17 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

عدي مدانات

 

الجدة على عنادها

عدي مدانات(*)

نأت الجدة بنفسها عن جلسة أبنائها، محتدمة النقاش بشأن يخصها، وأخذت جلستها عند فتحة باب مدخل المنزل، حيث بوسعها رؤية المنحدر المخضّر والمزهر، دون عناء. يأخذها النعاس تارة، وتنتزع أحاديث أبنائها النوم منها تارة أخرى، فينتصب جذعها وتصغي، لكنّها سرعان ما تنصرف عنها، فهي لا تبالي بما يستقر عليه الرأي، فلن تغيّر نتيجته قيد أنملة في ما أزمعت على فعله. إنها امرأة قوية الشكيمة، لا تحيد أبداً عما تراه صواباً، أو حقاً من حقوقها. يمكن تلمس قوة شكيمتها بمجرد النظر إليها، بشعرها الأبيض المشدود دائماً إلى الخلف، وعنقها المشرئب بعروقه النافرة، ونحول جسدها الصحي الذي يبقيها نشطة، وأخيراً نظرتها الصارمة التي تشعر الآخرين باستحالة معرفة ما يدور بنفسها.
باستثناء جلسة الأبناء محتدمة النقاش، كان الهدوء يرين على أرجاء المنزل الفسيح، حيث تجمّعت الزوجات داخل المطبخ وخارجه قرب بابه، في مؤازرة لربة المنزل المنهمكة في إعداد الطعام، واجتمع الأحفاد في غرفة أخرى، لا يفعلون سوى انتظار نتيجة النقاش. يتسلل أحدهم بخفة ليقترب من مجلس الكبار ويصغي، ثم يعود ليعلمهم أن الاتفاق لم يحصل، فلا يشفي غليلهم. يرسلون غيره بعد تريث، فيأتي بالنتيجة عينها. تأخذ الحماسة آخر، فينهض ويتجه إلى مجلس الجدّة مستعطفاً هذه المرة، لثنيها عن قرارها، لكنّه حين يصير بمواجهتها، يعجز عن النطق، فيعود أدراجه ليقول: إنها على عنادها.
عجز الأخوة المجتمعون عن التوصل إلى قرار، فلاذوا بالصمت وأطرقوا، وفيما هم على هذه الحال وصلت شقيقتهم سعاد، وهي ثالث المواليد والوحيدة التي حصلت على تعليم جامعي وتكتب القصة القصيرة، ما أكسبها احتراماً خاصاً. وجدت والدتها عند فتحة الباب جالسة بهدوء، لا تدل هيئتها على حدوث مشكلة استدعت دعوتها على وجه السرعة. انحنت وقبلت جبينها، ثم استقام جذعها ورأتهم مجتمعين ومطرقين. تقدمت وصافحتهم، ثم جلست ولم يفتها ملاحظة فتور هممهم. تصفحت وجه أكبر أشقائها سنا.ً كان شديد التجهم ما زاد في فضولها، فسألته:
- "أبو مجدي" .. ما المشكلة؟
شبك أصابع اليد الواحدة بأصابع الأخرى وأخذ يضغط، ثم نطق:
- أمكِ تريد أن تتركنا لتقضي العيد في منزلها.
التفتت إذاك إلى الآخرين، وقد نكس كل واحد منهم رأسه تجنباً للكلام، فلم تعقّب في الحال، ما أثار غضب "أبو مجدي" ودفعه لأن يخاطبها بانفعال:
- هي في منزلي منذ شهرين كما يعرف الجميع، معزّزة مكرّمة، وجميعنا نقيم في عمّان، فلماذا تريد العودة إلى الزرقاء لتقضي العيد وحيدة في منزلها؟.
اكتفت بالصمت وانتظار رأي آخر يكشف وجه الخلاف، غير أن ما من أحد نطق، ما فجّر غضب "أبو مجدي" ودفعه لمخاطبة الجميع:
- هي أمي وأمكم أيضاً.
دارت العيون في محاجرها، ولدقائق عدة لم ينطق أحد، فقد سبق وأن أدلى كل منهم بدلوه، ثم رفع أبو حسان، رأسه وقال:
- أبو مجدي: أنت على رأسي وطلبك مشروع، لكن أمك عنيدة وأنت تعرف.
ردّ من فوره:
- أن هي عنيدة أنا أعند، والله ما هي طالعة من بيتي.
ثم توجه إلى سعاد بالقول:
- منذ نصف ساعة ونحن نلف وندور، العيد بعد غد، وحضرة أمك جهّزت حقيبتها لترجع لدارها وكأن دار ابنها دار غريب، أنا بحاجة لدعمكم ومساعدتي في إقناعها.
لم يبد عليها أنها بلغت وضع من يستعد للحديث، فاكتفت بهز رأسها، إما الآخرون فقد تبادلوا النظر في ما بينهم، ثم غضّوا أبصارهم في عزوف واضح عن إبداء الرأي، ما دفعه إلى الانفراد بالكلام:
- القصة وما فيها أنانية الأمهات، فهي تريد أن تمتحننا، بأن تحملنا للّحاق بها إلى الزرقاء، لو كانت هناك لحملنا أنفسنا وذهبنا، ولكنّها هنا والأمر الطبيعي أن تبقى بيننا.
كان كل منهم قد استنفذ ما لديه، فلم يعقّب أي منهم، ما أثار غضبه شاملاً به سعاد التي لم تدلِ برأيها وقال:
- حضرتك لم تنطقي بكلام ولم توضحي موقفك.
أطالت التفكير، ثم رفعت رأسها ومثل من استعدت لحديث لن يرضيه، حدقت به للحظة مديدة، ثم قالت:
- مع احترامي لك وأنت كبيرنا سناً وفهماً، إلا أنك هذه المرة تأخذ الأمور من جانبك، تريد أن تكون مرتاح الضمير لأن الوالدة في بيتك وليس في بيتها بعيدا، بحيث تحملك على التوجه إليها في يوم العيد، ولهذا لا تريد أن تأخذ جانبها.
ما إن قالت ذلك حتى تشجع أبو رامي وقال موجهاً كلامه ل" أبو مجدي":
- كلامك على الرأس والعين، لكن يمكن عندها سبب والله أعلم.
عقّب أبو مجدي دون أن يخفض من منسوب غضبه:
- هذا تعسف وحسب، فما من سبب آخر.
قطع أبو جميل وهو أقلهم مشاركة في الحديث وقال:
- ببساطة: الأم تحب أن يأتي أبناؤها إليها ونحن كنا سنذهب إليها، نجتمع في دارها وهي تعد لنا وجبة الطعام، نقضي النهار لديها، ثم نعود إلى دورنا، فما المشكلة إن طلبت دارها؟
صار من الواضح أن انضمام سعاد إليهم أحدث تعديلاً في أمزجتهم ورؤيتهم للمعضلة، ما دفع "أبو مجدي" لأن يتوجه إلى جعفر أصغرهم سناً وقال:
- أنت لم تقل شيئاً.
أجابه:
- أنا عبد مأمور .. إن استقر الرأي أن تبقى أوافق، وإن وافقناها الرأي أتولى أمر إيصالها.
عقّب أبو مجدي محتداً:
- إن طلعت من داري، والله لن أذهب إليها في العيد. إن هي عنيدة.. أنا أعند.
قال "أبو حسان" وهو خافض الرأس والصوت:
- والله القصة، مثل جاهل رمى حجر ببئر ومائه واحد ما طلّعه.
لم ينتبه إلى ما قال سوى سعاد. نظرت إلى الأرض لحظة، ثم إلى راحة يدها وأطالت النظر، ثم واجهتم وقالت:
- أنتم تعرفون الوالدة قوية الإرادة وكريمة النفس وباب بيتها مفتوح لجاراتها، يبكرن في زيارتها قبل أن تدب الحياة في الحيّ، فيجلبن لها سروراً، ثم نأتي نحن، فتزداد سروراً باستضافتنا، هذا ما استقر عليه حالها، وهي لا تريد أن تغير في ما استقرت عليه. لا تريد أن يغلق باب بيتها في العيد ولا تحب أن ترى جارتها بابها مغلق. هذه عزة نفس، لا حجر ولا بئر يرتمي فيه وفهمكم كفاية.

