11 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

عصام التل

الخاسرون:هل يمكن تغيير شروط اللعبة؟

عصام التل(*)

(قراءة غير متأخرة في كتاب المناضل الوطني اليساري الراحل ناهض حتر)

"الخاسرون" هو عنوان أطروحة للمناضل الشهيد ناهض حتر تؤرخ لحقبة من تاريخ الأردن شهدت تحولات متسارعة في سياسات النظام الحاكم الاجتماعية: تحولات طرحت مجمل العلاقة بين النظام، ومن الجهة الأخرى، قاعدته الاجتماعية التقليدية "الأردنية"، التي وصلت إلى ذروة اتساعها في أوائل سبعينيات القرن العشرين، جراء الاستقطاب الذي فرضه الصراع بين النظام و"منظمة التحرير الفلسطينية" في الأردن، وعلى الأردن.

من دون الدخول في التفاصيل التاريخية والسياسية للحقبة التي تلت حسم النظام للصراع مع "منظمة التحرير" لصالحه، لا بد من الإشارة إلى أن نتيجة هذا الصراع غيرت على نحو نوعي طبيعة العلاقة بين الأردنيين والفلسطينيين (الإشارة هنا وظيفية غايتها تسهيل التحليل وليس التصنيف الحقوقي أو حتى السياسي بحسب المنابت والأصول) بحيث يمكن الحديث عن العلاقة الأردنية- الفلسطينية ما قبل أيلول 1970، وما بعد أيلول 1970.

ما يعنينا في هذه المقاربة للمسألة التي يطرحها الشهيد الراحل ناهض حتر في كتابه التأريخي هذا للفترة ما بين نهاية القرن العشرين والسنة السادسة من القرن الذي تلى هو محاولة التعرف على من هم "الخاسرون" الذين يتحدث عنهم المؤلف، واستطلاع أبعاد "اللعبة" التي يتحدث عنها، ومحاولة الإجابة على سؤاله: "هل يمكن تغيير شروط اللعبة؟"

"الخاسرون" الذين يتحدث عنهم الشهيد ناهض حتر هم تلك الشرائح الواسعة من "الأردنيين" التي استفادت مما يمكن تسميته "دولة الرعاية الاجتماعية"، وهي الدولة التي وضع أسسها الزعيم الوطني الأردني الراحل الشهيد وصفي التل، منذ تشكيله حكومته الأولى في أوائل ستينيات القرن الماضي، واتسمت بالتوسع في الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة، بحيث شكل قطاع الدولة (العام بصورة من الصور) القوة الاقتصادية- الاجتماعية الرئيسية، وبالتالي السياسية في البلاد، ولا سيما بعد الإجهاز على العمود الفقري للحركة الوطنية الأردنية ومشروعها للتحرر الوطني والاجتماعي، عقب انقلاب أواسط 1957 على الحكومة الوطنية، وبدء مرحلة سيطرة "السي آي أيه" على مقاليد الحكم في الأردن، بما رافقها من تدفق للمساعدات الخارجية وتوسعة للسوق وجهاز الدولة الأردنيين.

شهدت "دولة الرعاية الاجتماعية" (في حقيقة الأمر لم تكن سوى شكلاً من أشكال الدولة الريعية المستندة في الأساس لا إلى الثروات الوطنية المحدودة، وإن كانت هذه قد شهدت طفرة تنموية كبيرة نسبياً في هذه الفترة، وإنما إلى الدور الخدمي الأمني والجيوسياسي للنظام في إطار التقسيم الإمبريالي للعمل منذ تشكيل الإمارة)، شهدت هذه الدولة استيعاب أعداد كبيرة من أبناء الريف والبادية الأردنيين في أجهزة الدولة، بمن فيهم ناشطون سياسيون يساريون وقوميون ووطنيون سعت حكومة وصفي التل الأولى إلى تحييدهم، ضمن تسوية تاريخية داخل بنية النظام.

استمرت هذه الصيغة الاجتماعية- السياسية، التي يحلو لبعض الباحثين وصفها بأنها تعاقد بين قمة هرم النظام و"الأردنيين" على أساس المنفعة المتبادلة، دون أن يخرج ذلك الدولة الأردنية عن إطار الدور الوظيفي للنظام السياسي في خدمة الأهداف الجغرافية السياسية للراعي الأميركي ومشاريعه الإقليمية، بما في ذلك إزاء القضية الفلسطينية، سواء من حيث احتواء النتائج السياسية لتنفيذ "وعد بلفور" واحتلال الجزء الأكبر من الأراضي الفلسطينية ابتداء، ومن ثم كامل الأرض الفلسطينية في حرب 1967؛ أو من حيث احتواء القسط الأكبر من الفلسطينيين الذين شردهم احتلال فلسطين، عبر ضم الضفة الغربية والتوطين التدريجي للاجئين في سياق هذا الدور.

