19 حزيران 2018
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

الانفصال البريطاني

فهد حجازي(*)

لا يشكل خروج بريطانيا من "الاتحاد الأوروبي"، مجرد تفصيل أو خصوصية في منظومة النهب العالمية، المتجسدة عسكرياً بحلف الناتو، ومن ضمنه الاتحاد الأوروبي.

إذ منذ الحرب العالمية الثانية، وظهور نظام عالمي جديد كنتيجة، لم يُخفَ أن الدول المنتصرة – ومن بينها بريطانيا – ستتقاسم العالم كشريك للمستفيد الأكبر من هذه الحرب: الولايات المتحدة الأميركية (التي تجاوزت أزمة الكساد الكبير)، والتي أعلنت أنها الإمبراطورية الصاعدة الحقيقية التي يجب على العالم أن يرهب جانبها؛ ولإظهار قوتها، كان إعلانها مدويا عبر قنبلتي "هيروشيما وناكازاكي"، ليفهم من يهمه الأمر أنها القوة الغاشمة التي لا تتردد في استعمال أي شئ لتضمن الهيمنة. ولم يكن أمام الإمبراطورية البريطانية حينها، إلا أن تنكمش قليلا، وترضى بالتبعية للمركز الرأسمالي الجديد، يساويها في ذلك شريكها الفرنسي الذي قاسمها العالم بعد الحرب الكونية الأولى!

إلا أن وافدا جديدا إلى الحلبة الدولية ظهر يومها، كمشارك من خارج منظومة النهب، هو "الاتحاد السوفييتي" الذي ظلّ يكافح ليثبت حضوره حتى انهار تحت وطأة المنافسة وسباق التسلح والفساد الإداري والجمود الفكري!

وكما أفرزت الحرب الأولى نظاما عالميا جديدا، ومظلة دولية لإدارة العالم تحت مسمى "عصبة الأمم" (وكان نصيبنا منه كيانات سايكس – بيكو)، فقد خرجت بعد الحرب الثانية "منظمة الأمم المتحدة" لتكون المنبر الذي تعلن عنه القوى المنتصرة إرادتها "بطريقة ديمقراطية"! وقد نتج عن هذا النظام الجديد ظهور العديد من القوى الخادمة للمركز الجديد، منها "إسرائيل"، واستتبعت الدول المهزومة ضمن منظومة الناتو، ومنها تركيا وألمانيا واليابان وإسبانيا.

ما تنبغي الإشارة إليه هو أن النظام العالمي لما بعد الحرب الكونية الثانية بدأ يتزعزع منذ نهايات القرن لماضي، وراح الكثير من المكونات والدول تتبدل مواقعها، فمن الدول التي كانت صاعدة، انسحقت وغابت عن الخارطة كالاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية في أوروبا. وكانت الأزمات تلاحق المنظومة الغربية التي كانت تتجنب الفشل عبر افتعال الحروب عبر العالم، وإرسال عسكرها "للقوطبة" على خروج قوى جديدة تنافس على الاقتصاد، حتى صار "الاقتصاد المعسكر" سمة العالم لرئيسية، حيث العسكر يحمي الأنظمة التابعة، ويخوض الحروب ويمول الانقلابات، ويبيع الأسلحة، ويوظف رؤوس الأموال، وحتى تجارة المخدرات!

يتبدل العالم اليوم بسرعة، بعد بلوغ الرأسمال العالمي مرحلة التقهقر الإنتاجي الصناعي والزراعي، ونكوصه لمصلحة إدارة الأموال عبر شبكة المصارف العالمية، وسيطرة القوة الأميركية على القوة المالية العالمية عبر احتكارها لمراقبة انتقال رؤوس الأموال تحت سيطرة الدولار الأميركي، وذلك في ظل حماية الأساطيل والعقوبات الاقتصادية التي تبررها منظمة الأمم المتحدة بكل أمانة! وبعد الأزمات المالية والاقتصادية المتلاحقة التي هزت منظومة النهب العالمية، وبروز العديد من ظواهر الإفلاس في العالم – وأبرزها الأزمة اليونانية – وملامح إفلاس دول أوروبية عديدة منها البرتغال وإسبانيا وإيطاليا، ناهيك عن تضخم الاتحاد الأوروبي الذي كان بحاجة لليد العاملة الشابة، فإذا به يتخم بها من قبل الوافدين من دول أوروبا الشرقية بعد انهيار منظومة حلف وارسو، أضيف إليهم كمّا هائلاُ من المهاجرين من دول العالم الفقيرة التي تعرضت للنهب من قبل القوى الاستعمارية التي تتمثل اليوم في منظومة الناتو، والمهم في هذه الهجرات أن الشباب المعدوم الأفق في بلاده المفقرة يتجه نحو الدول التي نهبت بلاده علّه يحظى ببعض حقوقه هناك! أضف إلى ذلك القوافل اللامتناهية من الهاربين من الحروب التي أشعلها المركز الرأسمالي في البلدان العربية تحت مسمى "الربيع العربي"، والتي هدفت إلى إخضاع هذه الدول وتدمير بنيتها التحتية، من أجل وضعها في تصرف الناهب الدولي، كمتعهد للتسليح وإعادة البناء، وطبعا نهب الثروات النفطية والغازية الواعدة في برّها وبحرها! ومن المفيد هنا ذكر الأعباء الاقتصادية والأمنية الهائلة التي يطرحها وجود هؤلاء المهاجرين على الكيانات الأوروبية مجتمعة.

كمحصلة، تنبغي الإشارة إلى أنه توجد اليوم دول في طور الأفول، وغيرها في مرحلة صعود. فألمانيا التي دمرتها الحرب الثانية، راكمت مقدراتها بهدوء وجديّة حتى عادت اليوم من أهم القوى الاقتصادية المستمرة بالصعود. أما روسيا، فليست الاتحاد السوفييتي الذي سقط، وإنما هي قوة اقتصادية وعسكرية صاعدة، ومنافسة بطموحات تاريخية تتحقق ببطء، ولكن بشكل مؤكد! أما الإمبراطورية الصينية فقد سلكت منحى "رأسمالية الدولة" في ظل نظام اشتراكي ملتبس، ولكنها تحقق لنفسها موقعا عالميا تخطط له بتأن، وتعتمد فيه على علاقة شريك اقتصادي مضارب (وخطير) للمركز الرأسمالي الأميركي، حيث تشارك في منظومة الأسهم الأميركية بشكل يمكنها من هز المالية الأميركية حين تشاء، وفي الوقت عينه، تتحاشى ردة الفعل الأميركية تجاه تمددها حتى في الساحة الأميركية كتاجر للمنتوجات الرخيصة، وكمنافس على الموارد الأولية عبر العالم، وفي مقدمها البترول والمعادن!

أما الدول التي تواجه الأزمات التي لا تجد لها حلاً في ظل احتكار المركز الأميركي للسطوة، فمن بينها دول منظومة الاتحاد الأوروبي، التي تجد نفسها في خانة الحيرة من أمرها، بين الالتحاق (منفردة أو مجتمعة) بمعسكر الدول الصاعدة، ومن بينها روسيا والصين وسائر دول البريكس، وإما البقاء ضمن منظومة الهيمنة تحت رحمة الرأسمال الأميركي الذي لا يمكنه مشاركة أحد!

2016.07.01

--------------

(*) د.فهد حجازي: باحث وكاتب لبناني.

http://maysaloon.news/