12 كانون1 2017
http://maysaloon.news/

 

عقيل محفوض

هل تُوَحِّد "إسرائيلُ" العرب؟!

عقيل سعيد محفوض(*)

بعد عقود من النكبة، لم تتأسس معرفة العرب ب"إسرائيل" على البداهات التي يفترض أن يتأسس عليها الصراع معها، وهو "صراع وجود لا صراع حدود"، وعلى الرغم من أن قيام "إسرائيل" كان ولا يزال ولوداً لنكبات كثيرة، ومنها ما يجري في سورية والعراق وليبيا، وإلى حد ما اليمن والبحرين، إلا أنه لم يتم تدارسها بشكل ينسجم مع الحدث، ولا تزال المقاربات المُضلِّلَة تُعَطِّل التبصر في موضوع قيام إسرائيل واستمرارها حتى الآن.

بمرور الوقت، تراجع موقع النكبة والمسألة الفلسطينية في الخطاب السياسي والثقافي، خلا استثناءات قليلة، وبعدما كانت الأسئلة عن قيام "إسرائيل" وتداعياته أكثر بداهة وعمقاً، وتعبر عن تناقض تام أو محض، تناقض غير قابل للتسوية؛ تحولت الأسئلة والتقديرات إلى التسوية السياسية، وحل الدولتين، والوطن البديل، وعوائد السلام الخ ثم إلى تغيير في الأولويات تمثل بتنحية المسألة الفلسطينية والصراع مع إسرائيل إلى درجة أدنى، تمهيداً لإغلاق الملف نهائياً، إن أمكن، مقابل بروز أولويات طارئة أو مستجدة مثل: الجهاد الأفغاني، واحتواء الثورة الإيرانية، وكسر هلال المقاومة، وصولاً إلى دعوة السعودية لإقامة حلف ناتو إسلامي "سني"، يضم إسرائيل والولايات المتحدة، لمواجهة إيران وحلف المقاومة "الشيعي"! هذا استبطان فائق لما تريده "إسرائيل"، وتقديم أوراق اعتماد لديها كونها مرشحة أمريكياً وخليجياً وتركياً وأوربياً لقيادة الإقليم في حال انتهت الحرب السورية وفق ما تريد "إسرائيل" وحلفاؤها.

يفسر موقف "إسرائيل" من الحرب الدائرة اليوم في سورية الكثير من الأمور، هنا "الحاضر ينير الماضي" كما يقول نيتشه، كما أن "الماضي ينير المستقبل". كيف تشكلت "إسرائيل"، وكيف استطاعت أن تستمر حتى الأن، وكيف أمكنها أن تنقل علاقاتها وتحالفاتها مع عدد من الدول العربية والإسلامية من السر إلى العلن، وكيف أمكنها وأمكنهم الجهر بتحالفاتهم تحت عنوان ديني مذهبي ضد حلف المقاومة أو هلالها؟ العامل المهم هنا هو أن كل جزء من سردية قيام "إسرائيل" وسياساتها يفسر ما قبله كما يفسره ما بعده.

انهيار سورية والمقاومة -فيما لو حدث- يريح العرب حلفاء إسرائيل من الشاهد المتبقي الوحيد تقريباً، على ولائهم لها، وجريمتهم بحق فلسطين وبحق أنفسهم، والمعركة الدائرة اليوم هي من أجل القضاء على ذلك الشاهد.

في أساس الحرب الدائرة في سورية، أن دخول العرب في مظلة "المشروع الإسرائيلي" والتحالف مع أمريكا خير لهم من الدخول في مشروع المقاومة! ويبدو أن محاولة إسقاط دمشق والمقاومة هو بهدف إسقاط للحاجز الأخير الذي يمنع التلاقي،بل التماهي، بين المشروعين التلمودي والوهابي،المتمفصلين مع المشروع الأمريكي، واللذين يبدو أنهما ولدا ليعيشا معاً، ربما على قاعدة أن "إسرائيل" لم تغتصب فلسطين، و"إنما شُبّه لهم"، وان العداء بين العرب و"اسرائيل" هو بدعة ايرانية، وكانت قبل ذلك هذا يسارية أو سوفيتية!

وطالما أن بعض أهل القضية الفلسطينية يقبل، فإنه لا حجة على "صوابية" التعامل مع "اسرائيل" أبلغ من موت من يعاديها أو إسقاط أو إجهاد من يقاومها أو حتى إغراقه بالدماء والدمار؛ يقولون: انظروا كيف يعيش هؤلاء! يجب التدقيق في حالة التشفِّي التي تعكسها وسائط الميديا الخليجية وشبه الخليجية عند قيام إسرائيل باستهداف المقاومة أو عندما تعتدي على مواقع للجيش السوري.

تمكنت "إسرائيل" من إحلال الذاكرة الفقهية لدى العرب محل الذاكرة السياسية والحضارية، وإحلال الصراع العربي – الإيراني والصراع بين السنة والشيعة محل الصراع العربي – "الإسرائيلي"، ورأت أن التخلف والفرقة والحُمق في السياسة تؤدي بهم إلى الفشل؛ ويجب على العرب أن يقرأوا "إسرائيل" جيداً، فقد أمكنها أن تحقق ما بدأ خيالاً ووهماً وتحول خلال فترة قصيرة نسبياً إلى حقيقة وواقع، ولو أنه قلق ولا مستقبل مديداً له.