يشير المفكر الراحل ناهض حتر، في كتابه "الخاسرون"، على نحو ملفت للنظر إلى أن التحولات التي شهدتها "دولة الرعاية الاجتماعية" في الاتجاه المعادي للمصلحة الاجتماعية للأردنيين تكثفت مع بداية القرن الحادي والعشرين، علماً بأنه يشير في كتابه أيضاً إلى أن السياسات الليبرالية الجديدة (برامج "التصحيح الاقتصادي" والخصخصة وسواها من أشكال الإجهاز على قطاع الدولة الاقتصادي والمديونية الخارجية) بدأت قبل ذلك، مع إجراءات "صندوق النقد الدولي" المعادية للطبقات الكادحة التي اتخذتها حكومة زيد الرفاعي في أواخر الثمانينيات، وأدت، في نهاية المطاف، إلى هبة معان، التي امتدت لتشمل معظم مناطق الأردن وشكلت جرس إنذار يشير إلى القادم من الإجراءات الاقتصادية، وما تعنيه من التخلي السريع عن دور الدولة الاجتماعي، بالاتساق مع السياسات الليبرالية الجديدة التي اعتمدتها المراكز الإمبريالية، وخاصة الأميركية والبريطانية في عهد ريغان وثاتشر، مطلع الثمانينيات، وما عنته من تخل عن دولة الرفاه الاجتماعي، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

يرى المناضل الراحل أن الفترة التي يغطيها الكتاب شهدت تنامياً لدور البيروقراطية الأردنية، العسكرية والمدنية، في مقاومة النهج الليبرالي الجديد، خاصة وأن هذا النهج كان يعني خساراتها لامتيازاتها ودورها السياسي (التعاقدي) داخل النظام، وهو ما يجد تفسيره في الحديث عن دورٍ لشرائح من هذه البيروقراطية في الحراك الاجتماعي- السياسي الذي شهده الأردن واجتاح العديد من بلدان الوطن العربي، والانتفاضات الشعبية التي اندلعت مع بدايات العقد الأخير، فيما وصفه الإعلام الغربي "بالربيع العربي"، تيمناً "بربيع براغ"، الذي شكل إحدى الحلقات التاريخية البارزة لمساعي الإمبريالية للإجهاز على المنظومة الاشتراكية.

وتجدر الإشارة، هنا، إلى الدور المهم الذي لعبته البيروقراطية الأردنية، وخاصة في سياق "ظاهرة وصفي التل" الاجتماعية- السياسية، في استقطاب قواعد اجتماعية واسعة من الأردنيين واحتوائها تحت مظلة النظام. كما ينبغي الإشارة إلى مسألة في غاية الأهمية بالنسبة لهذه البيروقراطية، وهي شعورها القوي بأن الدولة الأردنية هي دولتها التي تتعزز صلاتها بقواعدها الاجتماعية من خلالها، وبالتالي بأن تقليص الدور الاجتماعي للدولة هو تقليص لنفوذها. وزاد من هذا الشعور بالتهديد العامل التاريخي الخاص الذي حكم الجغرافيا السياسية لدور النظام، ألا وهو "دوره الفلسطيني". فأصبح للسياسات الليبرالية الجديدة مغزى خاصاً لدى هذه البيروقراطية يعني تغول السوق على حساب الدولة، بما يحمله هذا من تحولات تعني تقوية دور الكمبرادور الفلسطيني على حساب دورها، وبالتالي تعزيز فرص مشروع "الوطن البديل" للفلسطينيين، الذي تعمل الإمبريالية الأميركية و"إسرائيل" عليه بصورة منهجية، ويقوم القصر بالدور التنفيذي فيه.

"خاسرو" الراحل ناهض حتر في 2006، وهي سنة صدور الكتاب، إذن، هي البيروقراطية الأردنية والشرائح الاجتماعية المرتبطة بتسهيلاتها. "فهل يمكن تغيير شروط اللعبة"؟

ناهض، قبل استشهاده بوقت ليس بالقصير، أجاب على سؤاله هذا. عرف أنه لا مانع لدى الشرائح العليا من البيروقراطية الأردنية منذ البداية في أن تلتحق بالكمبرادور، فلسطينياً كان أم حتى "إسرائيلياً". وظل السؤال يلح عليه: ماذا عن الشرائح الوسطى ومن هم في صفوفها الدنيا؟ أين سيذهبون؟ لقد ظل هذا السؤال يؤرقه حتى استشهاده. رغم أنه كان يدرك الحقيقة الكبرى للظاهرة الأردنية تاريخياً: إن القانون العام الذي يحكم سيرورة ما يحدث في الداخل الأردني، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، قد ظل منذ قيام الإمارة، وسيظل حتى قيام قيامتها، هو قانون التبعية للدور الذي أوكله وزير المستعمرات البريطانية، تشيرتشل، بتوصية من ضابط الاستخبارات لورانس، لنظامها في أوائل العشرينيات من القرن الماضي. وبالتالي، فلا تغيير لشروط اللعبة إلا في التفاصيل، ولا تغيير للقانون الذي يحكم هذه اللعبة إلا بتغيير اللعبة نفسها، وهو ما أدركه الشهيد الراحل ناهض جيداً ساعة جعل من النضال الشامل ضد الإمبريالية والصهيونية والرجعية والتبعية، إلى جانب سوريا المقاومة و"حزب الله" وحركة التحرر الشامية والعربية عموماً، برنامجه الذي استشهد من أجله.

ودّع الشهيد الراحل ناهض حتر وهم "دولة الرعاية الاجتماعية" آسفاً.. وخرج من تحت عباءة دولة وصفي التل للرعاية الاجتماعية مبكراً.. لكي يعود إلى الحقائق التي أوصلته إليها المعاناة، مع "عرار"، ولسان حاله يقول:

"كم فارس هو في الحقيقة عند راتبه مطية

ومدججٍ قاد السريّة وهو قواد السريّة..."

عمان 2016.12.01

-------------------

(*)عصام التل: قيادي يساري أردني

http://maysaloon.news/