18 تشرين1 2017
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

زيارةُ ريتشارد

سعدي يوسف

أمس ، نهاراً ، زارني في منزلي بالضاحية اللندنية ، صديقٌ بريطانيٌّ ، إنجليزيٌّ أباً عن جَـدٍّ ؛ لا هنديّ ، ولا عـربيّ مثلي ، ولا جامايكيّ ... إلخ .

والأمرُ عجَبٌ حقاً . إذ ليس من عادة الناس ، هنا ، التزاور في البيوت ، أساساً . أمّا أن يزور إنجليزيٌّ شخصاً عربياً غريباً ، وفي بيته بالضاحية ، فهو العجبُ العُجاب !

كان ريتشارد شابّاً ، في حوالي الثلاثين ، جاء بسيارته الفورد ، ذات الدفع الرباعيّ ، من أسِكْس Essex

غير القريبة ، إلى مقامي الخرافيّ ، بيتِ الشاعر ، في قرية هَيرفِيلد Harefield حيث المستشـفى الشـهير للـسَير ( الآن ) مـجدي يعقوب ، عبقريّ طبّ القلب ، القادمِ من مصر العظيمة .

جاء في العاشرة والنصف صباحاً !

لم أكن التقيتُه من قبلُ .

قدّمتُ له شاياً بالنعناع .

*

كان اتّصلَ هاتفياً ، قبل أسبوع ، يطلب الزيارة .

لم أسألْه عن سبب زيارته ، إذ بدا لي أن سؤالاً كهذا قد يبدو غير مهذّبٍ ، كما أنني من محبّي المفاجآت ... مرحـباً إذاً !

ريتشارد يحتسي الشاي المنعنَع بهدوءٍ متلذذٍ .

أتدري لِـمَ جئتُكَ ؟ لقد قرأتُ كتاباً عنك باللغة الإنجليزية ، لا بدّ أن الكتاب لديك . سعدي يوسف بين الوطن والمنفى ، لمؤلفه يائير حوري . The Poetry of Saadi Yusuf between homeland and exile, by Yair Huri.

قلتُ له : الكتاب لديّ حقاً . جاءني هديةً من المؤلف .

سألني : أتعرف المؤلف ؟

أجبتُه : لا .

هل كنتما تتراسلان ؟

أجبتُه : لا .

*

بدا الأمرُ ، لدى ريتشارد ، مُـحَـيِّـراً .

قال لي : ما رأيُكَ بهذه العبارات التي وردت على غلاف الكتاب ؟

" منذ أمدٍ طويلٍ ، اعتُبِــرَ سعدي يوسف أهمّ شاعرٍ عراقيّ حيّ ، ومن أشهر مُجددي الشعر العربي "

Saadi Yousef has long been acknowledged as Iraq’s foremost living poet and one of the preeminent modernists of Arabic poetry.

أجبتُه : هذا رأيٌ . وهناك آراءُ تختلف عنه .

سألني ريتشارد : مثلاً ؟

أجبتُ : هناك مَن يرى أنني لم أكنْ شاعراً يوماًما .

قال : إذاً ، ماذا كنتَ في رأيهم ؟

أجبتُ : ثورياً ، يريد أن يغيِّــر العالَمَ ، ويعيد تشكيله تحت الراية الحمراء !

أحسستُ أن المسألة التبستْ على ريتشارد .

قال : لكنّ الصلة قائمةٌ جداً بين الشعر وتغيير العالم ... أعني أن صورتك وأنت تحمل الراية الحمراء خفّاقةً تمنح شعركَ ، جدوى . الناس مَعْـنيّـةٌ بالـمُـغَــيِّــرِ .

في شعرنا الإنجليزي ، تُعتبَر فترة الثلاثينيات ، العصرَ الذهبي ، لأن جيل أودِن العظيم ارتبط بفكرة التغيير ، ارتبط بحلم اليسار النقيّ . شعراء ذلك الجيل ذهبوا إلى إسبانيا يقاتلون مع الجمهوريين .

إبريق الشاي بردَ ، ونضب شــايُهُ . لكن الحديث أخذ يكتسب حرارةً معيّنةً .

قلتُ : كلامُك صحيحٌ تماماً ، يا ريتشارد ، وبخاصة عن جيل أودِن ، وراية اليسار التي لم يرفضها إلاّ كاثوليكيٌّ واحدٌ اسمُهُ ت.س. إليوت . كان يحبّ فرانكو لأن الجنرال كاثوليكيٌّ مثله !

لكنّ أمرَنا ، أمرَ شعرِنا ، في المنطقة العربية ، هذه الأيامَ ، مختلفٌ ، بل عجيبٌ !

سألني ريتشارد : كيف ؟

*

الكتابة بالعربية ، وكتابةُ الشعر بالعربية خاصةً ، ليستْ كتابةً .

