20 آب 2017
http://maysaloon.news/

 

طارق العمراوي

جدلية الباحث والوثيقة:أسلمة بلاد المغرب

طارق العمراوي(*)

يعد كتاب " أسلمة بلاد المغرب إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل" للباحثة حياة عمامو نصا مرجعيا ارتبطت الباحثة باشكاليته ارتباطا عضويا إذ موطنها بلاد المغرب العربي والبحث في تاريخه السياسي والحضاري من أولويات أبناء البلاد رغم اختيارات العديد من الباحثين والدارسين لإشكاليات ومسائل بعيدة ذاتيا عنهم لكن يرتبطون بها موضوعيا كأعمال المستشرقين وعلماء الآثار الموزعين في معالم ومواقع الحضارات المندثرة والمنسية والبحث تمكن من الكاتبة فتسلحت بمنهجية دقيقة استلزمت التحرك ضمن حقل مصدري متنوع ورغم تنوعه وتعدده ومثل مرتكزات بحثها إلا أنه مثل عقبة وعقبات أمام سعيها لكشف الحقائق والملابسات والظروف طيلة فترة تاريخية محددة وطويلة نسبيا.

الباحثة:حقل العمل ومتطاباته

طرحت الباحثة في مستهل كتابها تصورها العام، الإشكالية واحتياجاتها ومتطلباتها وعوائق العمل في هذا الحقل وان تمت دراسته من طرف العديد من الدارسين والباحثين كما تقول الكاتبة إلا أن العديد من الجزئيات مازالت تتطلب التمحيص والتفكيك لتلخص هذا التوجه الفكرة والإشكاليات والأرض والبيئة الحضارية عندما تقول "وقد سبق في حقيقة الأمر-مثلما وضحنا آنفا- أن تعرض العديد من الدارسين لمثل هذه الإشكاليات أو إلى بعضها وما توقفنا عندها إلا زيادة في توضيح العديد من الجوانب وتعميقها خاصة وأن معالجتها تعترضها العديد من الصعوبات لعل أبرزها شساعة فضاء بلاد المغرب وما يصاحبه من تلون واختلاف في التركيبة البشرية التي تتوزع على كامل هذه البلاد وتأثير ذلك على تقبل الإضافات الحضارية والثقافية الخارجية إلى جانب هذه الصعوبة توجد صعوبة أخرى قد تكون أهم وأخطر من الأولى وتتعلق بالأخبار الواردة في المصادر المعتمدة لدراسة مثل هذه المواضيع. هذه الأخبار التي يسودها الطابع الأسطوري الذي صاغه مخيال الناس فضخمه وفخمه بشكل جعله يبعد عن الأحداث التاريخيةليقترب من الملاحم والاساطير أكثر من كل شيء"( 1).

فالحقل الإشكالي والمعلوماتي الذي تعمل فيه الباحثة موزع بين الاسلمة والمقاومة والنحل وفي القرنين الأولين للهجرة أين تسلحت الباحثة بعالم الاحتمالات لفهم العديد من المسائل والأسباب والاستناجات التي يفرضها التحليل والتفسير والتساؤلات المتعددة في بحثها عند فواصل هامة والعديد منهم يبقى عالقا دون إجابات إذ تقول الباحثة "أسئلة نتركها معلقة في انتظار الإجابة التي لا تبدو ممكنة بالإمكانيات الحالية "(2).

وتقر في عدة فقرات بحثها جهل الباحث مثلا في حديثها عن موقع مدينة "تكروان" وعدم فهم إشكالية علاقةالبربر بالإسلام قائلة "إن الربط بين موقف البربر من المسلمين الفاتحين ثم انتشار الإسلام بينهم وانخراطهم في الجيش الإسلامي لتوسيع نفوذ المسلمين الفاتحين ثم التحقوا بهم وانصهروا فيهم للقتال معهم جنب إلى جنب في سبيل نصرة الإسلام " (3).

ولمحاولة حل الإشكاليات المطروحة والمرتبطة بالأخبار لجأت الباحثة إلى عوالم الافتراضات وحقلها الدلالي والى المجازفة الكبيرة كما تقول الباحثة في دراستها جوانب خاصة من دراستها.

