ في رسْمِ العالَم . ومع مَرِّ السنين ، يملأُ المساحةَ الفارغةَ ، بالأقاليم ، والممالكِ ، والجبال ،

والخلجان ، والسفن ، والجُزُر، والأسماكِ ، والغُرَف، والآلاتِ ، والنجومِ ، والخيل ، والأفراد . ويكتشف ،

قبل وفاته بقليلٍ، أن تلك المتاهةَ الصّبورَ من الخطوط، تحدِّدُ مَعالمَ وجهِهِ هو ".

لكنْ ، كيف يبدأ المرءُ ؟

أستفيدُ هنا، من الرحّالة الشهير، المتوفّى قبل سنين ليست بعيدة : ب. ثيرو ، الذي قد كان زار مصر

في مستهلّ رحلته " سِفارُ النجم الأسوَد" والتقى نجيب محفوظ .

يقول ب. ثيرو :

مَن ليسوا رحّالة ، غالباًما يحذِّرون الرحّالةَ من الأخطار ، والرحّالةُ يستبعدُ هذه المخاوف . لكنّ افتراضَ حُسْنِ الضيافة غير صحيح ، شأنه شأن افتراض الخطَر . عليك أن تجدَ الأمورَ بنفسكَ . اقفِزْ – اذهبْ أبعدَ ما تستطيع.

حاوِلْ البقاءَ خارجَ الاتّصال. كُنْ غريباً في أرضٍ غريبةٍ . تَحَلَّ بالتواضُع . تعَلَّم اللغةَ . أنصِتْ إلى ما يقولُ الناسُ.

لم أبدأْ في اكتشاف نفسي ومعرفةِ ما أريدُ ، إلاّ حين صرتُ رحّالةً وحيداً . إن سألَني سائلٌ عمّا عليه أن يفعل ليكون كاتباً، فلن أشيرَ إلى الكتُب في الغالب. أنا أفترضُ في السائل حُبّاً للكلمة المكتوبة، والعزلةِ، واحتقاراً للمال_

هكذا سأقول : " تريد أن تكون كاتباً ؟ عليك أن تهجرَ موئلَكَ أوّلاً !" .

*

أعودُ إلى نفسي .

أعودُ إلى سيرتي التي أراها ، إذْ أُراجعُها ، سيرةً غريبةً في ما اتّصلَ بالمغادَرات ، أعني أنها ذاتُ مغادراتٍ متّصلةٍ.

هذا يعني في ما يعني أن المغادَرة هي الأصل ، والإقامة هي المؤقّت.

أحياناً يحلو لي أن أعودَ إلى زمنٍ سالفٍ ، لأتأكّدَ من أماكنَ كنتُ فيها ، زائراً عابراً ، أو مقيماً على مضضٍ أو على غير مضضٍ ، فأجِدُني شِبه ضائعٍ ...

آنَها ، أستنجدُ بالأطلسِ ، أطلسِ العالَمِ ، لأتتبّعَ ما سلَفَ من خُطاي !

منذ 1957 وأنا مترحِّلٌ :

كأنّما هو في حِلٍّ ومرتحَلٍ مكلّفٌ بفضاءِ الله يذرعُهُ

ابن زرَيق البغدادي

الآنَ ، أنا في تورنتو ، الحاضرة الكنديّة التي هي في أحضان البحَيرة الهائلة ، بُحيرة أونتاريو.

وبعد ثلاثة شهور سأكون في لندن العاصمة الإمبراطوريّة ، وقبلَها كنتُ في " الأقصر " متنقِّلاً بين ضفّتي النهر العظيم:

النيل .

في الليل تهدهدُني أحلامٌ جديدة :

قد كنت في مصر الإفريقيّة ...

إذاً لِمَ لا أمضي جنوباً : إلى السودان ، وإلى أبعدَ من السودان .أليستْ شلاّلاتُ فكتوريا في زمبابوِي ؟

هنا ، على الجانب الكنديّ ، رأيت شلاّلات نياغارا . يقال إن شلاّلات فكتوريا أكثرُ جمالاً ومهابةً وجلالاً .

أعودُ إلى ب. ثيرو ، وإلى نصيحته :

اذهَبْ أبعدَ ما تستطيع !

*

اغترِبْ تتجدّدْ !

هذا ما قاله الشاعر العربيّ قبل قرون :

وطولُ مُقامِ المرءِ في الأرضِ مُخْلِقٌ لديباجتَيه ، فاغترِبْ تتجدَّدِ

وفي مراتبِ الصوفيّة الثلاث الأساسِ ، مَرْتبةٌ أولى ، هي : التخَلِّي.

كما أن الهجرةَ ، مفهوماً وفِعلاً ، أسّسَتْ للإسلامِ دِيناً .

*

" وفي الأرض مَنأىً للكريم عن الأذى "

*

في سيرتي ، أريدُ أن أشيرَ إلى الطبيعةِ غيرِ الـمُـتْرَفةِ لتنقّلي .

مغادَراتي ، في مُعْظمِها ، كانت إجباريّةً .

أي أنني كنتُ مرْغَماً على المغادَرة ، إمّا لأسبابٍ تتعلّقُ بالسلامة الشخصية ، أو لضرورات

تتعلّقُ بالحفاظ على سلامة الموقف .

ما كنتُ ، في أيّ مُقامٍ لي ، من أرض الله الواسعةِ ، طامعاً في مالٍ ، أو طامحاً إلى منصبٍ .

*

أمّا فضلُ المغادَرةِ الذي ما مثله فضلٌ فهو باختصارٍ مؤلٍمٍ :

بقائي على قيد الحياة !

لو كنتُ في بلاد ما بين النهرَين ، لكنتُ تحت التراب ، منذ عقودٍ ...

تورنتو/2017.06.03

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016