19 حزيران 2018
http://maysaloon.news/

فهد حجازي

الأمة بين المفهوم والواقع

فهد حجازي(*)


يكثر الحديث في الفترة الراهنة حول مفهوم "الأمة العربية", من الإنكار الغاضب إلى التشكيك الخبيث, إلى التأييد الحماسي. وكل ذلك مرده إلى الحالة العصيبة التي وصلت إليها منطقة المشرق العربي التي ما زالت تتعرض لأقسى حروب الهيمنة الخارجية, تشارك فيها, بطريقة مكشوفة هذه المرة, ممالك ودول وجماعات دينية وسياسية تابعة, تساهم نيابة عن الناهب الدولي بتدمير دول الممانعة لهذه الهيمنة, عمرانياً واقتصادياً وبشريا, تمهيداً لإخضاعها وإلحاقها بعجلة الاقتصاد المعولم لشركات حلف دول شمال الأطلسي العابرة للقارات, بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. بداية يجب تشريح المسألة البحثية ذات الصلة: "مفهوم الأمة" علمياً. لا شك أن التلخيص العلمي لمفهوم الأمة يختصر عبر مصطلحي "اللغة" و"الأرض", فعندما يتوافر هذان العاملان, كمشترك لجماعة ما, يصح أن يطلق عليها مسمى "الأمة". وبالطبع فإن هذا الاختصار ليس اعتباطاً, خصوصاً عندما نعرف أن معاش أي جماعة لا يكون مجرداً بمصطلحين اثنين, على أهميتهما, دون الأخذ بالاعتبار أسباب المعاش من دورة اقتصادية (زراعة, صناعة, رعي, صيد), يواكبها تراث مشترك (عادات, تقاليد, عبادات, فنون وغيرها). وإذا ما أضفنا إلى ما سبق, التاريخ المشترك الضروري لاكتساب صفة "الأمة", نكون قد أحطنا بكل الأسباب الموجبة لهذا التصنيف. أما لماذا يمكن اختصار عناصر وصف الأمة باثنين: "اللغة" و"الأرض"؟ فهذا يستوجب تشريح العناصر الأخرى (الضرورية, ولكن ليس المقررة), حتى نؤكد على النظرية. من بوابة "التاريخ المشترك", لا يمكن لهذا العامل على أهميتة أن يختصر أو يكون عاملاً رئيسياً ضرورياً لتحديد "الأمة", لأنه وبالأمثلة, فإن العرب والترك والكرد والفرس, وحتى الرومان والإغريق, وحتى الفرنجة, لهم تاريخ مشترك, من التعايش والتناحر, ولكن لا يمكن أن يطلق عليهم مصطلح أمة واحدة, وهذا لا يحتاج إلى أي إثبات. في "العوامل الاقتصادية", معلوم أن الاقتصاد المشترك في زمن الاحتلال الإغريقي والروماني والفارسي والعثماني كان مشتركاً, ولكن لا يمكن الحديث عن "أمة واحدة". أما "التراث" فلا يمكن اعتماده كعامل موحد, لأنه قد يختلف من منطقة إلى أخرى, من ناحية اللباس والفنون واللهجات والعبادات, وعلى العكس, يمكن أن يشكل مروحة واسعة عابرة للحدود والتاريخ, كمفردات التراث الديني الإسلامي التي تمتد من جبال الأطلس حتى أقاصي التيبت, دون أن يكون هناك عوامل أخرى مشتركة, لا في التاريخ ولا الاقتصاد ولا اللغة, ناهيك عن الجغرافيا. وهذا ما يدفع خطأ الحديث عن "أمة إسلامية", وإلا فماذا يجمع مسلمي المشرق العربي بمسلمي أندونيسيا سوى التراث الإسلامي؟! يبقى القول أنه من أجل التفاعل المعاشي, من اقتصاد وتراث, تبرز الحاجة إلى العامل المقرر الدائم, الذي تتفاعل عبره مكونات مجموعة, أو مجموعات من البشر, ليتفاهموا فيما بينهم, هذا العامل هو "اللغة", التي تأخذ (بلهجاتها المختلفة) مسمى الجامع للجماعة التي تتكلمها, وتيسر عبرها سبل معاشها, فتصير اللغة التي يستعملها العرب هي العربية ولغة الصين الصينية الخ. واللغة العربية, هي آخر إبداعات شعوب المشرق العربي وأكثرها اكتمالاً وجمالية, فهي تتألف من 28 حرفاً, أتمت شقيقاتها (الأشورية والآرامية والعمورية والبابلية والأكادية والكنعانية الفينيقية..) التي كانت تتألف كل منها من 22 حرفاً, فزادت عليها "ثخذ ضظغ", لتصبح لغة الضاد الأم الواسعة. العامل الآخر الضروري لإطلاق مفهوم الأمة, هو "الأرض", يعني "الجغرافيا المتصلة" التي يجري خلالها النشاط المعاشي الذي أشرنا إليه, وبوسيلة الاتصال التفاهمي "اللغة", هذه الجغرافيا التي تحددها الموانع التضاريسية المهمة (الجبال, الصحارى, الأنهار والبحور), وتعزلها عن غيرها من الجماعات, التي ستأخذ مسميات خاصة بها. الآن, هل يمكننا إطلاق وصف "الأمة" على الجماعات التي تقطن هذا المشرق؟ هل ينطبق هذان العاملان على غير الأمة العربية في زماننا الحاضر؟ نعلم أن الكثيرين مستاؤون من الوصف "العربي", ويرفضونه, لموقف آني مما وصلت إليه الأمة منذ قرون, وغياب تفاعلها الكبير وبروزها بين الأمم. إلا أن هذا الأمر لا يغير في حقيقة اكتمال صفة الأمة فيها! وما يعتبره الكثيرون انعدام نشاط العرب في التاريخ, نعيده إلى التاريخ ذاته ليقرر قدم هذه الأمة, ومشاركة عناصر منها في نشاط التاريخ. فلأول مرة ورد اسم العرب عبر الملك جندب (جنديبو العربي في الوثائق الأشورية) في معركة قرقر ضمن التحالف السوري ضد الأشوريين عام 853 قبل الميلاد. أما المؤرخ اليوناني هيرودوت فيذكر مشاركة العرب ضمن فتوحات الفرس في جيوش أحشويروش وقمبيز خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد, كما يصف العرب في جنوب شرق مصر. يبقى أن نؤشر على الملوك الأيطوريين الذين حكموا من عرقاتا في الشمال اللبناني وحتى عنجر, وقد زرعوا الذعر في جيوش الإغريق والرومان عبر مقاومة شرسة. ولن ننسى طبعا أن نذكر بمملكة الأنباط العربية عبر الأردن وما خلفته من حضارة راسخة ومشهودة, إضافة إلى العديد من الملوك الذين شاركوا في التاريخ, ومنهم امرؤ القيس حول البحر الأحمر, وماوية في منطقة الجولان وجبل عامل (جنوب لبنان). هذا إذا لم نذكر ممالك اليمن القديمة والحضارة الجميلة والقوية التي تمثل آثارها أمامنا, ولا حاجة للتذكير بانقسام العرب أنفسهم في حلفين متنازعين بين الفرس والروم خلال القرون الستة الأولى بعد الميلاد, من ملوك الحيرة وغيرها, وصولاً إلى الحركة التاريخية الرائدة التي قادها النبي محمد. كل هذا ولا نورد ضمن هذه المكونات العربية, ما قد يثير التباساً عند الكثيرين, كمثل مملكة تدمر وسواها. الآن هل يمكن استحضار أمم اندثرت, أو تبقّى شذر منها كأقليات هنا وهناك, يعمل البعض على إحيائها وإطلاق تسمية "الأمة" عليه, لإحداث مزيد من الانقسام في جسد الأمة التي تعاني من الاستهداف المستمر؟ هل يمكن استعادة الأمة الأشورية مثلاً؟ أو الكلدانية البابلية؟ أو الفينيقية؟ أو الفرعونية؟ أو الليبة؟ أو الأمازيغية؟ أو السومرية؟ أو غيرها؟ أم أن كل هذا اللغو ليس سوى حلقة من حلقات النظام العالمي المستجد الذي لا يعتاش إلا على تشظي الأمم المستهدفة بالنهب؟! ليست سورية "أمة", على أهمية مجالها الجغرافي الذي قد يكون مدارا كافيا للاستقرار الاقتصادي, ولكن ماذا نقول عن اللغة الجامعة؟ فإذا افترضنا لغة شبه مندثرة كالآرامية, فلا يمكن إحياءها بقرار, لأن اللغة كما أسلفنا عامل تفاعلي تلقائي. أما إذا أقرينا بجامعية اللغة العربية, فهذا يعني أن الأمة هي العربية, وعليها استلحاق الجغرافيا الأوسع. والمنطق نفسه يستقيم في الفينيقية والفرعونية والسومرية والبابلية وغيرها! كلمة أخيرة, ان الجماعات التي اندمجت عبر التاريخ (قسراً أو طوعا), وتقاسمت أسباب معاش واسع مشترك, وتبادلت مفردات التراث فيما بينها, فأغنت وأغتنت, على أرض تنقلت خلالها متكلمة بلغتها المشتركة (كل بلهجته), هذه الجماعات تؤلف اليوم "الأمة العربية" المستهدفة من ناهبيها الخارجيين, ومن عملائهم في الداخل, ومن المتوهمين بأقلياتهم الغير قابلة للحياة! من هذه الجماعات: السومريون والأكاديون والأشوريون والبابليون والمصريون والفينيقيون والكنعانيون والليبيون الأمازيغ والعرب وما بقي وانصهر من بقايا الأمم التي عايشت أو غزت وتركت بعضاً من تأثيرها الحضاري واللغوي كذلك. *(نذكر هنا بالحملة التي يقودها القس الأميركي ثيودوسوس من أصل مشرقي, والقريب من المحافظين الجدد, والذي يعمل جاهداً على محاربة العروبة وإنكارها, كجزء من مجهوده في خدمة مشغليه. وقد تأثر طيف من الشباب العرب (وخصوصا السوريين واللبنانيين) بآرائه, وتحديداً المصابين منهم بالإحباط السياسي والمحدودية الثقافية(.
بيروت 2016.07.16

-----------------

(*) د.فهد حجازي: باحث وكاتب لبناني.

http://maysaloon.news/