قيام "اسرائيل" هو –في جانب منه- نتيجة ألف عام من السيطرة الأجنبية على المنطقة، لم يستشعر كثيرون فداحة الخطر، ولم تكن لدى الناس المناعة الكافية لمقاومة مشروع بهذا الحجم، ربما بحكم العادة وطول المدة. حتى عندما جاءت لجنة كنغ كراين إلى المنطقة في بدايات القرن العشرين وجدت من يطالب بانتداب أمريكي وإن لم يكن فبريطاني! والتهجير واستبدال السكان لم يكن ابتداعاً إسرائيلياً، فقد قام به المماليك والعثمانيون وآل سعود وغيرهم، كما أن الغزو والاستيلاء كانا جزءا من تاريخ ومن معيوش المنطقة،. وفكرة التغيير الديمغرافي والاستيطان ليست طارئة في المنطقة، قبل مئة عام كان الترك أقلية صغيرة حاكمة في الأناضول، وقبل خمسمئة عام كانوا قبيلتين أو أكثر في بحر من الكرد والعرب واليونانيين والأرمن.

مع كل التقدم والتمدد الذي أحرزته "إسرائيل" خلال عقود من قيامها، فقد جاءت مقاومةُ مشروعها من أقل النقاط احتمالاً ومن أقل الفواعل قوة، أي من لبنان ومن قبل حزب الله، هذا ما يسميه هيغل مكر التاريخ الذي حاق بها في حرب تموز/يوليو 2006 على نحو خاص. ثم كان المكر معكوساً إذ ردت إسرائيل من أقل النقاط احتمالاً وأكثرها قوة وهي سورية، ولو أن الحزب واصل تصديه لها في الحرب السورية نفسها.

قد تجد في سورية ومصر ولبنان والأردن وفلسطين نفسها من يقول أن ما يجب حله هو المسألة السعودية وليس المسألة الفلسطينية أو حتى المسألة اليهودية، وإن تدقق في الأمر، لن تجد فيه كبير مبالغة. تبدو الأمور كذلك حقاً، فهل كان بإمكان إسرائيل أن تفعل ما تفعل في المشهد السوري والمصري والعراقي وحتى اليمني الخ لولا أنها تجد من يساعدها في المقلب العربي، الخليج على نحو خاص، والسعودية على أخص؟

السردية الهزلية حول العداء الإيراني تكشف عن حُمقٍ من جانب وخُبثٍ من جانب آخر، حمق من يصدقها وخبث من يستثمر فيها، علماً أن إيران كانت حتى عام 1979 حليفةً لمن يعاديها اليوم، وخاصة المملكة السعودية.

لامشروع نهضوي عربي أو مشرقي من دون حل للمسألة الفلسطينية، ولا تنوير حقيقي من دون ذلك، المقتضى المنطقي انه لانهضة ولا تنوير من دون حل لمنطق (أو لا منطق) التحالف مع أمريكا! ومثلما تعمل اسرائيل على تشكيل المنطقة على شاكلتها، كذلك تفعل السعودية، وقد كشفت الحرب السورية أن موجة الأسلمة الفائقة في المنطقة جاءت متوافقة مع الإيقاع الأمريكي، متناسية فلسطين، حتى أن بعض التنظيمات الإسلامويةقال بأولوية الجهاد في سورية على الجهاد في فلسطين! كما لو أنها تزاودعلى داعشفي التطييفوالمذهبة، وعلى السعودية في قابلية التفاهم مع أمريكا والانخراط في تحالفاتها.

تعمل "اسرائيل" على توحيد العالم العربي وجانب من العالم الاسلامي في سرديتها للمنطقة، وقد شرعت بمشروع إقليمي لإقامة حلف ناتو اسلامي، وهو مشروع توحيد مقلوب أو معكوس. ثمة التباس وسوء فهم جماعي على مستوى المنطقة، استطاعت شبكات التدفقات الريعية والميديا أن تروج له، لكنهاحتى الآن لا تستطيع ان تموضع إنجازها في إطار مشروع قابل للاستمرار، قد يحقق "المشروع الإسرائيلي" مكاسب، ولكنه بلا مستقبل، لأن بداهة التاريخ هي أمر فوق ريعي وفوق مذهبي طائفي.

قد تكون المواجهة الشاملة مع "إسرائيل" مستحيلة، لكن الاستسلام الشامل مستحيل أيضاً، وقد تكون الفضيلة الوحيدة للنكبة، أننا بها نحدد أنفسنا، ويتحدد بالموقف منها معنى أن تكون عربياً أو سورياً أو لبنانياً الخ وبعد عقود من النكبة، تبدو الأولوية اليوم للمقاومة، لمنع سيل الهزيمة الجارف من أن يطيح كل شيء.

(ينشر هذا المقال بالتزامن مع مركز دمشق للأبحاث والدراسات – مداد)

دمشق 2017.05.16

--------------------

(*) د. عقيل سعيد محفوض: باحث سوري ورئيس قسم الدارسات في مركز(مداد)

http://maysaloon.news/