جحظت العيون إليها وارتاحت قسمات وجوه وخلت أخرى من أي تعبير ووجد أبو مجدي نفسه يقول:
- أنا مش فاهم، كل المطلوب منها أن تبقى ثلاثة أيام زيادة. للعيد بهجته ووجودها معنا يكمل البهجة، لو كان عندنا ضيف غريب لتمسكنا به.
تبسطت وقالت:
- لكنّها عندنا ضيفة وفي دارها، صاحبة الدار.
فلتت من "أبو مجدي" زلة لسان:
- إن كانت الجارات أعز منا، أقسم أنني لن أذهب إليها يوم العيد.
صرح "أبو حسان" بما أغضبه:
- شوف "أبو مجدي" أنت كبيرنا ورأس تاجنا، ولكن مثل هذا الكلام لا يصح.
أدرك خطأه وقال:
- يلعن الشر ويومه.
أطرق للحظة ثم رفع رأسه وقال:
- إن هذا رأي الجميع ...
لكنه لم ينه كلامه. التفت إلى جعفر وقال:
أمك بعهدتك.
وفيما كان "جعفر" يقلها بسيارته التفت إليها ورأى علامات الظفر تكسو وجهها. آخذ يمينه، وأوقف سيارته للحظة، قبّل يدها وجبينها، ثم تابع السير.

2016.08.04

(اللوحة للفنان العراقي شاكر الالوسي)

-------------------

(*) عدي مدانات: محامي وقاص أردني

http://maysaloon.news/