تأويلُ الأمرِ أن الكاتب العربي ، لأَقُل الشاعر العربي ، ما دمنا نتحدث عن الشعر ، لم يَعُدْ قائماً : لقد احتلَّ مكانه ، بل مكانتَه ، الصحافيّ المتشبّثُ بمعاشه ، فصارَ يكتبُ ما يحسبُه أصحابُهُ في المهنة شعراً . واحتلَّ مكانَهُ الموظفُ الحزبيُّ

المأجورُ ، فصار يكتبُ ما يصفِّقُ له قادةُ حزبه الجهلةُ باعتباره شعراً . واحتلَّ مكانهُ الجنودُ السابقون ، ومسّاحو أحذيةِ

الطغاةِ وأبناءِ الطغاةِ ، فصاروا يكتبون ما يظنون أنه سيجعلهم متصوفةً لا جنوداً سابقين ومسّاحي أحذيةٍ . واحتلَّ مكانه

الفاشلون الذين اشترتْهمُ دوائرُ أوربا وأميركا الاستعماريةُ ، فصاروا يكتبون ما اعتقدوا أنه يرضي تلك الدوائرَ ، ويرسُمُ

لها الصورةَ المشتهاةَ . واحتلَّ مكانَـهُ الأطفالُ الرُّضَّعُ لمشيخاتِ الخليجِ ، حيث لا حقَّ ولا حقوقَ ، فصاروا يكتبون ما يخجل السرياليّ من فرطِ سرياليته ، وما ينتكسُ الحداثيُّ الـمُغالي من فرْطِ حداثيّته .

كأنّ بغداد لم يحتلَّها أحدٌ .

كأن فلسطين لم يحتلّها أحد .

كأن الجنوب اللبناني ليس على الخارطة .

وكأن مَدارجَ الطائرات الأميركية التي ظلّت تقتل أبناء العراق لم تكن تعرف الخليج منطلَقاً .

الشاعر العربي الآن :

كاذبٌ .

مزيَّفُ حقائق .

جبانٌ .

*

في المملكة المتحدة ، تقليدٌ في الصحافةِ أثيرٌ :

الأقسام الثقافية في الصحافة لا يتولّى شأنَها مبدعون في القَصِّ أو الشِعر ، خشيةَ اللاموضوعية ، وتغليب مَنازعِ الذات الأمّارةِ بالسوء ، أحياناً .

الأقسامُ الثقافية يتولّى شأنَها نقّادٌ ، وصحافيون محترفون .

أمّا عندنا ، يا ريتشارد ، فكلُّ من تولّى صفحةً ثقافيةً أو بعضَ صفحةٍ ، صار بقدرةِ قادرٍ ، قاصّاً لامعاً ، أو شاعراً رائعاً ...

المحررون ، اللامعون ، يُـلَــمِّعون بعضَهم ... لينشأَ نوعٌ من التربيت يُدْعى متابَعةً أو حتى نقداً .

وشعراءُ الصفحات الثقافية ، وقصّاصوها ، صاروا شعراءَ أمّةٍ وقصّاصي أمّةٍ ابتُلِيَتْ بأبنائها العاقّـين .

في الماضي المجيد ، أي قبل حوالَي اثنَي عشر قرناً ، كان الوضعُ أفضلَ بما لا يُقاسُ . أمثالُ هؤلاء كانوا يسمَونَ: الشعراء الكُتّاب . وشعرُهمُ يصَنّف نقدياً بأنه شعرُ الكُتّاب ، كنايةً عن أضعف الشِعر . والحَقُّ أن شعر أصحابنا الآن هو أضعفُ الشعر ، لكنك لا تملك منبراً تعلِن منه ذلك ...

هؤلاء الشعراء/ الكُتّابُ ، يحميهم التخلّفُ ، وتحميهم أوربا الاستعمارية ، والولاياتُ المتحدةُ أيضاً ، ونحميهم نحن باعتبارهم أصدقاءَ ، وإنْ لم يُعِيروا ، هم ، أي معنىً للصداقة .

لكنهم يظلّون ، الشعراءَ الكُتّاب َ ، يختفون فجأةً في ظلامٍ لا نورَ بعده ، بمجرّد توقُّفِ الصحيفةِ ، أو توقيفِ الصحيفةِ إيّاهُم ...

مصيرٌ مضحكٌ على أي حال !

*

الغرفة مشحونةٌ بما لم يكن مقدَّراً لها .

كان ريتشارد ، مدوَّخاً أو يكادُ .

دعوتُه إلى كأسٍ ، ولو للطريق . اعتذر . قال إنه سيسوق سيارته الفورد ذات الدفع الرباعي ، إلى مكانه البعيد .

*

سآخذ كأسي ، وحيداً .

لندن/ 2017.07.14

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  2. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  3. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  4. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  5. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  6. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  7. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  8. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  9. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  10. اختطاف
    16 أيار 2017
  11. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  12. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  13. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  14. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  15. تنويع
    11 نيسان 2017
  16. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  17. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  18. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  19. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  20. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  21. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  22. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  23. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  24. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  25. البصرة
    10 كانون2 2017
  26. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  27. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  28. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  29. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  30. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  31. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  32. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  33. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  34. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  35. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  36. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  37. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  38. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  39. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  40. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  41. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  42. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  43. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  44. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  45. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  46. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  47. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  48. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  49. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  50. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  51. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  52. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  53. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  54. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  55. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  56. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  57. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  58. سامراء
    20 شباط 2016
  59. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  60. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016