المصادر:التنوع وإشكالياته

يتطلب البحث هنا الاتكاء على المصادر الأدبية وغيرها أكثر من المصادر الأثرية أين استقدمت الكاتبة مثالين أولهما مرتبط بحديث الكاتبة عن لغة البربر والكتابة اللوبية الموجودة بقبور في مصر ودراسات وأبحاث علماء الآثار وعلماء الانتربولوجيا لكل من فارداب fardhebe ومونود Monodوتجميعهم 600 نقيشة لوبية وثاني إسشهادها تقول عنه "أما فيما يتعلق بالأديان والطقوس فتعتمد على ما أورده أ. بال A.Belمن أن البحوث التي تولاها جولوL.Joleaud لم تستطع أن تثبت وجود الطوطمية قديما لدى البربر غير أن الحفريات الأثرية التي أنجزت في فترة مابين الحربين اضافة الى وجود التحريمات الخاصة ببعض الحيوانات مثل الكبش والثور والفيل والتمساح وما نعرفه عن نفس هذه المعتقدات المصرية كفيلة بدحض هذا الرأى" (4).

1- المصادر الأدبية:

لئن تنوعت وتعددت المصادر الأدبية التي عالجت هذه الاشكالية على حدة أو عرضاإلا ان الباحثة وقفت قارئة هذه المصادر بروح نقدية أوقفتنا عند عدة نقاط هامة نذكر منها تباعا غموض وتناقض هذه النصوص في حديث جيش البربر وقائدهم كسيلة إذ تقول " تتراءى المصادر تجميعها للأخبار المتعلقة بجيش البربر وقائدهم كسيلة شديدة الغموض ومتناقضة فمن جهة تجعل أن مواجهة البربر للمسلمين تمت باتفاق من البربر والروم ومن جهة ثانية تجعل الذين واجهوا المسلمين قوم كسيلة دون غيرهم" (5) .

كما طبعت الأخبار الواردة في المصادر بالضبابية والخلط في ذكرها عمل عقبة في شمال إفريقيا والخلط بين مواقع الأحداث وأسماء المدن والخلط بين الأحداث والتضخيم في ذكر غزو عقبة لقرطاجنة وتضارب الأخبار في شخصية معاوية بن حديج لنقدم هنا مثالين واضحين عن اختلاف المصادر أولهما الصلح الذي أبرم بين "الأفارقة" والمسلمين تتفق المصادر في الطرف الثاني وتختلف في الطرف الأول لتقول "إذا اشتركت الروايات الأربعةفي تحديد الطرف الإسلامي في الصلح وهو عبد الله بن سعد فقد اختلفت في تحديد الطرف الثاني فكان أهل القصور والمدائن في الرواية الأولى، وكان "بطريق افريقية" في الرواية الثانية ومسيحي افريقية في الثالثة وأهل افريقية في الرابعة" (6).

فهذا الاختلاف حللته الكاتبة وحولته الى تقارب وتطابق والمصادر الأربعة التي اعتمدت عليها هي لابن خياط، البلاذري، بن عبد الحليم وابن الأثير وثاني أمثلتها فتح طرابلس هل تم عنوة مما يجعلها أرض غنيمة أم صلحا مما يستوجب دفع الجزية والمصادر التي اعتمدتها هنا هي لابن خياط وعبد الحكم والبلاذري ثم تستشهد برؤية بن عذاري المراكشي الهامة التي وقفت عندها الكاتبة عندما يقول "وتوجه عمرو إلى طرابلس فافتتحها بعدما استغاث أهلها بقبيل من البربر يقال لهم نفوسة إذا كانوا دخلوا معهم في دين النصرانية".

وإذا اختلفت وتباينت الروايات والمصادر إلا أن الإجماع والاتفاق حاصل بينها في عدة نقاط نذكر منها هنا الصلح الذي عقد بين المسلمين وسكان البلاد اثر مقتل جرجير وانهزام البيزنطيين.

أما تعليقها على طبيعة النص الإخباري فقد لامسناه في عديد الفقرات، الاضطراب في صياغة الأحداث في حديث هدف عبد الله بن سعد تسلسل بعض الروايات ومنطقية أحداثها في رواية عبد الله بن أبي صالح بن عبد الحليم في حديث غزوة عبد الله بن سعد، الطابع الأسطوري والملحمي الذي يضخم ويعضم الأحداث واعتبرته الكاتبة من الصعوبات الأهم والأخطر، خيال الرواة كما في مثال تدمير قرطاج أو الإضافات الموجودة في بعض المصادر "قام بها الرواة لتبرير أوربما لتفسير بعض الوقائع" كما تقول الباحثة. أو تلفيقا في هذا المثال إذ تقول "من الوهلة الأولى يبدو النص الذي أورده الطبري ملفقا لأن البربر على ما اعتقده عندما يوفدون قوما إلى الخليفة يحب أن يكونوا وجوه القوم وأسيادهم لا أن يكون رئيسهم ميسرة السقاء الذي تنعته جل المصادر بالحقير أو الفقير" (7).

