16 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

عبد الامير الركابي

ناهض حتر: محطة الموت العابرة

عبد الامير الركابي(*)

قال لي ناهض يوم بلغ الخمسين من عمره :"بقيت لي خمس سنوات"ولست ادري للان إذا كانت نبؤته تحققت، وما الذي كان يعنيه وقتها. فما ظل يشغلني بعد غيابه "القسري"، ليس الوقت، ولا دقة التوقع، بل الحدث الذي سيأخذني مع مرور الأيام، نحو معادلة غريبة، والى سؤال يلخصها: ترى هل يمكن للشخص إذا توفي أن لا يكون ميتا بنظر ذاته ؟

نحن نقول عادة، حين نتعرض لذكرى أشخاص بعينهم: "فلان ما مات ..ولن يموت"، هكذا يُجابه الموت القاسي والماحق بالكلمات، إذا ما حدث وانتصر على الحلم مجسدا في شخص، وذلك ما يبدو من بعض الوجوه، اقرب للمنطق حسب أرسطو، وكل قواعد التفكير بعده، منذ أرساها.
يحضر ناهض منذ سنه معي، فيقحمني من دون توقف، وسط مغامرة مستفزة، موضوعها الغريب الملح: استكمال حياة لم يعد ممكنا استكمالها، فعلى مدى أشهر غيابه، وافتقادي له، لم يكن الموت قادرا على انتزاعه مني، أو إقناعي بان كل شيء انتهى، والى الأبد. فالطارئ المفجع، أجج بيني وبينه، تكرار محطات سلوك كنت الحظها، ولا استطيع الجزم بشأنها، تذكرت أنها كانت حاضرة بيننا، إلى أن تحولت لمعضلة مجالها نوع من لعبة ثنائية اللغة، وقواعد التفكير، إلى لحظة أن انتبهت فجأة، ومع وطأة الفراق القسري، أن صديقي ترك عندي عهدة خطرة. لم أكن قد استطعت من قبل أن افرغ منها، أو أصل إلى مستقر بخصوصها، فرضيت أن اختزنها وأعايشها، دون أن اكشف عنها له هو بالذات، وهاهو ناهض يحضر في ازدحام الصور في مخيلتي، خارج نظام اللغة ونظام التفكير،المقرر والمعتاد، فكنت أراه بحسب الذاكرة، متفلتا بهدوء، بغض النظر عن قانون الاستحالة، من رابطة اللغة / الواقع، المسيطرة علينا.
دعوني أحاول شرح تجليات هذه المعادلة، بقدر ما استطيع، فناهض من بين كل من عرفتهم، كان يصنع سلما غير مرئي، ولا مألوف، يرتقي به عن العادي، وهو بذلك مضطر لان لا يخضع لإيقاع الزمن المتداول، لم يكن مثلا يملا فراغات مابين "المهمات" والقمم، أو "اللحظات" التي تنتمي لعالم المنجز، وأزيد، لعلي أوفق في الشرح والتقريب، بان البشر عادة يعيشون لحظات تكثيف، هي قمم فعلهم ونشاطهم، بحسب نوعه، ووفق ما يمثلون أو يحتلون من موقع، ويؤدون من دور، فالعاديات تكثر، والهوايات أو المسكنات تطغى إن لم تختلق ( السكر، أو اللهو، أو لعب الورق، وأشكال التسلية المختلفة، والهوايات والادمانات، مضافا لها بقية الشؤون الحيوية المتصلة بإدامة الحياة، مثل الأكل والشر ب، وغيره من الأساسيات) بين الناس العاديين، في حين تتغلب لدى أصحاب المهمات، والمنجز، والإبداع، والقضايا الكبرى، لحظات انشغال من نمط آخر، قد تقلص من انشغالهم، أو الوقت الذي يخصصونه لشؤونهم الحيوية، وحاجاتهم، كما يمكن أن نتعرف على حالات وسط، يجمع خلالها البعض، بين العادي، والاستثنائي من النشاط الوجودي، الأمر الذي يختار ناهض من بين صنوفه حالة خاصة، محيرة.
فهو متستر، مستهين بالعادي، بلا استعراض، واللحظات التي يقضيها مضطرا لمعايشة العاديات، تبدو بوضوح، لحظات انتقال زائدة غير ضرورية، كنت أظن أن خياره، أو سره، (الاجتماعي) هذا، هو الطريق الذي كان قد عثر علية عفويا، أو بالتقصد الواعي، لكي يرتقي داخل محيطه / خارجه، كي يضمن أن لا يُشعر من حوله بالاستفزاز، ومع انه ظل رغم ذلك شخصا مستفزا، إلا أن طبيعة ممارسته الآنفة لحياته، خففت إلى ابعد حد درجة، النقمة عليه، وربما، لا بل هي أطالت فعلا،في استمرار وجوده حيا زمنا إضافيا.
