22 تشرين1 2018
http://maysaloon.news/

سعدي يوسف

مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي

سعدي يوسف

في أيلول 2005 ، آنَ كنتُ بمرّاكشَ ، في أيّامٍ مشهودةٍ للثقافة والفنّ ، التقيتُ السيدةَ ســونه واد ، مديرةَ المعهد الثقافي الفرنسي بمدينة مرّاكش ، في عشاءٍ عجيبٍ بأعلى روضةٍ من رياض مراكش الأشدّ مدعاةً للعجب .

قالت لي ســونه واد إنني مدعوٌّ إلى الدورة الثالثة من " ربيع مراكش " حينَ يتدفّق الشِــعرُ ، طليقاً ، في حدائقــه ، منذ أواخر آذار ( مارس ) حتى بدايات نيسان ( أبريل ) 2006. كما أسرّتني أنها ســـوف تستضيفني في " رياض ماســون " ، لا في فندقٍ من فنادق المدينة . لم أكن أعـرف عن " رياض ماسـون " شيئاً ، آنذاك .

أندريا تييرني ، كانت معي .

حين هبطنا في مطار مراكش ، وجدنا من ينتظر ليأخذنا إلى الرياض .

لكن المفاجأة الحقيقية كانت عندما سألني شــرطيّ : أأنت فلان ؟ أجبتُ : نعم . قال : أأنت الشاعر نفسه ؟ أجبتُ : نعم . وهكذا بدأ بيننا حديثٌ ظريفٌ عن الشعر وأهله ، وعن معارفَ مشترَكين ...

( علاقة مختلفة ، أكيداً ، بين الشرطي والشعر ! ) .

أندريا لم تكن لتصدِّق الأمر !

وأنا أيضاً .

*

كانت القراءات تتمّ في الحدائق العامّــة ، حيث الشجر وحده يستمع إلى الشعر .

في الجامعة .

وفي المدارس .

قراءةٌ واحدةٌ كانت في محلِّــها تماماً ، وفي مستواها اللائق ، هي القراءة المشتركة لبرنار نويل ومحـمد بنيس ، بـ " الدار الشريفة " ، حيث كنتُ قرأتُ ، مع أندريا تييرني ، قصيدةَ " نيو أورليانز " ، أيلولَ 2005 .

كان برنار نويل ، صديقي منذ أيام باريس ، مضنىً ، كامل الهدوء ، على غير عادته .

علمتُ أن عملياتٍ جراحيةً معينةً أجريَتْ له مؤخراً .

برنار مع إيزابيلاّ كانا يسكنان ، مثلنا ، " رياضَ ماسون " ضيفينِ على ســونه واد .

قصائد برنار نوَيل التي قرأها في " الدار الشريفة " كانت تنضح بأسىً عميمٍ ، وإحساسٍ بالزمن مؤذٍ .

قلت إن برنار وإيزابيلاّ كانا معنا في المنزل .

كنا نتناول فطور الصباح معاً .

في آخر فطور صباحٍ ، ودّعنا برنار وإيزابيلاّ عائدَينِ إلى فرنسا .

قلت لبرنار: إنك مستعجلٌ ...

قال مبتسماً ابتسامته العذبةَ : أريد أن أشــهد الثورةَ ‍‍‍‍‍!

كانت التظاهرات ضد قانون العمل الرجعي ، قانون دو فيليبان ، تجتاح فرنسا آنذاك .

*

مراكش ، ملأى بالرياض ، Riads، هكذا .

والرياض وهوجمعٌ يراد به المفرد هنا ، دارٌ عاليةٌ ذات حديقةٍ ( روضةٍ ) داخلية .

رياض مراكش يشتريها الآن فاحشو الغنى ، الأوربيون والأميركيون ، بملايين الدولارات .

هم يشترون كل شــيء .

وتدريجاً سوف يمتلكون خير منازل المدينة العتيقة ، أي الرياض ، بينما فنادقهم الياذخة تحتلّ الأحياء الجديدة .

أتذكّــرُ من قصيدتي " مجاز وسبعة أبواب " :

مرّاكشُ الحمراءُ تُبنى الآنَ

عاليةً

وعاصمةً

فهل نحن الحجارةُ ؟

*

دُنِــيز ماســون ( 1901-1994 ) ، التي سمّيت الرياض باسمها ، سيدة فرنسية سكنت مراكش أكثر من ثلاثين عاماً ، في المنزل نفسه ، المقدَّم هديةً منها إلى بلدها فرنسا ، والمستخدم حالياً من جانب المعهد الفرنسيّ بمراكش ، موئلاً ومحفلاً .

السيدة دُنيز ماسون ترجمت القرآن ومعانيه إلى اللغة الفرنسية .

وهي مولعةٌ بالموسيقى .

في المنزل أرغنٌ معطّــلٌ

وبيانو شــغّــالٌ .

وأندريا تريد أن تعزف ...

عقدت أندريا صداقةً مع مدبِّــرة المنزل ، وبحثتْ معها في المكتبة الخاصة ، عن مدوّناتٍ موسيقية .

كانت الحصيلة كنزَ مدوّناتٍ موسيقية من القرنين السادس عشــر والسابع عشر ، بينها مدوّنــةٌ من ليوناردو دافنشي !

بدا الأمر معجزةً ...