هذا عن المصادر العربية القديمة التي ارتبطت بنفس المرجعية المعرفية التي حاولت تفخيم المنتصر إلى جانب المخيال والذاكرة الجماعية للمغاربة وما اكسبت عقبة وذكراه وجعلته "المؤمن، المرابط الصادق الحازم الذي لا يوقفه أي عائق ولا يتوقف أمام أي شخص في سبيل إعلاء كلمة الله ونصرة الإسلام والمسلمين" واعتمادها أيضا على الروايات الشفاهية أما المصادر الأخرى فكانت لاتينية، إغريقية لأمثال بوليب وتيت ليف وس.قزالS.Gsell في تحليل عبارة وتاريخ البربرمثلا.

وغيرها من الملاحظات المنهجية والمعلوماتية التي شقت نص الباحثة وهي تحلل وتدرس مضامين الروايات العربية القديمة خاصة.

جدل الحضارات:

إن الإشكالية المدروسة هي من صلب هذا العنصر فأسلمة بلاد المغرب حركة حضارية امتدت لعشرات السنين ألحق فيها المغرب بتطورات وتحولات حضارية هامة. وصفت عند جزئياته الباحثة وأمعنت فيها منهجها وأدوات تحاليلها لندرس هذا الجدل في أبعاده الثلاث

الجــــــــدل

التاريخ المستقبل

النص المصدري الاخباري

إن تتتبع ظاهرة الجدل في نص الباحثة حياة عمامو ويجده مقسما ضمن أبعاد ثلاث أولهما أن البربر شعب في طور التحول والتقدم له مقوماته الحضارية الخاصة به ومن جملتها معتقداته الدينية التي تأثرت في وقت سابق برموز التدين الفرعوني وهذا الشعب أهين على مستوى النص المصدري الإخباري اللاتيني والإغريقي أولا أين اعتبر شعب متوحش ومنطقة متوحشة.

لتواصل الباحثة تركيز فكرة الدونية والتهميش مع العرب الفاتحين إذ تقول "مثل تسمية البلاد، اقترنت تسمية العباد الذين عمروها بنوع من الهامشية التي كرست النظرة الدونية التي ترجمها المسلمون في سياساتهم ضد البربر، غير أنه على خلاف تسمية المنطقة التي تهمشت تسميتها عن طريق المسلمين فان التهميش في تسمية سكانها لم يكن من ابتكار العرب عند لقائهم بهؤلاء البربر بقدر ما كان إرثا تناقله مختلف الغزاة الذين تداولوا منذ أقدم العصور على هذا الشعب وقد اشترك جميعهم في تكريس سياسة الدونية ضده" (8).

هذه السياسة ولدت لديهم العنف الذي قاوموا به كل الغزاة والتهميش ولد لديهم شعور بالقهر كما تقول الكاتبة فلقد ضخم النص المصدري العربي الكاهنة واستنقص من قيمة ميسرة المدغري أو المطغري الذي نعتته المصادر بالحقير والفقير .

والملاحظة المهمة الأخرى هي قلة الإشارات المتصلة بالبربر في مصادرنا العربية وما ندر منها حاولت الكاتبة لتكوين صورة عن البربر جمع هذا الشتات من الشارات قائلة " رغم سيطرة الطابع الملحمي على الأخبار التي توفرها المصادر ورغم بروز صورة الفاتحين وخاصة منهم القادة والزعماء على كل الأحداث الأخرى فان هذه المصادر تتكرم علينا بين الحين والآخر ببعض الإشارات التي تخص السكان "البربر" غير أن هذه الروايات كثيرا تكون عرضية توردها الرواية في سياق الحديث عن جملة عسكرية أو عن بطولات أحد القادة.....وإذا كان محور اهتمامنا هو إتباع أخبار "البربر" وردة فعلهم لاتجاه الفاتحين فقط وإنما خاصة تجاه الإسلام باعتباره الدين الذي باسمه تغزى بلادهم فانه يتوجب علينا تجميع هذه الإشارات العرضية وإعادة صياغتها وتركيبها ومحاولة استقراء الغامض من أحداثها واستنباط المسكوت عنه منها من اجل استكمال الصورة...." (9)