ولم يكن هذا من دون ثمن، أو من دون حاجة لأقلمة استثنائية للعلاقة بالزمن، حتى انه كان يجبرني دائما على التيه وراء تمارين صعبه، لكنها ليست محرمه، لكي اعثر عليه، لن أتوانى عن ذكرها بهذه المناسبة، حتى وان كان واقع الحياة والثقافة، قد غادرهما مثل هذا الجموح التفكري للأسف، لصالح العاديات، فقد كنت أتذكر بان الإنسان الصيني مثلا إذا قيل له: ( فلان كان كذا، وأصبح كذا) بحسب مفهومنا اللغوي، وتراكيبنا، وطريقة تفكيرنا، فانه لن يفهم ما نقصد، لأنه لا يرى العالم ماض، وحاضر، ومستقبل، منفصلين عن بعضهم، بل يراه ك "صيرورة".
وقتها بدا لي إنني اقتربت من التعرف على صاحبي وان متأخرا، وان هذه الزاوية، هي ما كانت تنقصني قبل أن انتقل، من التفاعل الشعوري مع آخر قريب، إلى التلاقي معه. مع أنني صرت بعد إعلان غيابه المأساوي، أكثر تطلبا، بحيث تذكرت فقرة من نورمان بريل تقول: (إن اليونانيين كانوا يعيشون في حاضر دائم، وان الزمن يتجه نحوهم، ثم يمضي إلى الوراء، فكانوا يميزون بين " الآن" و"عندئذ"، ولم يكن لديهم إي إحساس بأنهم يمرون خلال الزمان كما نفعل)*، ما دفعني لان أتوقف أمام تمرينات علاقتنا البالية المتكلسة كمجتمعات بالزمن، وبالمصائر. لأجد أمامي رائدا ضمن عالم خفي، منكر كليا، فتزداد حيرتي وأنا أتساءل إذا كان ما يفعله ناهض ممكنا في واقع مثل واقعنا ؟ ولم أكن اشك إننا نعيش تحت مستوى ما يقوله نفس الكاتب والعالم الحاذق المتبصر، وهو يصرح: ( فان العبارة "روية الشيء دليل وجوده" هي في رأيي، من اشد العبارات التي وضعها الإنسان تضليلا ،لان الأرجح انك ترى ما تعتقد، لا تعتقد ما تراه)* ما يعني أن منظومة التفكير التي نكون قد تدربنا عليها قسرا، أو اضطرارا، لاعتبارات وجودية، كما الحال مع ناهض كأردني متفرد، معني بان يجعل الجمل ينفذ من خرم الإبرة، قد يفضي لاكتساب قدرة غير مرئية، واجتراح سبيل يصعب اكتشافه ووصفه.
وحسب ظني انه حين كان يتلقى الرصاص من محترف "صييب"، كما روى لي شاهد عيان كان حاضرا الجريمة، فانه قد تخطى، أو استطاع بمخزون ممارسته المطوعة للزمن، والمكثفة للأفعال، تخطى لحظتها، حاجز العادي، ليستقر خارجه، مثل اليونانيين القدماء، أو الصينيين، بحيث افلح في تحاشى الموت بنظر ذاته، وبهذا يكون ناهض على الأرجح قد انتصر، تاركا لنا وهم موته الذي غادرني، وصرت موقنا بأنني إذا وصلت إلى الأردن بعد أيام، فسأجده هناك في المطار، يستقبلني كعادته مع صديقي الأخر، ماجد.
ووقتها نضع كتفينا متجاورين، ونواصل سيرنا كأننا لم نفترق، بينما هو يهمس في إذني: كما فعل أول مرة : ( ماجد أخي ووزيري)، فإذا وجدني غير مكترث بما يقول، طلبا للأهم، يكمل قائلا:" لقد ذهب إلى الوراء.. الموت رايته يمر...".
ووقتها تبتسم دواخلي ....ولا أعود متشككا على الإطلاق
من أن ناهض حتر ....لم يمت بعين ناهض حتر...

بغداد/ 2017.09.25
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) عبد الامير الركابي: كاتب وباحث عراقي.
(1 ) بزوغ العقل البشري / نورمان بريل/ ص 182 /171 / مكتبة نهضة مصر ومطبعتها/ ترجمة إسماعيل حقي.

http://maysaloon.news/