وفي ليل مراكش النديّ ، المفعم بضوع الورد ، كانت نغمات ليوناردو دافنشي تَصّــاعَدُ تحت أنامل أندريا وهي تعزف على بيانو دُنيز ماســون .

*

ليل مراكش يبدأ بأغنية الطير والشجر

وينتهي بأغنية الطير ...

لندن/ 2017.09.06

http://maysaloon.news/

مقالات أخرى

  1. الفئة القليلة !
    18 تشرين2 2017
  2. قـتْلُ الفلسطينيين
    03 تشرين1 2017
  3. السُّلَّمُ ذو الشموعِ الأربعِ
    20 أيلول 2017
  4. مُـرّاكش ورياضُ ليوناردو دافنشــي
    06 أيلول 2017
  5. بِــيانُــو كوندولــيزا رايس
    27 آب 2017
  6. ثورة أكتوبر أيضاً: ليس من طُهْرٍ ...
    31 تموز 2017
  7. زيارةُ ريتشارد
    14 تموز 2017
  8. خليل الأسَدي سيِّدُ الكلمة...
    10 حزيران 2017
  9. عن المرء وما يرسُم في حياته ويترسّمُ
    03 حزيران 2017
  10. نبتةٌ شيطانيةٌ فى غابة إفريقيا
    28 أيار 2017
  11. رسالة إلى الملِك سلمان بن عبد العزيز
    24 أيار 2017
  12. اختطاف
    16 أيار 2017
  13. ضرْبُ الخناجر ولا حُكْمُ النذل..
    15 أيار 2017
  14. حَيرةٌ ...
    28 نيسان 2017
  15. ريحانُ " شهرزاد "..
    20 نيسان 2017
  16. بانتظار البرابرة
    18 نيسان 2017
  17. تنويع
    11 نيسان 2017
  18. الجانب الآخر من الحدود
    01 نيسان 2017
  19. فسحة الأمل
    10 آذار 2017
  20. الأمرُ يَحْدُثُ !
    05 آذار 2017
  21. في البرّ الغربيّ ، مع حَسَن فتحي أيضاً ..
    19 شباط 2017
  22. جواسيس عرفتْهم دوريس لسنج
    08 شباط 2017
  23. رمسيس الثاني
    01 شباط 2017
  24. ذاك الأميركيُّ الهاديء ..
    29 كانون2 2017
  25. تنفيذُ إعدامٍ وهمىٍ...
    23 كانون2 2017
  26. ليلُ أوروبّا
    19 كانون2 2017
  27. البصرة
    10 كانون2 2017
  28. الليلةَ أقلِّدُ بازوليني
    05 كانون2 2017
  29. فيديل كاسترو واستقلاليّة القرار
    30 كانون1 2016
  30. ليليّةٌ Nocturne
    12 كانون1 2016
  31. رامبو في هَرَر
    03 كانون1 2016
  32. تدريبٌ على الـمُصابَرة
    29 تشرين2 2016
  33. هَلْوَســةٌ في أيّامٍ ممطرةٍ
    25 تشرين2 2016
  34. إبادة العرَب ؟
    11 تشرين2 2016
  35. مِــحْـــــنــــةٌ
    01 تشرين2 2016
  36. حقُّ الرِّفقةِ العجَبُ
    29 تشرين1 2016
  37. بعيداً عن غبار المعارك،عميقاً في قلبِها !
    24 تشرين1 2016
  38. أكتوبر ، شهرالشهور!
    15 تشرين1 2016
  39. ساعات غيفارا الأخيرة
    15 تشرين1 2016
  40. إلى ناهض حتّر
    25 أيلول 2016
  41. إذاً ... ها هي ذي الديمقراطيّة !
    08 أيلول 2016
  42. ثقافةُ عراقٍ بينَ سَــيفَـينِ
    30 آب 2016
  43. معارَضةٌ ...
    25 آب 2016
  44. خمسة أبيات
    17 آب 2016
  45. ثلاثةُ مَقاطعَ مدوّرةٌ على الوافِر
    08 آب 2016
  46. عن الهجرة والــمُـهاجِر ...
    05 آب 2016
  47. الُمحاكَمة
    29 تموز 2016
  48. يا طَير ... يا طايِر !
    26 تموز 2016
  49. لَيْتَ ... وهل تنفعُ شيئاً لَيْتُ ؟
    23 تموز 2016
  50. بلَدُ فاشستيٌّ مُمطِرٌ !
    16 تموز 2016
  51. سَـيِّد محمّد ...
    09 تموز 2016
  52. أولادُ الشيخ ...
    01 تموز 2016
  53. الضاحك والمضكة
    12 نيسان 2016
  54. الضاحك والـمَـضحكة ...
    27 آذار 2016
  55. لقاءٌ مع نجيب محفوظ
    02 آذار 2016
  56. نهاية رجلٍ شجاع
    27 شباط 2016
  57. الرِّحلةُ الأولى إلى الجزائر
    25 شباط 2016
  58. أُمُّ الدنيا!
    23 شباط 2016
  59. عن المستعمِر ولُغتِه
    21 شباط 2016
  60. سامراء
    20 شباط 2016
  61. سوف يقتله التمساح
    18 شباط 2016
  62. نَــعُومِي كامبِل في البلدةِ
    09 شباط 2016