اما تاريخ هذه المنطقة فان الشواهد الاثرية ورسومات الكهوف البدائية تمثل دلائل حضارية على أن هذه المنطقة في طريقها المرسوم للنهضة ودخول التاريخ وقد سبق العرب الحضارة الأيبيرية والايطالية الجنوبية والصحراوية المصرية ثم الرومانية فالقرطاجية والبيزنطية وقد عددت الباحثة هنا من الأمثلة التي تواصلت رغم التلاقح الحضاري والجدل مثل الاعتقاد في الأرواح الطيبة والخبيثة التي تسكن المواقع الخالية والمظلمة في الكهوف وهي بقايا الديانات البدائية التي تعتقد أن لكل شيء نفسا وروحا Animisme،إشعال النار والبخور لطرد الأرواح الشريرة إذ حاولت الديانات التوحيدية القضاء على التصور القديم حاولت الملل والنحل استغلال هذا الموروث قائلة " ومن هنا يمكننا الربط بين المجال الزاخر الذي يتوفر في المعتقد البربري القديم، وما وجده الشيعة مثل الادارسة والفاطميين من طقوس تستوجب تماما لدراميتهم الدينية ،منها إشعال النيران ووضع السواد وإعادة التمثيل مما حصل للحسين وهي عناصر ثرية جدا امتزج فيها الإيقاع الإفريقي الصحراوي والمعتقد البربري بالفكر الشيعي الشرقي الذي ولد عند العرب وتطور عند الفرس" (10).

فالتحاور تم بين القادم والوافد وأصحاب الدار.فكما قبل أصحاب الدار الآخر تأثر الآخر بأصحاب الدار في المعتقد والعمارة وغيرهما من المجالات أما مستقبل المنطقة فقد يتشكل مع القادم الذي تفاعل معه البربر وهنا كان العرب الفاتحين وكانت المقاومة والصلح والحروب وردات الفعل والاغتيالات السياسية والتحالفات وقد مرت العلاقة بين الوافد وأصحاب الدار بعدة مراحل الفتح بالسلاح الذي رافقته سياسات متباينة في التعامل مع البربر وقد قدمت الباحثة عديد النماذج من هذا التعامل "عنف عقبة وشدته واحتقاره للبربر وأشرافهم"، استغلال الولادة للبربر وقتلهم الوالي يزيد بن مسلم "الذي أراد أن يرسم أسماء البربر الذين يحرسونه على أيديهم ليعرفوا على أساس أنهم حرسه على طريقة ملوك الروم".

قتل عامل طنجة عمر بن عبد الله المرادي الذي أراد أن يخمس البربر الذين أعلنوا إسلامهم.

في حين كانت سياسة أبي المهاجر ايجابية تجاه البربر تقريب أشرافهم وسادتهم وهذا موسى بن نصير يجعل من أهل الدار ينخرطون في الفعل الإسلامي على حد قول الباحثة لتستقر المنطقة نسبيا لكن صراعات الحكم والسلطة في الشرق تنعكس على المغرب العربي وتدخل معه المنطقة عالم النحل والفرق الوافدة من المشرق وتعاطف هؤلاء البربر مع كل هذه التشكيلات الخوارج، الشيعة والثورات والدول التي قامت تحت تصورهما العقائدي والفكري.

وعالم النحل والملل والفرق بحثت في تواصله و انقطاعه كظاهرة فكرية- سياسية كما بحثت سابقا في انقطاع المعتقدات البربرية فتقول الباحثة "هذه النحل التي يعود معظمها في الأصل إلى المشرق وقد اتخذت من بلاد المغرب ملجأ لها نشطت فيه وحققت نجاحات باهرة وصلت في بعض الأحيان إلى القضاء على ممثلي السلطة المركزية والإسلام الرسمي في مدينة القيروان لتحل محلهم (الشيعة) غير أن هذه النحل رغم تعددها ومدى انتشارها لم تترك بصماتها إلا في حالات نادرة" (11).

إن كتاب "أسلمة بلاد المغرب إسلام التأسيس من الفتوحات إلى ظهور النحل" للباحثة حياة عمامو يحمل في طياته إشكاليات منهجية -معلوماتية ارتبطت عضويا بالباحثة العاملة في مصادر عربية وغربية وأثرية بروح الباحث الطالب للتحقيق والمقارنات والخلاصات التي تفيد المبحث القابل لتجديد خلاصاته واستنتاجاته كلما سنحت الفرصة والمعطيات التي يمكن أن تقدمها المصادر الأدبية أو الأثرية.

الهوامش:

1- أسلمة بلاد المغرب – حياة عمامو – دار أمل للنشر والتوزيع الثلاثية الثانية 2004 (ص11)

2- نفس المرجع (ص39)

3- نفس المرجع (ص10)

4- نفس المرجع(21)

5- نفس المرجع (ص68)

6- نفس المرجع (ص37)

7- نفس المرجع (ص91)

8- نفس المرجع (ص20)

9- نفس المرجع (ص24)

10- نفس المرجع (ص22)

11-نفس المرجع (ص11)

تونس/2017.01.22

-----------------

(*) طارق العمراوي: كاتب وباحث تونسي.

http://maysaloon.news/